🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

هدية العمر

وكالة الصحافة المستقلة 2019/05/01 00:00



المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد


بعد سنوات طويلة من عمل مضن قضاها في شركة لبناء العقارات؛ قرر أن يقدم استقالته لينعم بما بقي من حياته مع أسرته، ولكن رئيسه في العمل رفض استقالته، واشترط لقبولها أن يتمّ بناء منزل سيكون هدية لشخص مقرب من مدير الشركة، ولم تفلح المحاولات الكثيرة التي بذلها صاحبنا في إقناع مدير الشركة للعدول عن رأيه؛ فإما البناء أو البقاء. قبِل صاحبنا المهمة في نهاية الأمر، وأسرع في بناء المنزل دون اهتمام ملحوظ، وفَقَد العمل بذلك الحرص المرغوب، فقد كان همه الأول والأخير أن ينجز هذه المهمة في أسرع وقت ممكن. وبالفعل أتمّ صاحبنا بناء هذا المنزل وسلّمه إلى رئيسه في العمل وفق ما اتُفق عليه. فابتسم له رئيسه قائلاً: هذا المنزل هدية نهاية خدمتك للشركة؛ فقد قضيت فيها زهرة عمرك خدمة لنا! فدهش صاحبنا دهشة هي أشبه بصدمة فاقت توقعه..حبست أنفاسه وعقدت لسانه، وندم كأشد ما يكون الندم، لأنه لم يتقن بناء هدية عمره وثمرة كفاحه.


لقد خالطت كثيراً من الناس فوجدت منهم من يُقبل على عمله متلهفاً، يطير إليه على أجنحة الشوق، يرى إخلاص عمله واجباًإنسانياً لإعمار الكون والوجود، مدركاً أن الحياة تُبنى على أكتاف هؤلاء الذين يعملون فيخلصون، وينتجون فيبدعون. ورأيت آخرين يُساقون إلى عملهم مدفوعين بسياط الرهبة والخوف، يترقبون ساعات الفرار من عملهم كأنهم مغلولون بسلاسل شُدت إلى أعناقهم. ولا يدري هؤلاء أن عملهم مفكك اللبنات، تملكت منه عوامل الهدم في مهده، ولا محالة ينفرط عقده كما تنفرط حباتعقد انقطع سلكه. وما يؤسف له أن الجرعات المتكررة التي تهدف إلى إحياء الأمل في الإرادة المخدرة تبوء بفشل تلو فشل، وجهود استنهاض العزائم الغافية وهي خجلى لتستأنف السير في موكب الحياة تصادفها عثرة إثر عثرة، وقد تمر ضمائرهم بلحظات صحو قليل، ثم ما تلبث أن تعود إلى سباتها العميق.


إن شجرة الحياة لا تنمو سيقانها صُعداً إلى السماء إلا بإخلاص العاملين الكادحين، ولا تمتد أفرعها وما يجري بها من إيراق أزهار وعذوبة ثمار إلا بعزائم المُجدّين المتقنين، وكل ورقة من أوراق هذه الشجرة هي في واقع الأمر ترجمة إنسان أفنى عمره ليضمن لها البقاء، وكل خيط من خيوط تلك الأوراق هي سنوات تصدر من الأبد وإلى الأبد، تسمع لها زفرات خاشعة ينبض بها القلب الإنساني. وسيظل القلب حياً نابضاً ما دامت البشرية ترى في الإخلاص معنى شريفاً، وما قنعت أنها لن تصيب سهماً من سهام النجاح إلا بأيدي المخلصين.  

لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (وكالة الصحافة المستقلة)