🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

أ.د خالد حوير الشمس يكتب: تعقيب لساني على تعقيب

بقلم:
أ.د خالد حوير الشمس
أ.د خالد حوير الشمس 2026/07/12 18:18

نشر الزميل، والصديق الدكتور مرتضى العسكري بتاريخ 3/ 7/ 2026 تعقيبا في مدونته على الفيس بوك على محاضرةٍ ألقيتها في منبر الحوار للتنوير عبر برنامج الزوم وكان عنوانها: (ابستمولوجيا التفنيد وسعة الخطاب البديل في الخطاب اللساني الحديث)، لمدة 40 دقيقة، نشرها المعنيون نشرا مباشرا عبر مواقعهم، ولست بالعادة أعلق على الآراء الداخلة ضمن نسق التلقي، فهذا ديدن البحث العلمي أنت تقول والناس يقيِّمون، أو يلاحظون، ولعمري إنه مشكور، إلا أني أشير أن هدف التعقيبات في فنون الكتابة والقراءة الإثراءُ، لا الطعن، ولا الإطراء، وهذه ما وقع به صديقي المعقب هذه المرة، الذي لم أر منه سياقات تعقيبية على نصوص سابقة، وإنما أرجو عليه أن ينهض بهذه البدايات، ولست معنيا بالتعقيب بالدفاع عن ذاتي أو الانتصار لآرائي، وإنما وددتُ أُغني الموضوع من ضفة أخرى.

    في سياق التحليل لهذه الضفيرة الخطابية التي وضعها الأخ، أجده وازن بين كفتين حول التأليف في ابستمولوجيا اللسانيات، إذ جعل كتب التأليف التي جاءت قبل 2020 موضوعا باهتا، ومنها ما كتبه محمد عابد الجابري، وما كتبه تمام حسان، وما كتبه محمد العمري، وحكم عليها حكما غير ما ورد في حكمه على كتاب الدكتور أنفال جاسم، ورأى أنه يحتاج أن يقُرأ بعناية، ولستُ أدري ما سر هذا الانتصار؟ هل بحكم الصداقة المفرطة بينهما، والتحيز؟ أو بفعل عدم الضبط الواعي للمجالات التي كتبت بها هذه الدراسات، إذ كتب تمام حسان في جزئية إدراك ابستمولوجيا النحو، وكتب محمد العمري في ابستمولوجيا البنيوية الاوربية والامريكية ولاسيما جومسكي منها تحديدا، وكتب محمد عابد الجابري بلحاظ الفلسفة، وتوضيح معنى الابستمولوجيا.

   يمكن أن أقول إن ما سجله خاضع لابستمولوجيا الحفر، وعدم ابتعادها عن الرواسب تُجاه زميله خالد حوير، وقد فاته أن يضع خيارا بحثيا مهما وهو حقيقة أن هذه المحاضرة التي قدمتها جزء من كتاب، يتكوَّن من عدد من المباحث الابستمولوجية في اللسانيات، أولها مبحث الابستمولوجيا الشمولية للنظرية العربية القديمة، ثم مبحث التفنيد البوبري، ومبحث الخلفيات اللسانية، ومبحث المنهجيات اللسانية، ومبحث الوظائف والنتائج اللسانية، فضلا عن منطق التحاقلات بين اللسانيات، وهذا يسري كله على فحص الخطاب اللساني الحديث، وقد بدأت من جهة النظرية اللسانية القديمة، ثم النظرية اللسانية الحديثة التي تتوزع على البنيوية، والتداولية، والتطبيقية، بعيدا عن دراسة الأخ الدكتور أنفال التي اقتصرت على رؤية الإنسان في اللسانيات، وهي ليس إحصاء ابستمولوجيا، ولا حكرا على الابستمولوجيا، وإن كان الباحث الموضوعي يفتخر بها، وقد جعلتها مصدرا رئيسا في الكتاب القادم، وأشرت إليها مرات كثيرة، إلا أن الذي حدث كان من الأجمل أن أشير إليها في المحاضرة الفديوية لكن فاتني لضيق الوقت بلحاظ أني ذكرت عراقيين كثيرين، وهذا لا يعني الإنكار لجهده، فقد تبنيت جزءا من تقسيمه لأنواع الابستمولوجيا، وهو محط اعتزاز، واعتراف بفضل السبق، وإكبار لها، لكنها عليها ما عليها، وهو أمر نافذ في البحث اللساني الحديث، وأمر طبيعي.

