🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

الربيع العربي بدأ بصفعة! هل يمكن أن نفسر الثورات العربية بنظرية «أثر الفراشة»؟

ساسة بوست 2015/12/30 00:00
منذ 1 دقيقة، 30 ديسمبر,2015
«تأثير الفراشة» في الأحداث

الساعة 6:20 مساء، ينطلق القطار من ميلان متوجهًا نحو محطة كارديليون، وبينما هو في طريقه فجأة أشعلت امرأة جرس الإنذار، ليتوقف القطار أوتوماتيكيا، ففتح الباب وخرجت مسرعة مختفية عن الأنظار، لما سأل السائق الركاب إن كان هناك خطب ما، تبين أنه ليس هناك أمر يدعو للقلق، فنزل من القطار مع مساعده ليعيد فتح المكابح كإجراء اعتيادي في مثل هذه الحالات، ثم استمر في طريقه بشكل طبيعي محاولا تعويض التأخير، وبعد وقت وجيز ظهرت إشارات حمراء تنبه السائق بتخفيف السرعة، لكن الأخير وجد أن الكوابح لا تعمل، فاصطدم بعد دقائق معدودة بقطار آخر كان متوقفا في الرصيف بمحطة كارديليون، لتحدث الكارثة التي خلفت مئات القتلى والإصابات الخطيرة، كان هذا في 27 يوليو 1988 بفرنسا.

تبين بعد التحقيق في الحادث أن سلسلة من الأخطاء وظروف مجتمعة سببت الفاجعة، بدأت بتشغيل المرأة الإنذار بعد أن أدركت أن محطتها لم تكن في ذلك الخط ولم ترد التأخر عن ابنها بالمدرسة، فنزل السائق، بدل استدعاء المهندس المسؤول، لفتح مقبض المكابح من جديد يدويًّا، وبينما هو يفعل ذلك وجد صعوبة في الوصول إليها إذ كانت بعيدة شيئا ما، فاتكأ بيده الأخرى على ذراع صغير قريب منه، ليديره خطأ بدون أن يعلم أنه يقطع الهواء عن المكابح وبالتالي لن تعمل، ولما علم متأخرًا أثناء سيره بالمشكلة استغاث فورًا بالمراقبين في المحطة لتحويل سكته إلى خط فارغ تفاديا للاصطدام، لكنه نسي أن يعلمهم بهوية قطاره بسبب ذعره، كما لم يستطع طاقم المحطة الاستفسار بسبب شبكة الاتصال التي كانت غير جيدة في ذلك اليوم بالتحديد، ولسوء الحظ أيضًا لم يكن هناك في الخط الذي كان يسير فيه مكابح احتياطية مرتبطة بالسكة تعمل تلقائيا في مثل هذه الحالات، بالرغم من أنها موجودة في معظم الخطوط، فلم يكن إذن هناك مفر من الاصطدام بالقطار المتوقف بمحطة غارديليون المتأخر هو الآخر، لأن سائقه كان ينتظر مساعده قبيل الانطلاق.

في سياق آخر، الجمعة 17 ديسمبر 2010، كان أحد شباب سيدي بوزيد بتونس يبيع الفاكهة بعربته المتنقلة في أحد الأماكن غير المسموح بها، فنبهته شرطية تدعى فادية حمدي بالأمر، فلم يستسغ الأمر ودخلا في مشاحنة، قيل إن الشرطية صفعته، ثم ذهب ليشتكي أمام السلطات البلدية، لكنها لم تلقِ له بالا، فأقدم مباشرة على إضرام النار بجسده حتى الموت.

[embedded content]

لتبدأ احتجاجات بسبب الحادث، وتوسعت شيئا فشيئا بالمدينة تنديدًا بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لشباب البلدة العاطل، ثم انتقلت المظاهرات إلى العاصمة ومدن أخرى حتى أصبحت المطالب ذات طبيعة سياسية، ومنذ تلك اللحظة بدأت قطع الدومينو تتهاوى واحدة تلو الأخرى، ليس فقط بتونس، وإنما انتقلت العدوى إلى معظم البلدان العربية، وبينما نجح بعضها في احتواء هذه الاحتجاجات بأقل الخسائر كالحال مع البحرين والجزائر والمغرب والأردن، فشلت دول أخرى في ذلك، مما نتج عنها اشتعال ثورات جذرية ككرة ثلج تتدحرج وهي تأكل الأخضر واليابس كالشأن مع سوريا واليمن وليبيا، بينما مصر وتونس لا تزال كل واحدة منهما تكافح حتى الآن من أجل وقف كرة الثلج تلك.

كانت إذن فادية حمدي أول حلقة الدومينو التي بدأت سلسلة ثورات الربيع العربي، قبل أن يتحول بعضها إلى حروب أهلية لا زالت مشتعلة حتى الآن، من دون أن تكون لديها أدنى فكرة لتداعيات تصرفها ذاك، تماما مثلما الحال مع المرأة التي فتحت جرس الإنذار الكاذب، لتتسبب من دون قصد في كارثة “كارديليون”، وكأن “نظرية تأثير الفراشة” كانت تعمل في الحادثتين، حيث كلاهما ابتدأ بحدث بسيط مقارنة مع النتائج.

لكن ماهي نظرية «تأثير الفراشة»؟

ظهرت هذه النظرية أول مرة مع الرياضي وعالم الأرصاد إدوارد لورينتز سنة 1963، الذي كان يعمل على أحد برامج محاكاة الطقس الحاسوبية، فأراد يومًا تعديل البرنامج، فكتب رقم 156.642 بدل كتابته الرقم كاملا 156.642135 ظنا منه أن الفرق صغير جدا، ولا يمكن يؤثر في النتيجة، لكن بعد قيامه بسلسلة الحسابات في برنامجه تفاجأ في النهاية بوجود فرق هائل غير متوقع، ليتبين له أن للظروف الأولية حساسية مرهفة في النظام الهيولي الذي كان يشتغل عليه. الأمر الذي جعله يستبعد إمكانية التنبؤ بأحوال الطقس لمدة طويلة، إذ من شأن تغيرات جوية بسيطة جدًّا أن تؤدي إلى ظروف مناخية غير متوقعة.

