عدد المشاهدات 2 views
عبدالواحد طعمة
فتحت عملية القبض الشهر الماضي على طفل يضع حزاماً ناسفاً قبل مهاجمته مكتباً أمنياً وسط مدينة كركوك في شمال العراق الباب واسعاً للنظر إلى طبيعة برامج تنظيم «داعش» لتجنيد الأطفال وزجهم في الصراعات المسلحة.
أبصر حسام علي عبدالرحيم النور عام 2002، وهو تلميذ في المرحلة الابتدائية، من أهالي بلدة الكرمة في محافظة الأنبار، التقته «الحياة» مع مجموعة أخرى من أطفال «داعش» المقاتلين في أحد مراكز الاحتجاز التابعة لمكتب شرطة مكافحة الإجرام في الأنبار.
عبدالرحيم هو ابن أحد عناصر «داعش»، وبعدما قتلت الطائرات والده تولى عمه أيمن قيادة أحد الفصائل الذي انتمى إليه لاحقاً وانتقل مع عائلته إلى الصقلاوية ثم الفلوجة، وتم القبض عليه أثناء تسلله مع العائلات. يقول: «عملت معهم شهرين في بلدة الكرمة خلالها حفرنا خنادق»، وينفي الاتهامات ضده بمشاركته في القتال ضد القوات الأمنية أو ارتكابه جرائم بحق المدنيين إبان خضوع المحافظة لسيطرة الإرهابيين.
ويصر على أن أحد أقربائه أجبره على الالتحاق بالإرهابيين، «أخذني عمي أيمن بعد وفاة والدي إلى بيته وأرسلني مع أخي الآخر ويكبرني بعام واحد إلى معسكر التدريب في منطقة الحي العسكري في الفلوجة وكان معي 40 آخرون من أقراني، وبعد ثلاثة أيام هربت منهم فأعادني بالقوة».
حارس الإعدام
وجه آخر يرويه لـ»الحياة» زياد جهاد خلف (17 سنة) الذي لم يكمل تعليمه الابتدائي. هو من منطقة الزنكورة، كان يعمل راعياً لقطيع ماشية قبل التحاقه بـ «داعش» بصفة عسكري (مقاتل) وتلقى راتباً شهريا مقداره 85 ألف دينار عراقي، ما يعادل 70 دولاراً. «عملت مع «داعش» قبل سنة وأول عملية إعدام حضرتها كانت قتل أحد عناصر الشرطة أو من يطلق عليهم اسم المرتدين. حينها كانت مهمتي حراسة عملية التنفيذ».
شارك خلف مع المجموعة التي ينتمي إليها في عمليات تفجير جسور لمنع تقدم القوات الأمنية أو إعاقتها. واعترف بـأنهم دمروا بنى تحتية لا علاقة لها بالأمن أو الحرب مع الحكومة.
وبدا متأثراً بقصة ما زال يتذكر أدق تفاصيلها جرت مع أحد أبناء قريته ودفعته إلى الهروب من عمله كما يدعي: «كان شاب من منطقتنا يدعى ياسر حميد، وهو طالب جامعي، يرتبط بعلاقة عاطفية مع إحدى الفتيات. شاهده مرة ابن خاله وهو أحد عناصر «داعش» يتحدث إليها فسلّمه إليهم فأمروا برجمه ووضعوه داخل محيط دائرة، إذا نجح في الهرب منها أثناء الرجم يخلى سبيله ويعفى عنه. وفعلاً تمكن من الخروج وجرى مسرعاً على رغم الحجارة المقذوفة نحوه. إلا أن ابن خاله أصر على إعادته إلى موقع العقوبة بعدما طارده بشاحنته وأمر الناس برجمه حتى مات. عندها قررت الهروب وفعلاً تمكنت من التملص منهم وحبست نفسي في البيت، إلا أنهم اقتحموا علي الدار وسجنت لمدة أسبوع قبل أن أعاود العمل معهم».
