🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

عجائب العواطف والأرقام

وكالة الحدث الاخبارية 2018/12/04 00:00

علي السوداني

 

 

وهذا‭ ‬عالم‭ ‬يركض‭ ‬نحو‭ ‬الإنقراض‭ ‬بسرعة‭ ‬مذهلة‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬تدري‭ ‬بأي‭ ‬أرضٍ‭ ‬ستموت‭ . ‬تتصخر‭ ‬العاطفة‭ ‬ويخبو‭ ‬الضمير‭ ‬وتتبدل‭ ‬البضاعة‭ ‬،‭ ‬وتتغير‭ ‬بوصلة‭ ‬انسكاب‭ ‬الدموع‭ ‬من‭ ‬دكة‭ ‬صوب‭ ‬أخرى‭ ‬جديدة‭ . ‬في‭ ‬شتاءات‭ ‬بائدة‭ ‬ليست‭ ‬قديمة‭ ‬،‭ ‬كنا‭ ‬نبكي‭ ‬وننصب‭ ‬خيام‭ ‬العزاء‭ ‬اللغوي‭ ‬،‭ ‬أمام‭ ‬خيام‭ ‬اللاجئين‭ ‬المهانين‭ ‬البردانين‭ ‬الجائعين‭ ‬،‭ ‬ونذرف‭ ‬على‭ ‬عتباتهم‭ ‬بحر‭ ‬دمع‭ ‬،‭ ‬لكنّ‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشتاء‭ ‬قد‭ ‬بدا‭ ‬مختلفاً‭ ‬،‭ ‬والشفقة‭ ‬والتضامن‭ ‬معهم‭ ‬يكاد‭ ‬لا‭ ‬يسمعه‭ ‬ولا‭ ‬يقرأه‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬ماحود‭ ‬،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬خيامهم‭ ‬وأعدادهم‭ ‬المليونية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قائمة‭ ‬،‭ ‬مع‭ ‬انثلام‭ ‬قليل‭ ‬لا‭ ‬يأكل‭ ‬من‭ ‬جرف‭ ‬العدد‭ ‬المخيف‭ .‬

لم‭ ‬نعد‭ ‬نرى‭ ‬صوراً‭ ‬وفيديوهات‭ ‬وقصائد‭ ‬وأدعية‭ ‬وأكفاً‭ ‬مرفوعة‭ ‬نحو‭ ‬السماء‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الرفق‭ ‬والرحمة‭ ‬بهؤلاء‭ ‬المساكين‭ ‬الذين‭ ‬أخرجوا‭ ‬من‭ ‬بيوتهم‭ ‬الآمنة‭ ‬بغير‭ ‬حق‭ ‬وعقل‭ .‬

يحدث‭ ‬الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬أقرانهم‭ ‬وأشقائهم‭ ‬في‭ ‬الفجيعة‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬عابري‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬الى‭ ‬أكبر‭ ‬مقبرة‭ ‬جماعية‭ ‬للجثث‭ ‬المجهولة‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬تغرق‭ ‬وتغوص‭ ‬مع‭ ‬آخر‭ ‬شهقات‭ ‬وأحلام‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬سقف‭ ‬ممكن‭ ‬يضم‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬عمر‭ ‬راكض‭ ‬صوب‭ ‬الموت‭ .‬

الرأسمالية‭ ‬الجشعة‭ ‬المتوحشة‭ ‬تواصل‭ ‬لعبة‭ ‬الأرقام‭ ‬العجيبة‭ ‬،‭ ‬فتضع‭ ‬بماكنتها‭ ‬الدعائية‭ ‬ليلاً‭ ‬ونهاراً‭ ‬قضية‭ ‬مقتل‭ ‬صحفي‭ ‬واحد‭ ‬،‭ ‬وتحذف‭ ‬من‭ ‬عناوينها‭ ‬ضحايا‭ ‬آخرين‭ ‬تنمو‭ ‬أعدادهم‭ ‬بغير‭ ‬حساب‭ .‬

كرة‭ ‬القدم‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬اسمها‭ ‬لعبة‭ ‬الفقراء‭ ‬،‭ ‬تم‭ ‬سحقها‭ ‬بنفس‭ ‬الماكنة‭ ‬القذرة‭ ‬،‭ ‬فصار‭ ‬الفريق‭ ‬الأحسن‭ ‬هو‭ ‬الفريق‭ ‬الغني‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬بمقدوره‭ ‬شراء‭ ‬أعظم‭ ‬اللاعبين‭ ‬المهرة‭ ‬بمئات‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬سعر‭ ‬لاعب‭ ‬واحد‭ ‬الى‭ ‬رقم‭ ‬قياسي‭ ‬يكفي‭ ‬لتمويل‭ ‬كلف‭ ‬علاج‭ ‬وتعليم‭ ‬جلّ‭ ‬مخيمات‭ ‬الأرض‭ .‬

موارد‭ ‬الأرض‭ ‬الشحيحة‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬يتم‭ ‬الإنقضاض‭ ‬عليها‭ ‬بشراسة‭ ‬وقسوة‭ ‬وشراهة‭ ‬حيوانية‭ ‬موجعة‭ .‬

شركات‭ ‬العولمة‭ ‬القذرة‭ ‬أبدعت‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬وتشجيع‭ ‬وتسهيل‭ ‬عمليات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العشوائي‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬الملبس‭ ‬والمأكل‭ ‬والمبنى‭ ‬والمشرب‭ . ‬خذ‭ ‬مثلا‭ ‬ساندويجة‭ ‬الهمبركر‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتخطى‭ ‬ثمنها‭ ‬نصف‭ ‬دولار‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬اليوم‭ ‬تباع‭ ‬بضعفي‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬أربعة‭ ‬أضعاف‭ ‬هذا‭ ‬السعر‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أضافوا‭ ‬الى‭ ‬هويتها‭ ‬البكر‭ ‬،‭ ‬زوائد‭ ‬وفوائض‭ ‬منها‭ ‬الجبن‭ ‬والبطاطا‭ ‬والسمسم‭ ‬وعدد‭ ‬الطبقات‭ ‬وحجم‭ ‬اللحمة‭ ‬المبالغ‭ ‬فيه‭ ‬،‭ ‬ودستة‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬المقبلات‭ ‬والألوان‭ ‬والأشكال‭ ‬والإضافات‭ ‬التي‭ ‬تنزل‭ ‬على‭ ‬محيط‭ ‬اللفّة‭ ‬فتنفخ‭ ‬سعرها‭ ‬نفخاً‭ ‬كبيراً‭ .‬

يصنعون‭ ‬أجهزة‭ ‬اتصال‭ ‬وفرجة‭ ‬ويزقون‭ ‬فيها‭ ‬برنامجاً‭ ‬وخاصية‭ ‬مغرية‭ ‬فتشتريها‭ ‬الناس‭ ‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ستة‭ ‬شهور‭ ‬يضيفون‭ ‬فخاً‭ ‬جديداً‭ ‬لها‭ ‬،‭ ‬فتركض‭ ‬الرعية‭ ‬لاستبدال‭ ‬هواتفها‭ ‬وكومبيوتراتها‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬وغير‭ ‬معمّر‭ ‬حتماً‭ .‬

إنّ‭ ‬الأرض‭ ‬لعلى‭ ‬خطرٍ‭ ‬عظيم‭ .‬

 

 

لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (وكالة الحدث الاخبارية)