🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

لماذا يُفضّل العراقي "الأمان الحكومي" على "مغامرة القطاع الخاص"؟.. الأسباب أعمق من الراتب-عاجل

بغداد اليوم 2026/01/16 23:10
بغداد اليوم - بغداد مرّ الاقتصاد العراقي خلال العقود الماضية بتحوّل عميق، ظاهريًا من نموذج اشتراكي تهيمن فيه الدولة على مفاصل الإنتاج والتوزيع، إلى نموذج يُفترض أنّه ليبرالي يعطي مساحة أوسع للقطاع الخاص. لكن النتيجة الفعلية لم تكن انتقالًا واضحًا من نظام إلى آخر، بل ولادة اقتصاد هجين، لا يزال عالقًا في المنتصف: دولة ضخمة تمسك بالريع والقرار، وقطاع خاص ضعيف يدور في فلكها أكثر ممّا ينافسها أو يكملها. في السبعينيات، بعد تأميم النفط وتوسّع شركات القطاع العام، تشكّل نموذج اقتصاد تقوده الدولة: المصانع الكبرى، المصارف، شركات النقل، مشاريع الإسكان، والقطاعات الاستراتيجية كانت كلها تحت المظلّة الحكومية. القطاع الخاص وُضع في الهامش، مُسموح له بالحركة في التجارة والمقاولات والأعمال الصغيرة، لكن من دون دور حقيقي في صناعة القرار الاقتصادي أو قيادة النمو. كان التصوّر السائد أنّ الدولة قادرة على التخطيط والتشغيل والتمويل معًا، وأنّ وظيفة المواطن أن يكون موظّفًا أو تابعًا لمنشأة عامة، لا صاحب مشروع يغامر ويفكّر في السوق. خلال التسعينيات، ومع الحصار وتراجع قدرات الدولة التمويلية، لم يظهر قطاع خاص إنتاجي حديث، بل نمت طبقة من "الرأسمالية الطفيلية" حول الدولة. برز تاجر الحصار وتاجر الاستيراد وتاجر الامتياز، أكثر من رجل الأعمال المنتج. تحوّل جزء مهم من النشاط الاقتصادي إلى شبكات وساطة وتهريب وعقود ملتوية مرتبطة بالسلطة، لا إلى مصانع جديدة أو مشاريع زراعية أو خدمات متطوّرة. هنا بدأ التآكل الفعلي لـ"الاشتراكية" من دون أن يولد بديل منظَّم، فتحوّلت الدولة من منتِج كبير إلى جهاز مُرهَق يحاول البقاء، بينما تمدّدت حوله شبكات مصالح تستفيد من الضعف لا تعالجه. بعد 2003، رُفع الشعار الرسمي: اقتصاد سوق، دعم القطاع الخاص، فتح الحدود، تشجيع الاستثمار. لكن التطبيق العملي قاد إلى تشوّه أعمق. فُتحت الحدود للاستيراد قبل أن تُبنى سياسة صناعية أو زراعية تحمي وتحدّث الإنتاج المحلي، فعجزت المصانع القديمة عن منافسة السلع المستوردة الأرخص والأكثر جودة. في الوقت نفسه، أعادت الدولة تعريف دورها بوصفها خزينة رواتب أكثر من كونها جهة تخطيط واستثمار، فتضخّم الجهاز الحكومي وابتلعت الوظائف العامة الجزء الأكبر من الطاقة العاملة، في حين بقي الاستثمار الإنتاجي ضعيفًا وموسميًا ومرتبطًا بالظروف السياسية وأسعار النفط. بهذا المسار المتدرّج، خرج العراق عمليًا من نموذج الاقتصاد الاشتراكي من دون أن يدخل إلى اقتصاد ليبرالي منضبط. لم تتكوّن طبقة واسعة من رجال أعمال منتجين يقودون الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة، بل تمدّدت شريحة من "القطاع الخاص السياسي" الذي يعيش على العقود الحكومية، والمناقصات، والامتيازات، والوساطات. وبقيت الدولة، رغم كلّ الحديث عن الإصلاح والانفتاح، هي المموّل الأكبر، وصاحبة اليد الثقيلة في السوق، تقرّر رواتب، وتوزّع عقودًا، وتتحكّم بالريع النفطي الذي يبقى المصدر الأوّل للثروة. النتيجة النهائية هي ما نراه اليوم: اقتصاد لا يمكن وصفه بالاشتراكي بعدما تراجعت قدرة الدولة الإنتاجية، ولا يمكن اعتباره ليبراليًا لأنّ القطاع