ويقول مدير مكافحة الإجرام الرائد طارق عماد في تصريح إلى «الحياة» إن الإرهابيين «يؤسسون لأجيال قادمة ما يضمن استمرار هذا الفكر المنحرف من خلال ممارسة الإغراء والإغواء بإيهام طفل في سن عشر سنوات بوضعه في موقع الآمر الناهي على هذه المنطقة أو تلك بعد تسليمه سلاحاً يتباهى به بين أقرانه. كما يمنحونه سلطة القتل والإهانة من دون رقيب أو حسيب. وأضاف: «هم غالباً ما يستخدمون الأطفال المجندين من مواليد 1998 إلى 2002 في العمليات الانتحارية».
وكشف وجود أربعة معسكرات لتدريب الأطفال استخدمها «داعش» في الأنبار «تقع في مناطق الفلوجة والرطبة وراوه والقائم. وبعد تحرير بعض هذه المناطق نُقل المجندون الصغار إلى الرقة في سورية. أما في الموصل فهناك عشرات المعسكرات وفقاً لما يردنا من اعترافات الإرهابيين».
وقالت شرطة كركوك في 22 آب (أغسطس) الماضي إن التحقيقات الأولية مع الصبي الانتحاري (12 سنة) الذي حاول تفجير نفسه قرب مكتب المفتش العام لوزارة الداخلية في حي 90، بينت أنه من أهالي الموصل النازحين. واعترف بأن الطفل الذي فجر نفسه قرب حسينية الإمام جعفر الصادق في حي الواسطي في اليوم نفسه هو شقيقه. وأدى الهجوم إلى إصابة أربعة عراقيين بينهم اثنان من الحراس. وكشف أنهما تدربا على يد والدهما الذي شجعهما وتولى تزنيرهما بالمتفجرات.
سلسلة عمليات
وأظهر تسجيل مصور وزعته وزارة الداخلية على الإعلام، مجموعة من رجال الأمن المحليين وقد أمسك بعضهم بيدي صبي يرتدي قميص أحد الفرق الأوروبية الشهيرة في عالم كرة القدم، وآخر يقوم بانتزاع حزام التف على خصره بانت منه بعض الأسلاك المربوطة بكتل من المتفجرات. وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها مساجد كركوك إلى هجمات الانتحاريين الصغار، ففي كانون الأول (ديسمبر) 2014 سلم صبي عمره 12 سنة يضع حزاماً ناسفاً نفسه إلى القوات الأمنية قبل الهجوم على مسجد للشيعة في أحد أحياء المدينة.
وشهد أواخر العام 2005 أول عملية انتحارية ينفذها طفل وكانت في كركوك واستهدفت قائد الشرطة حينها، تلتها عمليتان في الفلوجة والحويجة، وعادت إلى الواجهة عام 2008 شمال بغداد وفي بعقوبة.
عبدالسلام محمد (14 سنة) من أهالي الرطبة، لم يكمل المرحلة الثالثة من تعليمه الابتدائي، يتيم الأم وأبوه نجار. التحق بـ «داعش» بعدما أغرته مظاهر التنظيم عندما كان يرافق صديقاً يكبره بثلاث سنوات التحق بهم كجندي «بعدما بايعهم وسلموه سيارة كنا نتجول فيها حاملين السلاح. جنّدني صديقي وقبل أن أخبر عائلتي ذهب بي مع خمسة آخرين من أقراني إلى مضافة. تجمعنا حتى وصل عديدنا إلى 33 شخصاً فأخذونا إلى معسكر خارج الرطبة حيث أمضينا 16 يوماً تدربنا فيها على الزحف والجري والرمي. مسؤول المعسكرات كان يدعى فاضل مندوح وتلقينا بإشرافه محاضرات دينية كانت تكرس عقيدة قتال الروافض (الشيعة) والمرتدين من السنة».
