لم تتمكن المعاناة والمرارة في ظل مخيمات النزوح من إنهاء العادات والتقاليد التي نقلها النازحون العرب والإيزيديون إلى مخيمات كردستان ولا تزال نسبة كبيرة من الزواج المبكر تسجل هناك.
إيمان داود، فتاة إيزيدية تبلغ من العمر (14 عاماً) تزوجت قبل ثمانية أشهر من شاب يدعى سالم قاسم يكبرها بعام ويقيمان في مخيم "آشتي" قرب مدينة السليمانية، كانا يتحدثان عن سعادة زواجهما، إلا أن ملامحهما بدا عليها الحزن وكأنهما نادمان على الزواج.
إيمان التي كانت تحت خيمة لا تضم سوى سرير وعدة بطانيات قالت "تزوج الفتاة لدينا مبكرا حتى أن الشباب أيضاً يزوَجون مبكرا، بالنسبة للفتيات فإن الخيار ليس في أيديهن أما الشباب فوضعهم أفضل".
واعترفت الفتاة الإيزيدية بعدم سعادتها في زواجها ليس لأن زوجها لا يعجبها، وإنما بسبب سنها المبكر الذي خلق لها العديد من المشكلات.
وقد تزوج بالإضافة إلى إيمان وسالم العديد من الفتيات والشباب ولم يصل عمرهم إلى السن الطبيعي للزواج، فذكرى عباس وأحمد إبراهيم فتاة وشاب عربيان في مخيم "عربت" قرب السليمانية دخلا التجربة في سن مبكرة.
ذكرى وأحمد اللذان يبلغان (15 و16 عاما) على التوالي هما سعيدان بزواجهما ويريان أن زواجهما قبل سن الزواج أمر طبيعي ومع ذلك يقولان إن الزواج المبكر خلق لهما مشكلات وعوائق كثيرة لاسيما من الناحية الاقتصادية والسكن.
ويطلق اسم الزواج المبكر على الزواج الذي يعقد قبل السن القانوني دون (18 عاما) وذلك بتزويج الفتيات لرجال كبار في السن أو أن يكون كلا الزوجين في سن أبكر من الطبيعي أو أن يتم تزويج امرأة كبيرة في العمر إلى شاب قبل البلوغ وهذه الحالة قليلة.
ويضم مخيما "عربت" و"آشتي" الواقعان شرق مدينة السليمانية 3253 أسرة مجموع أفرادها 16 ألفاً و67 شخصا من عرب وكرد وتركمان وإيزيدي.
وأفاد بحث أعده اثنان من أساتذة جامعة السليمانية هما، الدكتور نوزاد أحمد والدكتور لقمان سيويلي بالتعاون مع منظمة التنمية المدنية، ومنظمة (Mirity Rights Group) ونشر بداية شهر كانون الثاني الجاري وشارك فيه 2143 شخصا، أفاد بأن 1323 شخصا منهم قد تزوجوا، أي ما نسبته 63% وقد بلغ الزواج المبكر بينهم 820 حالة، أي بنسبة 38% من مجموع المتزوجين.
ففي مخيم "عربت" كانت هناك 143 حالة زواج طبيعي و85 حالة زواج مبكر، وفي مخيم "آشتي" كانت هناك 197 حالة زواج طبيعي و718 حالة زواج مبكر، ويشكل الإيزيديون في مخيم "آشتي" أكثرية من يدافعون عن تقليد الزواج المبكر.
وكما يقول شيخ الإيزيديين حيتو مراد، فإن حالات الزواج المبكر كانت أكثر قبل النزوح ولكنها بدأت بالانخفاض بسبب سوء الوضع الاقتصادي وانعدام السكن، حسب قوله.
وأفاد البحث أيضاً بأن بعض حالات الزواج المبكر في المخيمين كانت حالات تعدد الزوجات أي أن الفتيات اللائي تزوجن قبل السن الطبيعية أصبحن الزوجة الثانية أو الثالثة وذلك بواقع زواج 70 فتاة من رجال كانت لهم زوجة أخرى و15 حالة زواج من رجال كانت لهم زوجتان.