الخاص ما زال هشًّا ومجزّأً ومشدودًا إلى قرار السلطة أكثر من قواعد المنافسة. هو اقتصاد هجين، في قلبه دولة ريعية تعتمد على النفط وتستخدمه لضبط التوازنات الاجتماعية والسياسية، وحوله قطاع خاص متضارب الملامح، جزء صغير منه يحاول أن يكون منتجًا وحديثًا، وجزء أكبر يعتاش على الاستيراد والصفقات والمقاولات المرتبطة بالسلطة. من هذا "المنتصف" بالضبط يبدأ سؤال: كيف يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوره الحقيقي، إذا كانت البنية نفسها مصمّمة لإبقائه تابعًا لا شريكًا؟ صورة القطاع الخاص اليوم بالأرقام والتمويل والقطاعات الفعلية في الصورة الراهنة للاقتصاد العراقي، يبدو القطاع الخاص أشبه بجسم حيّ يتنفّس بصعوبة داخل غرفة تضجّ بالأوكسجين، لكن لا يصله منه إلّا عبر أنبوب رفيع تتحكّم به الدولة والجهاز المصرفي. الخطاب الرسمي يتحدّث بثقة عن "تمكين القطاع الخاص" و"الانتقال من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد السوق"، لكن الأرقام تكشف عن مفارقة قاسية: الجزء الأكبر من التمويل والقرار لا يزال يدور في مدار الحكومة، فيما يُترك القطاع الخاص عند الهامش، يناور بقليل من الهوامش وكثير من القيود. إذا نظرنا إلى مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، نجد أنّها تتراوح، بحسب التقديرات والدراسات المختلفة، بين ربع وثُلث الاقتصاد في أفضل الأحوال، وغالبًا ما تكون هذه المساهمة متركّزة في قطاعات التجارة والخدمات البسيطة لا في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا. الأهم من حجم المساهمة هو نوعيتها: ما يُسمّى "قطاعًا خاصًا" في العراق يضمّ شريحة واسعة من النشاط التجاري الاستهلاكي، والاستيراد، والمقاولات المرتبطة بالدولة، بينما تبقى القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية وتشغيل اليد العاملة في حالة وهن مزمن. بهذا المعنى، لا يمثّل الرقم المجرّد لمساهمة القطاع الخاص دليلًا على حيوية اقتصادية حقيقية بقدر ما يعكس انتقال جزء من النشاط الاستهلاكي والخدمي من يد الدولة إلى يد التجّار وشركات الاستيراد والمقاولة. التمويل المصرفي يعمّق هذه الصورة بدل أن يصحّحها. فبدل أن يكون الجهاز المصرفي هو الذراع التي تضخّ الدم في شرايين القطاع الخاص، يتحوّل تدريجيًا إلى خزنة موازية لتمويل الدولة نفسها. وهنا يقدّم الخبير الاقتصادي منار العبيدي صورة دقيقة عن هذا الاختلال، وهو يقرأ بيانات البنك المركزي العراقي التي تشير بوضوح إلى أنّ نسبة استحواذ القطاع الحكومي على التمويل تتصاعد على حساب حصة القطاع الخاص. ففي نهاية عام 2024 بلغت حصة الحكومة من التمويل المصرفي نحو 9% من إجمالي موجودات الجهاز المصرفي، قبل أن تقفز لاحقًا إلى 16% من موجودات تقارب 276 تريليون دينار، بينما تتراجع نسبة ما يذهب إلى القطاع الخاص. هذه الأرقام، وفق قراءة العبيدي، لا تعني مجرّد تغيير في جداول التوزيع، بل تكشف عن خيار سياسي–مالي صريح: الدولة تفضّل أن تقترض من المصارف لتمويل عجزها بدل أن تفسح المجال أمام القطاع الخاص للتمدّد عبر الائتمان والاستثمار. في المقابل، يظلّ حصول الشركات الخاصة على التمويل واحدة من أعقد العقبات البنيوية. فإجراءات الإقراض ثقيلة ومتشعّبة، والضمانات المطلوبة غالبًا أكبر من قدرة المستثمر الحقيقي على توفيرها، والمصارف الحكومية والأهلية تميل، بفعل العقلية المحافظة، إلى تمويل