لم يبد عبدالسلام أسفاً أو ندماً على التحاقه بـ «داعش»، وعندما يتحدث عن تطوعه للقتال معهم أو ممارسة مهماته في تسيير المركبات في شوارع سوق بلدته الرطبة، كان يشعر بفخر ويبتسم بخيلاء. يقول: «على رغم رفض والدي انخراطي معهم كنت متمسكاً بهم لا سيما بعد عودتي إلى الرطبة وعملي مع الحسبة حيث كلفت مهمة تنظيم سير المركبات في شوارع السوق وسط المدينة وأنا أرتدي لباس قندهار (قميص طويل مع سروال) وأحمل بندقية. كنت أجبر أصحاب المركبات على عدم الوقوف في هذا المكان أو ذاك بقوة سطوتي وغالباً ما كانت نظراتهم تتجه إلى بندقيتي وهي على كتفي».
استمر محمد في مهمته أشهراً وهو يتقاضى 63 ألف دينار (50 دولاراً) راتباً شهرياً كان ينفقه مع أصحابه على شراء الحلويات بعد انقضاء مناوبته اليومية.
تجهم وجهه راوياً: «بعد ستة أشهر جمعونا تحت سقيفة جامع بني سعد الساعة 11 ليلاً. كنا أكثر من 30 من الأشبال بعدها أقلونا في حافلة إلى بلدة هيت حيث أمضينا بقية ليلتنا في متجر لبيع السيارات، وفي الصباح أرسلونا إلى مضافة وقبيل الظهيرة تعرضنا لقصف بالطائرات. لم أجد نفسي إلا في مستشفى البلدة بعد أيام وعلمت عند استفاقتي أنني الناجي الوحيد وكنت مصاباً في أماكن عدة من جسدي. عندما اقتربت القوات الأمنية من هيت نُقلت إلى مستشفى حصيبة حيث أمضيت أياماً قبل أن يتعرف علي أحد الأشخاص ويعيدني إلى الرطبة».
«أشبال الخلافة»
«أشبال الخلافة» هم الجيل الثالث من المقاتلين المتطرفين الأطفال في العراق، بعد تنظيمي «طيور الجنة» و»فتيان الجنة» اللذين تركز نشاطهما في المحافظات السنية التي لها حدود مشتركة مع بغداد مثل الأنبار وديالى وصلاح الدين.
نقيب سعد، ضابط تحقيق عزا توجه «القاعدة» و»داعش» إلى الأطفال إلى «استمرار استراتيجية نظام حزب البعث» الذي سقط حكمه في نيسان (أبريل) 2003 وكان آخرها تشكيله ميليشيا «أشبال صدام» وهم من الأطفال ضمن منظمة «فدائيو صدام» التي كانت بقيادة عدي نجل رئيس النظام آنذاك.
ولفت إلى أن «رجال النظام السابق الذين التحقوا بالمنظمات الإرهابية هم وراء هذا التوجه»، وقال: «عندما ندقق في قياداتهم نجد أن عمر عبد حمد الفهداوي، عسكري ولاية الأنبار (وزير الحرب) كان ضابطاً برتبة ملازم أول حتى 2003 في مديرية الأمن العامة للنظام السابق، وكان يعمل في بغداد. عبدالرزاق أحمد فراس، والي الأنبار السابق، قتل أخيراً، وكان ضابط مديرية الأمن العامة في بغداد أيضاً. إياد حامد محل الجميلي، نائب أبو بكر البغدادي، ملازم أول في مديرية الأمن العامة. منذر عبد فياض، ضابط سابق في مديرية الأمن العامة برتبة رائد، شغل منصب وزير حرب للقاعدة، قبض عليه عام 2012، معتقل حالياً. ووسام عبد زيد، أو أبو داوود العراقي، زعيم التنظيم في ليبيا، قتل أخيراً، هو الآخر كان ضابط أمن برتبة ملازم».