تأثير الفراشة في جاذب لورنز، time 0 ≤ t ≤ 30 (larger)

يشرح مفسرو النظرية الحسابية لإدوارد لورينتز فيما معناه، أن رفرفة جناح فراشة في الصين قد تتسبب بعد تفاعلات متتالية لحركة الهواء فيضانات وأعاصير ورياح عاتية في أمريكا أو أوروبا أو إفريقيا، إن وجدت الشروط التي تدعمها.

لكن فكرة النظرية تعدت مجال المناخ، وتوسعت تطبيقاتها في العلوم المختلفة، حتى أصبحت فكرة فلسفية عامة، تفيد أن حدثا أوليًّا مهما كان بسيطا قد يولد سلسلة من الأحداث المتواترة والمتفاعلة في ظروف مساعدة، ينجم عنها نتائج غير متوقعة وتتجاوز الحدث الأول بمراحل.

يطلق عليها أيضًا نظرية تأثير كرة الثلج وتأثير الدومينو، واستعارها أيضا العديد من المهتمين بالعلوم الإنسانية للتعبير عن أن بعض القرارات البسيطة التي يتخذها الفرد، قد يكون لها تغيير جذري في المستقبل إن صادفت دينامية ملائمة حولها.

هل كانت إذن فادية حمدي هي من أشعلت الربيع العربي؟

الشرطية غير المتزوجة من مواليد سنة 1965، بدأت عملها في سيدي بوزيد منذ 2000، اشتهرت بكونها صاحبة الصفعة التي أحرقت البوعزيزي وفجرت المنطقة العربية بأكملها، وقد اعتقلت في السجن بسبب ذلك، لكن تم تبرئتها بعدها بأشهر من قبل المحكمة التونسية.

تقول فادية حمدي أنها لم تصفع البوعزيزي، وأنه أضرم النار في جسده بسبب منعها له من البيع بعربته المتنقلة في أماكن غير متاحة، لكن أخ الضحية سالم البوعزيزي يقول بأن شقيقه تعرض للضرب المبرح من قبل أربعة شرطيين في ذلك اليوم، ولم يستسغ خصوصًا صفعة الشرطية فايدة حمدي له، وبعد أن قدم شكوى ضدها أمام سلطة البلدية لم يعره أحد اهتمامًا، فكان ما كان.


«أشعر بأنني المسؤولة عن كل شيء، وألوم نفسي فأنا التي صنعت هذا التاريخ، لأنني أنا التي كنت هناك، وما فعلته هو السبب في هذا الحال.. انظر إلينا الآن التونسيون يعانون، عندما أراقب ما يجري حولي في المنطقة وبلادي، أندم أشد الندم، الموت في كل مكان والتعصب ينتشر ليحصد أرواح الأناس الطيبين»، كان هذا تصريح فادية حمدي قبل أيام لصحيفة «التيليغراف» البريطانية.

لكن هل كانت صفعة الشرطية للبوعزيزي هي حقا ما أشعلت الربيع العربي؟ في الحقيقة كان تعرض الباعة المتجولين للقمع والمطاردة أمرًا اعتياديًّا في سيدي بوزيد، وأيضًا في أماكن أخرى في تونس وغيرها من البلدان، والبوعزيزي نفسه حسب قول أخيه سالم كان يتعرض لمثل هذه المعاملة من الشرطة مرات عدة.

إذن إضرام البوعزيزي النار في جسده هو ما أشعل فتيل الثورات؟ أيضًا لم يكن البوعزيزي الأول الذي أحرق نفسه، فقد سجلت قبله بفترة قريبة العديد من الحالات في تونس وبلدان عربية أخرى كمصر والمغرب والجزائر.

هل احتجاجات سيدي بوزيد هي التي فتحت باب الاحتجاج للشعوب العربية؟ ليس كذلك، عرفت تقريبًا كل البلدان العربية قبلها احتجاجات أكثر صخبًا واحتدامًا، ولم ينتج عنها شيء كحال مظاهرة سيدي بوزيد.

إذا كانت حادثة قطار كارديليون قد استغرقت شهورًا من عمل طاقم متكاملا من المحققين والمتخصصين، ليستنتجوا في الأخير بأن صاحبة الإنذار الكاذب هي من بدأت الكارثة، فإنه بالتأكيد لم يكن الهدف من هذا التقرير تبيان الطريقة التي أدت بها صفعة الشرطية إلى سقوط المنطقة العربية في الاضطرابات السياسية، لكن كل ما هدفنا إليه هو لفت الانتباه إلى “أثر الفراشة” في ثورات الربيع العربي.

يحتاج ربط الثورات العربية بالحدث الأول، الذي هو صفعة الشرطية، إلى تتبع دقيق لمسار الأحداث منذ تلك اللحظة، ورصد مفاصل تغير مجرى الأحداث، وكيف توسعت الاحتجاجات في تونس، وكيف انتقلت العدوى إلى بلد تلو الآخر، وما هي الظروف التي احتضنت تلك الأحداث، الأمر بالفعل يحتاج إلى عمل لسنوات من العمل الميداني والتحقيق الدقيق، للخروج بخيط منظوم يربط دينامية الربيع العربي من البداية إلى النهاية.

لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (ساسة بوست)