النشاطات التجارية السريعة والعقود المضمونة مع الدولة، لا المشاريع الإنتاجية التي تحتاج سنوات لتستردّ رأس المال وتبدأ بتوليد الأرباح. يُضاف إلى ذلك، كما يشير العبيدي، أنّ المبادرات التمويلية التي يُعلن عنها كثيرًا بوصفها دعمًا للقطاع الخاص، غالبًا ما تكون محدودة في حجمها، قصيرة الأمد، أو مصمَّمة بطريقة تجعل الاستفادة الفعلية منها حكرًا على شبكة ضيّقة من الشركات التي تمتلك العلاقات والقدرة على اجتياز المتطلّبات الورقية والبيروقراطية. هذه التركيبة تجعل مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، بمختلف أنشطته، لا تتجاوز في أفضل التقديرات حدود 20–25%، مع غلبة واضحة للقطاعات التجارية والخدمية على حساب الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات المتقدّمة. بمعنى آخر، القطاع الخاص الذي يُراد له أن يكون محرّكًا للنمو وتوليد فرص العمل، يتحوّل في الواقع إلى قطاع استهلاك واستيراد وتجارة محلية، يرتبط إنعاشه بقدرة الدولة على الاستمرار في ضخّ الرواتب والإنفاق العام، أكثر من ارتباطه بأساس إنتاجي مستقل. وحين ترتفع أسعار النفط، ينتعش الطلب على السلع المستوردة والخدمات الاستهلاكية فيتحرّك جزء من هذا القطاع، وحين تنخفض الأسعار أو تتأخّر الموازنة أو يتصاعد التوتر السياسي، يتجمّد كلّ شيء تقريبًا. صورة التمويل تكشف أيضًا عن حقيقة أخرى: التوجّه نحو تمويل العجز في الموازنة عبر الجهاز المصرفي لا يكتفي بتعطيل دور القطاع الخاص، بل يضعف قدرة الدولة نفسها لاحقًا على الوفاء بالتزاماتها تجاه المصارف، ويزرع بذور أزمة مالية أوسع. فحين تتوسّع الدولة في الاقتراض الداخلي، فإنّها تستهلك قدرة المصارف على الإقراض المنتج، وتحوّلها إلى حامل لسندات حكومية أو ديون مباشرة، ما يعني أنّ أيّ اهتزاز في الموازنة أو في أسعار النفط سيتحوّل فورًا إلى اهتزاز في قلب النظام المالي كلّه. وهكذا يجد القطاع الخاص نفسه في وضع مزدوج: محروم من التمويل من جهة، ومهدَّد بانكماش مفاجئ في حال تعرّضت الدولة لأزمة مالية من جهة أخرى. في سوق العمل، ينعكس هذا الاختلال بشكل حاد. فالشباب الداخلون إلى سوق العمل يجدون أمامهم قطاعًا عامًا متخمًا بالموظفين لكنه ما زال في نظرهم مصدر الأمان والراتب الثابت، وقطاعًا خاصًّا هشًّا، غير مضمون، لا يوفّر حماية اجتماعية ولا استقرارًا وظيفيًا في معظم الأحيان. وفي ظلّ بيئة قانونية وقضائية لا تمنح العامل ولا صاحب العمل الثقة الكافية، يستمرّ نزيف الكفاءات نحو الوظيفة الحكومية أو الهجرة أو الاقتصاد غير الرسمي، بينما يبقى القطاع الخاص الرسمي محصورًا في نطاق ضيّق من المبادرات الفردية والقطاعات التقليدية. بهذا التوصيف، يمكن القول إنّ القطاع الخاص في العراق اليوم ليس غائبًا بالكامل، لكنّه حاضر بطريقة لا تسمح له بأن يكون البديل أو الشريك الحقيقي للدولة في قيادة الاقتصاد. هو قطاع مكبّل بهيكل تمويل يفضّل الحكومة على المستثمر، وبرؤية رسمية ما تزال تنظر إليه كملحق وخيار ثانٍ بعد الدولة، لا كقوة قادرة على حمل جزء من عبء النمو والتشغيل. وبين خطاب رسمي يتحدّث عن "تمكين القطاع الخاص"، وواقع رقمي يكرّس حصة أكبر للحكومة في التمويل والقرار، يبقى القطاع الخاص عالقًا بين ما يُقال عنه وما يُسمح له بأن يكون عليه فعلًا. ما الذي يخنق القطاع الخاص؟ إذا كان تاريخ التحوّل الاقتصادي في العراق يفسّر كيف وُلد هذا القطاع الخاص الهشّ، فإنّ الواقع الحالي يجيب عن سؤال آخر أكثر مباشرة: ما الذي يخنق القطاع الخاص اليوم ويمنعه من أن يتحوّل إلى قوة حقيقية في الاقتصاد؟ في الظاهر، يمكن حصر الإجابة في عناوين مثل التمويل والبيروقراطية والفساد، لكنها في العمق تتعلق ببنية كاملة صُمّمت حول الدولة، وتركت القطاع الخاص في الفراغ بين قوانين لا تُطبّق، ومؤسّسات لا تُنجز، وعقلية سياسية ترى في المستثمر شريكًا مؤقتًا لا ركيزة دائمة. أوّل ما يخنق هذا القطاع هو طريقة توزيع المخاطر والعوائد في الاقتصاد العراقي. الدولة تستحوذ على الريع النفطي، وتوزّعه رواتب وعقودًا وإنفاقًا جاريًا، وتترك للقطاع الخاص هامشًا يتحمّل فيه أغلب المخاطر من دون ضمانات حقيقية. المستثمر الذي يقرّر أن يدخل في مشروع صناعي أو زراعي أو خدمي طويل الأمد، يواجه بيئة غير مستقرة: انقطاع كهرباء، تغيّر مفاجئ في القرارات الضريبية والكمركية، تأخّر في دفع مستحقّاته إذا تعامل مع الدولة، ضعف إنفاذ العقود إذا اصطدم بمنافس مدعوم سياسيًا. في المقابل، يجد نفسه مضطرًّا إلى دفع أثمان غير رسمية في أكثر من حلقة، من الرخصة الأولى حتى إكمال المشروع. هكذا يصبح "الاستثمار الجدي" مغامرة مكلفة، بينما تبدو التجارة السريعة والاستيراد والمقاولات الشكلية أقلّ خطرًا وأسرع مردودًا. العقدة الثانية تكمن في البيروقراطية التي تقف بين الفكرة والسوق. تأسيس شركة، الحصول على إجازة استثمار، استيراد معدات، تسجيل علامة، حلّ نزاع تجاري بسيط؛ كلها خطوات يمكن أن تستغرق أسابيع أو أشهر، وتحتاج إلى المرور عبر دوائر متعددة، لا تزال في جزء كبير منها أسيرة الورق والأختام والمزاج الشخصي للموظّف. هذه البيروقراطية لا تعمل فقط كعائق زمني ومالي أمام المشروع، بل تتحوّل أيضًا إلى بوابة للفساد الصغير والكبير، إذ يصبح تسريع المعاملة أو تليين قرار ما مسألة "تفاهم" لا مسألة حق قانوني. ومع الوقت، يترسّخ لدى المستثمر إحساس بأنّ الدولة لا تراه حليفًا يجب تسهيل طريقه، بل "مراجعًا" عالقًا في طابور دائم. ثالثًا، هناك البيئة القانونية والقضائية التي لا تمنح المستثمر ولا العامل الثقة الكافية. القوانين التجارية والاستثمارية موجودة على الورق، وبعضها متقدّم نظريًا، لكن إنفاذها على الأرض يبقى بطيئًا وانتقائيًا. حين ينشب نزاع بين شركتين، أو بين مستثمر وجهة حكومية، يصبح اللجوء إلى القضاء مغامرة زمنية غير مضمونة: قضايا تمتدّ لسنوات، قرارات تنفيذية تتعطّل، وأحكام قد لا تجد طريقها إلى التطبيق إذا تعارضت مع نفوذ طرف سياسي. هذه الهشاشة في إنفاذ القانون تجعل من الصعب بناء عقود طويلة الأمد، أو الدخول في شراكات كبيرة، لأنّ أيّ خلل قد يعني انهيار المشروع بالكامل من دون قدرة حقيقية على استرداد الحقوق. إلى جانب ذلك، يتعايش القطاع الخاص مع فساد بنيوي لا يقتصر على الرشاوى الفردية، بل يمتدّ إلى طريقة إسناد العقود وتوزيع الفرص. في قطاعات كبيرة مثل الإنشاءات، التجهيزات، المشاريع الخدمية، يصبح الحصول على عقد حكومي، في كثير من الأحيان، مرتبطًا بالولاء السياسي أو القرب من مركز نفوذ أكثر من ارتباطه بالكفاءة والسعر والجودة. هذا النمط من "الزبائنية الاقتصادية" يولّد نوعين من القطاع الخاص: شركات صغيرة ومتوسطة تكافح للبقاء على الهامش بجهد ذاتي، وشركات واجهة أو "مدلّلة" تُفتح لها الأبواب لأنّها ترتبط بحزب أو شخصية أو جهة مسلّحة. وجود هذا