وما ذكره من دراسات لم تناقش اللسانيات عامة، وليست حجة، وقد علقت عليه في مقدمة المخطوط: ((ثمة سؤال حقيق بي أن أعرضه في هذه المقدمة، يتلخص بـ: لماذا ندرس ابستمولوجيا اللسانيات بعد ميلاد اللسانيات، وميلاد الابستمولوجيا نفسها بمئة وعشرين سنة؟ فأقول: ثمة مشكلة كبرى، تتمثل في عدم وضوح ابستمولوجيا اللسانيات البنيوية، وقد تتعدد أحيانا، ثم فقر الدراسات حول ابستمولوجيا اللسانيات المتطورة عن اللسانيات البنيوية، ولا سيما اللسانيات التطبيقية، فضلا عن قلة الدراسات في هذا المضمار، ومما يشفع لي أيضا عدم وجود كتاب يجمع تلك المشاغل الابستمولوجية لعدد من النظريات اللسانية، فضلا عدم وضوح الرؤى الحديثة في التأليفات، التي وفدت إلينا غربيا، وعربيا، بل جاءت منتشرة على أكثر من حقل، فهناك من درس ابستمولوجيا سوسير لوحدها، وابستمولوجيا جومسكي لوحدها، وابستمولوجيا سيرل لوحدها، وربما اقتصر عمل تلك الدراسات على المصدر المؤسس للنظريات، والفلسفة واتجاهاتها بوصفها مصادر للسانيات، وهكذا، ومما زادني شغفًا أني طالعتُ، وأقتنيتُ، ورأيتُ كتبًا تحمل عنوان الابستمولوجيا في اللسانيات، ولكنها لا تنتمي إلى هذا الميدان، فصار لدي يقين أن موضوع الابستمولوجيا راهن، وحساس، ويدخل في منحى التلقي، والتسويق، فرغبت أن أضع مادة شاملة عن ابستمولوجيا اللسانيات، ضمن الهمِّ المعرفي، والمشروع اللساني الذي أعمل عليه، والذي يتعهد بتوضيح المعرفة اللسانية في الدرس اللساني العراقي، والعربي، وقد يشجعني في ذلك مشكلة حقيقية مفادها أن إدراك ابستمولوجيا العلم، تعني إدراك تمثلات ذلك العلم، فلو ألمَّ المشتغل باللسانيات بابستمولوجيا التواصلية، ستتضح عنده النظرية التواصلية بلا شك، وهكذا في التداولية، والبنيوية، وغيرهم من النظريات اللسانية الحديثة)). المهم في الموضوع أني تواضعت في إلقاء المحاضرة، ولم أقل إنها فصل من كتاب.

  وعن سبب الإرباك المنهجي الذي أشار إليه الصديق الحميم، إني كنت أعددت المحاضرة من دون تعريج على الابستمولوجيا، ولكني لما راقبت التعليقات التي رافقت الإعلان عن زمان المحاضرة، وجدت نفسي أمام بعض الاستفهامات عن معنى الابستمولوجيا، وهي مثبتة في منشوراتهم الآن، ولا سيما من روَّاد منبر حوار التنوير، فاحترمت تلك الاستفهامات، وأوجدت مادة تسرد معناها، وأنواعها، وأخذت من المصادر التي جمعتها لهذا الخصوص، ولا يعني الاقتراب منها المساس بها، فلست مما أتمسك بما أراه، ولست لا أتمسك بما يراه غيري، ولكني أتمسك بما ورد في مضمرات هذا الخطاب الفيسبوكي حول عدم دراسة أي موضوع ابستمولوجي لاحق، فالمساحة البحثية ليست حكرا على أحد، ومما أتفق معه به: بالفعل أن كتاب ابستمولوجيا الإنسان يحتاج إلى دقة في القراءة؛ لأنه مضغوط العبارة، منمق اللغة.

   قد أشكل على عرض أنواع المدارس الابستمولوجية ضمن محاضرة قصيرة، فأقول مالضير في عرضها على وجه الاختصار؟ لأني في هذه المحاضرة وصلت من هذا التقسيم إلى رؤية كارل بوبر، التي شرحها الأخ صاحب كتاب (الإنسان في الفلسفة اللسالنية)، وبدأت أتوسع بها، وأقارب الخطاب اللساني على وفقها، ولو قفزت إليها من دون عرض تلك الرؤى، لسكتُ عن مراحل كثيرة، تهز ذهن المتلقي، وإدراكه.

   في الوقت نفسه يقدم سؤالا عن إمكانية تطبيق فلسفة باشلار، أو كون؟ وهذا ليس مستبعدا، بل ليس من مختصات عملي، فقد يأتي باحث أو قد نبهني إليه مشكورا لدراسته في المستقبل.

  ثمة تقول في أني حولت أي ممارسة نقدية إلى نقدية بوبرية، وهذا ما قامت المحاضرة بالتركيز عليه، إذ فرقت بين نقد بوبر، والنقد اللساني.

  في ختام هذه السطور أقدم شكرا إلى الزميل الصديق الدكتور مرتضى العسكري التدريسي في كلية التربية الأساسية في سوق الشيوخ، لأنه قد حرَّك الراكد حول هذا الموضوع.