وذكر الشيخ مراد في مخيم "آشتي" أنهم اتبعوا زواج الفتيات والشبان دون سن (18 عاما) منذ القدم ولم تكن هناك مشكلة بين الأزواج.
وقال "وجد الزواج المبكر عندنا منذ القدم وهو أمر جيد لأن الأزواج يسيرون على درب الحياة مبكرا ويخلفون الكثير من الأطفال، ولا يتعلق الأمر بنا نحن فقط وإنما توجد هذه الظاهرة في مدن إقليم كردستان الأخرى أيضاً".
وذكر أيضاً أن حالات الطلاق بين الذين تزوجوا في سن مبكرة كانت في أدنى مستوياتها، إلا أنه قال إن هؤلاء يتعرضون لسوء تفاهم ويقوم الشيوخ بحل المشكلات بينهم.
وتتمثل المشكلة في أن انغلاق المجتمع الإيزيدي أدى إلى أن يكون من الصعب على الفتاة طلب حقوقها أو الطلاق حتى وإن كانت غير راضية عن حياتها الزوجية لذلك فإن نسبة الطلاق قليلة.
ويبدأَ الزواج المبكر في المخيمين من عمر (10 - 16 سنة) ولكن معظم حالات الزواج المبكر في المخيمين هي بين (13 - 16 سنة) بالإضافة إلى حالتي زواج في عمر عشر سنوات إحداهما بين العرب والأخرى بين الإيزيديين.
ويعقد قران الفتيات والشباب دون سن الثامنة عشر من العرب والإيزيديين من قبل رجال الدين والشيوخ ولا تجري الدوائر الحكومية لهم أية معاملات فالزواج المبكر محظور حسب القوانين النافذة في إقليم كردستان.
وجاء في البحث أيضاً أن نسبة الزواج المبكر من مجموع من تزوجوا كانت 31% في عام 2014 وارتفعت في عام 2015 إلى 40% فيما انخفضت في عام 2016 إلى 29% وذلك بسبب انعدام ضرورات الحياة داخل المخيمات.
وقال مدير مخيم "آشتي" بيام سلام، إن من تزوجوا في سن مبكرة داخل المخيمات طبقوا تقاليدهم التي كانوا يطبقونها حتى قبل نزوحهم.
وأكد "يوجد زواج مبكر داخل المخيمات، وكانت الأعداد كبيرة خلال السنوات الماضية إلا أنها انخفضت الآن والأسباب الاقتصادية وراء ذلك"، موضحاً أنه لا يمكنهم تسجيل أسماء من يتزوجون في سن مبكرة، لأنهم لا يستطيعون مساعدتهم في شيء نظرا لتعارض ذلك النوع من الزواج مع الأسس القانونية كما لا يمكنهم منعه أيضاً.
وفي السياق ذاته، قالت مدير ملف النازحين في منظمة التنمية المدنية آشنا رؤوف "لدينا تماس يومي مع النازحين داخل المخيمات وهم يعانون من مشكلات متنوعة يعود السبب فيها إلى الزواج المبكر، نحن نحاول معهم منذ عامين ولكنهم لا يزالون متمسكين بتلك التقاليد".
وأشارت إلى أن بعضا من حالات الزواج المبكر التي تمت داخل المخيمات تفشل بعد مدة وتؤدي إلى الطلاق والسبب في ذلك هو صغر سن الزوجين وقلة تجربتهما إذ تحدث المشكلات بينهما، مضيفة أن هذا النوع من الزواج داخل المخيمات أصبح كنوع من الرغبة حيث يبقى الزوجان معا لمدة ثم ينتهي الأمر، وضربت مثالا على ذلك بتسجيل 42 حالة طلاق.
وقالت "يتسبب هذا النوع من الزواج بأضرار نفسية وصحية واجتماعية فالزوجان لا يطيقان بعضهما بسبب صغر سنهما وقد لجأ البعض منهم إلى الانتحار وإلحاق الأذى بأنفسهم".