التمييز غير المرئي يقتل روح المنافسة، ويدفع كثيرًا من روّاد الأعمال الحقيقيين إلى الانسحاب أو الهجرة أو الاكتفاء بنشاطات محدودة لا تحتمل الصدام مع المنظومة. العقلية السياسية تضيف طبقة أخرى من الخنق. كثير من صانعي القرار ما زالوا ينظرون إلى القطاع الخاص بعين الشك: تارة بوصفه "مصدر استغلال" يمكن تحميله مسؤولية ارتفاع الأسعار وسوء الخدمات، وتارة بوصفه "مستفيدًا" يجب أن يدفع دائمًا مقابل كلّ تسهيل أو إعفاء. في ظلّ هذه العقلية، يصبح الخطاب عن "الشراكة بين العام والخاص" مجرّد شعار، لأنّ الشراكة الحقيقية تعني أن تعترف الدولة للقطاع الخاص بدور مستقل ومؤثّر وأن تحميه من تغوّلها هي نفسها ومن تغوّل القوى المرتبطة بها، لا أن تستخدمه كأداة ظرفية لتمرير مشاريع محدّدة ثم تعود إلى مركزية القرار بمجرد انتهاء الحاجة. ولا يمكن إغفال عامل البنية التحتية والخدمات الأساسية كقيد مباشر يخنق أيّ مشروع. مصنع بلا كهرباء مستقرة، مزرعة بلا مياه مضمونة، شركة تكنولوجيا بلا إنترنت سريع وآمن، مشروع سياحي في مدينة بلا طرق جيدة ولا أمن مستقر؛ كل هذه التفاصيل تتحوّل إلى تكاليف إضافية يتحمّلها المستثمر وحده، في حين يُفترض في الدولة أن توفّر الحدّ الأدنى منها كجزء من مسؤوليتها عن تهيئة بيئة الأعمال. وحين يضطرّ القطاع الخاص لأن يبني لنفسه مولّدة، وبئرًا، وشبكة إنترنت بديلة، وحماية خاصة، فإنّه عمليًا يدفع ثمن غياب الدولة مرّتين: مرّة كضريبة ورسم رسمي، ومرّة ككلفة تعويضية عن خدمة لم يحصل عليها. أخيرًا، يختنق القطاع الخاص بغياب رؤية طويلة الأمد تحدّد بشكل واضح: ما هو الدور الذي يُفترض أن يلعبه في الاقتصاد العراقي خلال عشر أو عشرين سنة؟ هل هو شريك في بناء صناعة وزراعة حديثة، أم مجرّد وسيط لاستيراد السلع وتوزيع الريع النفطي؟ ما لم تُجب السياسات العامة عن هذا السؤال بوضوح، سيبقى القطاع الخاص يتحرّك في مساحة رمادية: يكبر حين ترتفع أسعار النفط ويفيض الإنفاق، وينكمش عند أوّل هزّة في السوق أو السياسة، من دون أن يتحوّل إلى ركيزة ثابتة يمكن للدولة والمجتمع أن يعوّلا عليها في أوقات الرخاء والضيق معًا. تقاسم المسؤولية: الحكومة ورجال الأعمال والجهاز المصرفي والبيئة السياسية حين ننتقل من توصيف ما يخنق القطاع الخاص إلى سؤال "من المسؤول عن كلّ هذا؟"، نكتشف أنّ المشكلة ليست في طرف واحد يمكن إدانته ثم طيّ الصفحة، بل في منظومة كاملة اشتركت في صناعة هذا الواقع وترسيخه. الحكومات المتعاقبة، والأحزاب والقوى النافذة، والجهاز المصرفي، وشرائح واسعة من رجال الأعمال، وحتى الثقافة الاجتماعية التي ما زالت ترى في الدولة صاحب العمل الطبيعي والأوّل، كلها ساهمت بنِسَب متفاوتة في إبقاء القطاع الخاص ضعيفًا وتابعًا ومشدودًا إلى ريع الدولة أكثر من شدّه إلى منطق السوق والابتكار والمنافسة. على مستوى الدولة، تتحمّل الحكومات والأحزاب المسؤولية الأكبر عن تكريس نموذج الاقتصاد الريعي الهجين. بدل أن تستثمر الوفرة النفطية في بناء قاعدة إنتاجية مستقرة، جرى استخدام العوائد لتمويل جهاز حكومي متضخّم، وتوسيع شبكة الوظائف والعقود بوصفها أداة لضبط التوازنات السياسية وشراء الولاءات وامتصاص الضغط الاجتماعي. بهذا المعنى، لم يكن تفضيل التوظيف الحكومي على دعم المشاريع الخاصة مجرّد خطأ تقني في السياسة الاقتصادية، بل كان خيارًا سياسيًا واعيًا: الإبقاء على المجتمع معلّقًا براتب