
علي السوداني
وهذا عالم يركض نحو الإنقراض بسرعة مذهلة ، حتى باتت الناس لا تدري بأي أرضٍ ستموت . تتصخر العاطفة ويخبو الضمير وتتبدل البضاعة ، وتتغير بوصلة انسكاب الدموع من دكة صوب أخرى جديدة . في شتاءات بائدة ليست قديمة ، كنا نبكي وننصب خيام العزاء اللغوي ، أمام خيام اللاجئين المهانين البردانين الجائعين ، ونذرف على عتباتهم بحر دمع ، لكنّ الأمر في هذا الشتاء قد بدا مختلفاً ، والشفقة والتضامن معهم يكاد لا يسمعه ولا يقرأه أحد أو ماحود ، مع أن خيامهم وأعدادهم المليونية ما زالت قائمة ، مع انثلام قليل لا يأكل من جرف العدد المخيف .
لم نعد نرى صوراً وفيديوهات وقصائد وأدعية وأكفاً مرفوعة نحو السماء ، من أجل الرفق والرحمة بهؤلاء المساكين الذين أخرجوا من بيوتهم الآمنة بغير حق وعقل .
يحدث الأمر نفسه مع أقرانهم وأشقائهم في الفجيعة ، من عابري البحر الأبيض المتوسط ، الذي تحول الى أكبر مقبرة جماعية للجثث المجهولة ، التي تغرق وتغوص مع آخر شهقات وأحلام الوصول الى سقف ممكن يضم ما تبقى من سنوات عمر راكض صوب الموت .
الرأسمالية الجشعة المتوحشة تواصل لعبة الأرقام العجيبة ، فتضع بماكنتها الدعائية ليلاً ونهاراً قضية مقتل صحفي واحد ، وتحذف من عناوينها ضحايا آخرين تنمو أعدادهم بغير حساب .
كرة القدم التي كان اسمها لعبة الفقراء ، تم سحقها بنفس الماكنة القذرة ، فصار الفريق الأحسن هو الفريق الغني ، الذي بمقدوره شراء أعظم اللاعبين المهرة بمئات ملايين الدولارات ، حتى وصل سعر لاعب واحد الى رقم قياسي يكفي لتمويل كلف علاج وتعليم جلّ مخيمات الأرض .
موارد الأرض الشحيحة هي الأخرى يتم الإنقضاض عليها بشراسة وقسوة وشراهة حيوانية موجعة .
شركات العولمة القذرة أبدعت في نشر وتشجيع وتسهيل عمليات الاستهلاك العشوائي ، في الملبس والمأكل والمبنى والمشرب . خذ مثلا ساندويجة الهمبركر التي لا يجب أن يتخطى ثمنها نصف دولار ، حتى صارت اليوم تباع بضعفي أو ثلاثة أو حتى أربعة أضعاف هذا السعر ، بعد أن أضافوا الى هويتها البكر ، زوائد وفوائض منها الجبن والبطاطا والسمسم وعدد الطبقات وحجم اللحمة المبالغ فيه ، ودستة أنواع من المقبلات والألوان والأشكال والإضافات التي تنزل على محيط اللفّة فتنفخ سعرها نفخاً كبيراً .
يصنعون أجهزة اتصال وفرجة ويزقون فيها برنامجاً وخاصية مغرية فتشتريها الناس ، وبعد ستة شهور يضيفون فخاً جديداً لها ، فتركض الرعية لاستبدال هواتفها وكومبيوتراتها بما هو جديد وغير معمّر حتماً .
إنّ الأرض لعلى خطرٍ عظيم .