الدولة أهون من إطلاق قطاع خاص مستقل قد يخلق مصالح جديدة وقوى تفاوضية مختلفة. ومع الوقت، تحوّل كلّ حديث عن "دعم القطاع الخاص" إلى فقرة ثابتة في برامج الحكومات وخطب المسؤولين، من دون أن يصاحبه تغيير حقيقي في بنية الموازنة، أو في طريقة إنفاق المال العام، أو في شكل العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال. في المقابل، لم يكن جزء مهم من رجال الأعمال في العراق مجرّد ضحية لهذه السياسات، بل كان شريكًا فيها ومستفيدًا منها. فقد نشأت وتضخّمت حول الدولة، بعد 2003 خصوصًا، طبقة من "رجال الأعمال السياسيين" الذين بُنيت ثرواتهم على العقود الحكومية، والمناقصات المصمّمة لمصلحة شركات بعينها، والامتيازات غير التنافسية في الاستيراد والتجهيز والتنفيذ. هؤلاء لم يدافعوا عن سوق تنافسية مفتوحة، ولم يضغطوا من أجل مؤسّسات تنظيمية عادلة، بل اندمجوا في منطق المحاصصة، بحيث يكون لكلّ حزب أو جهة مسلّحة رجال أعمالها وشركاتها التي تتقاسم معها العقود والفرص. في ظلّ هذا النمط، تمّ تهميش رجال الأعمال المنتجين الذين لا يملكون ظهرًا سياسيًا أو أمنيًا، وتحول كثير من المبادرات الفردية الصغيرة والمتوسطة إلى مشاريع قصيرة العمر تصطدم سريعًا بجدار الاحتكار والتمييز غير المرئي لصالح "القريبين من القرار". الجهاز المصرفي بدوره يتحمّل قسطًا واضحًا من المسؤولية. فالمصارف الحكومية والأهلية لم تنجح في التحوّل إلى مؤسّسات تمويل تنموي تدير المخاطر وتبحث عن المشاريع القادرة على توليد القيمة المضافة وتشغيل اليد العاملة، بل استسهلت توظيف أموالها في تمويل الدولة عبر شراء سندات أو إقراض مضمون بظهير حكومي، وفي تركيز نشاطها على تسهيلات قصيرة الأجل مرتبطة بالتجارة والاستيراد. هذا السلوك قد يبدو عقلانيًا من زاوية حساب الربح والخسارة الآنية، لكنّه في الجوهر جزء من المشكلة: حين يفضّل الجهاز المصرفي الدولة على القطاع الخاص، فإنّه يعيد إنتاج نفس الحلقة التي تجعل من الحكومة "الزبون الأكبر" ومن المستثمر الحقيقي "خيارًا ثانويًا" محفوفًا بالمخاطر. ومع مرور الوقت، تتّسع الفجوة بين خطاب "تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة" وبين الواقع الذي يذهب فيه الجزء الأكبر من السيولة إلى تمويل العجز وإدارة السيولة الحكومية. ولا يمكن تبرئة المجتمع وثقافته الاقتصادية من نصيبه في هذه المسؤولية. فسنوات طويلة من هيمنة الدولة على سوق العمل جعلت الوظيفة الحكومية معيار الاستقرار والوجاهة، ورسّخت صورة نمطية عن القطاع الخاص بوصفه فضاءً غير مضمون، بلا ضمانات تقاعدية ولا أمان وظيفي، وغالبًا مقرونًا بساعات عمل أطول وحماية قانونية أضعف. عائلة الشاب تشجّعه على التعيين "الدائم" أكثر ممّا تشجّعه على المخاطرة في مشروع، والجامعة لا تُربّي في الغالب عقلية ريادة الأعمال بقدر ما تُربّي عقلية طالب الوظيفة. في مثل هذه البيئة، يصبح الضغط الشعبي نفسه عاملًا يدفع السياسيين إلى فتح باب التوظيف الحكومي كلّما تحسّنت أسعار النفط أو اقتربت انتخابات، بدلًا من بناء حواضن حقيقية تشجّع الخريجين على دخول القطاع الخاص بشروط عادلة. بهذا المعنى، فإنّ المسؤولية عن واقع القطاع الخاص في العراق لا يمكن اختزالها في وزير مالية، أو حكومة بعينها، أو طبقة رجال أعمال دون غيرها. إنّها مسؤولية منظومة كاملة اختارت طوال سنوات أن تؤجّل الإصلاح الحقيقي، وأن تستسهل استخدام الريع النفطي لشراء الوقت وتهدئة الغضب، وأن تُبقي القطاع الخاص في موقع "الملحق" لا في موقع الشريك. وكلّما تأخّر الاعتراف بهذه المسؤولية المشتركة، واستمرّ تبادل الاتهامات بين الدولة ورجال الأعمال والمصارف والمجتمع، بقي القطاع الخاص يدور في الحلقة نفسها، عاجزًا عن التحوّل إلى القاطرة التي يُفترض أن تجرّ الاقتصاد بعيدًا عن رهان واحد: سعر البرميل. إلى أين يمضي الاقتصاد إذا استمرّ المسار الحالي؟ إذا استمرّ المسار الحالي كما هو، من دون مراجعة عميقة للبنية التي تحكم علاقة الدولة بالقطاع الخاص، فإنّ النتيجة المنطقية ستكون ترسيخ اقتصاد ريعي هشّ، يبقى فيه النفط هو المتغيّر الحاسم في تحديد حجم الحركة في السوق، بينما يظلّ القطاع الخاص جسمًا تابعًا يتضخّم مع الوفرة وينكمش مع كلّ هزّة في الأسعار أو السياسة. في هذا السيناريو، ستواصل الدولة استهلاك الجزء الأكبر من العوائد النفطية في شكل رواتب وإنفاق جارٍ وعقود قصيرة الأمد، من دون أن يتحوّل قدر كافٍ من هذه العوائد إلى أصول إنتاجية في الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة. أيّ صدمة في أسعار النفط، أو تشديد في القيود المالية الدولية، أو اضطراب سياسي واسع، يمكن أن تعيد إنتاج أزمات الرواتب والبطالة والانكماش التي شهدها العراق أكثر من مرة خلال العقود الأخيرة. هذا المسار يعني أيضًا تعميق الاعتماد النفسي والاجتماعي على الدولة بوصفها الملاذ الأوّل والأخير. سيبقى الشاب يرى في الوظيفة الحكومية الخيار الأكثر أمانًا، بينما يظلّ القطاع الخاص محصورًا في دائرة الاستيراد والتجارة والخدمات الاستهلاكية، غير قادر على لعب دور شبكة أمان اقتصادية في لحظات الشدّة، ولا على توفير فرص عمل مستدامة لكتلة سكانية شابة ومتزايدة. ومع استمرار الجهاز المصرفي في تفضيل تمويل الدولة على تمويل المستثمر، يتحوّل من أداة لتنشيط الدورة الاقتصادية إلى خزّان مغلق يدور بين وزارة المالية والبنك المركزي والمصارف، مع هامش ضيّق يتسرّب منه للقطاع الخاص بنِسَب محدودة ومشروطة. تراكم الدين الداخلي وتآكل قدرة الموازنة على تحمّل المزيد سيجعلان أيّ قرار تقشّفي أو خفض في الإنفاق العام ضربة مزدوجة تصيب الدولة والقطاع الخاص معًا، لأنّ الأخير لم يبنِ قاعدة مستقلة تسمح له بالاستمرار عندما تنكمش يد الحكومة. وفي ظلّ استمرار البيروقراطية والفساد البنيوي وغياب الحماية القانونية الفاعلة، لن يكون من الواقعي توقّع موجة استثمارات إنتاجية كبيرة، بل استمرار منطق الصفقات والفرص السريعة، مع ما يحمله ذلك من تعزيز لاقتصاد الظلّ وشبكات المحسوبية على حساب الشركات التي تريد العمل وفق قواعد واضحة ومنافسة نزيهة. بهذا المعنى، فإنّ الإبقاء على المعادلة الحالية يعني تكريس اقتصاد يبقى معرّضًا للصدمات الخارجية أكثر ممّا يتحكّم في مصيره الداخلي، ويظلّ فيه القطاع الخاص جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل، ما لم تُكسر الحلقة التي تربط قدرته على البقاء بسعر البرميل وبقدرة الدولة على الاستمرار في دور ربّ العمل الأوحد. ما المطلوب لتغيير المسار؟ حزمة خطوات واقعية لا شعارية الخروج من هذا المسار لا يتحقّق عبر إعلان نيّات أو تكرار شعارات "تمكين القطاع الخاص"، بل عبر مسار عملي يعرف فيه كلّ طرف دوره وحدوده. على مستوى الدولة، تبدأ الخطوة الأولى من الموازنة العامة: تخفيف الوزن النسبي للإنفاق الجاري غير المنتج، ووضع سقف واضح للتوظيف الحكومي، مقابل زيادة متدرّجة في الإنفاق الاستثماري الموجّه نحو البنى التحتية والخدمات الأساسية التي لا يستطيع القطاع الخاص توفيرها منفردًا، من كهرباء ومياه وطرق وتعليم وتدريب مهني. بهذه الطريقة يصبح المال العام أداة لتهيئة بيئة الأعمال، لا مجرّد وقود لاستمرار نموذج استهلاكي قصير الأجل. في الجهاز المصرفي، المطلوب إعادة توجيه بوصلة التمويل، عبر حزمة أدوات تنظيمية وحوافز: نسب إلزامية دنيا من محافظ الإقراض تُخصَّص للمشاريع الإنتاجية، حوافز ضريبية ورقابية للمصارف التي تزيد حصّتها من تمويل القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية ذات القيمة المضافة، وآليات ضمان ائتماني تقلّل من هاجس المخاطر عند تمويل المشاريع طويلة الأمد. وفي المقابل، ينبغي ضبط توسّع الحكومة في الاقتراض الداخلي حتى لا تستمر في مزاحمة المستثمرين على نفس الكتلة من السيولة. على مستوى بيئة الأعمال، لا بدّ من جراحة حقيقية في البيروقراطية: توحيد نوافذ الترخيص، تقليص عدد الجهات المعنية بالموافقة، رقمنة الإجراءات بجدول زمني ملزم، وتقليل الاحتكاك المباشر بين المستثمر والموظّف إلى الحدّ الأدنى. كلّ يوم يُختصر من زمن تسجيل شركة أو الحصول على إجازة استثمار يعني كلفة أقلّ ومساحة أضيق للابتزاز، وإشارة ثقة أكبر لمن يفكّر بالدخول إلى السوق. بالتوازي، يحتاج ملف العقود الحكومية إلى منظومة شفّافة وعادلة: بوابة إلكترونية موحّدة للمناقصات، معايير معلنة للترسية، ورقابة مستقلة على سلامة الإجراءات، بما يسمح بدخول شركات متوسطة وجديدة إلى المنافسة بدل حصر الفرص في دائرة ضيّقة من "الشركات المقرّبة". من جهة رجال الأعمال، لا يمكن أن يبقى الدور محصورًا في الوساطة والاستيراد والمقاولات العارضة. التحوّل نحو نموذج "رجل الأعمال المنتج" يتطلّب استعدادًا للاستثمار في مشاريع صناعية وزراعية وخدمية ذات أفق أطول للعائد، والدخول في شراكات حقيقية مع خبرات محلية وأجنبية، واستثمار أدوات الضغط المهني والمؤسسي (غرف تجارة، اتحادات صناعية، جمعيات أعمال) للمطالبة بإصلاحات قانونية وتنظيمية تحسّن بيئة الأعمال للجميع، لا التكيّف مع ثغراتها لصالح قلة. أما المجتمع، فلا يمكن فصله عن معادلة الإصلاح. الجامعات والمعاهد مدعوة إلى إدخال مسارات جدّية لريادة الأعمال، وربط الطلاب بحاضنات ومسرّعات أعمال وصناديق تمويل صغيرة، كي لا يبقى أفق الخريج محصورًا بين التعيين الحكومي والهجرة. وفي الوقت نفسه، يحتاج العامل في القطاع الخاص إلى إطار قانوني أوضح للحقوق والضمانات، عبر تحديث قوانين العمل والضمان الاجتماعي بما يمنحه حدًّا معقولًا من الأمان الوظيفي والتقاعدي، حتى يتقلّص الفارق الصارخ بين الوظيفة الحكومية والعمل في شركة خاصة. في النهاية، الهدف ليس نقل الاقتصاد من حضن الدولة إلى حضن السوق دفعة واحدة، بل بناء توازن جديد: دولة تخطّط وتنظّم وتستثمر في ما لا يستطيع القطاع الخاص القيام به، وقطاع خاص ينتج ويبتكر ويغامر ضمن قانون واضح ومؤسّسات نزيهة، ومجتمع يتخلّى تدريجيًا عن وهم الوظيفة الأبدية لصالح عمل منتج يحظى بالحماية والاحترام. عندها فقط يتوقّف "تمكين القطاع الخاص" عن كونه جملة تتردّد في الخطابات، ويصبح مسارًا ممكنًا في اقتصاد يتنفّس من أكثر من رئة، لا من برميل واحد. تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (بغداد اليوم)