ان مسيرة الشعوب ونجاحها ليس رهينا باختيار نظام سياسي دون غيره، كأنه المقدس والقدر الذي ليس لنا عنه محيد.
ان خصوصية كل امة، تختلف عن خصوصيات وتجارب الأمم الأخرى. فالتجربة الاسيوية مثلا في شقها الشيوعي، نجحت بفضل ديكتاتور عادل. ولم تكن الديموقراطية هي الحل الذي قادها الى معترك الحضارة، والظفر بالنجاحات السياسية والاقتصادية، وبلوغ مستوى حضاري متقدم، بل كان النظام الاشتراكي الدكتاتوري هو الذي مكنها من ولوج موقع متقدم في الترتيب الدولي اقتصاديا وسياسيا. كما ان تجارب أخرى كتجربة اليابان وكوريا اللتان اختطتا مسيرتهما المخالفة مستفيدتان من تاريخهما السياسي ومنجزات الاختيارات السياسية المختلفة، تفيدنا في فهم ان النظام الديموقراطي بمفهومه الغربي ليس قدرا ولا مقدسا.
مشكلتنا كأمة عربية، لا تتعلق بنوعية النظام الذي نختاره. هل يجب ان ندعم أسس الديموقراطية؟ ام هل نحن في حاجة الى مستبد عادل؟
كيفية الاستفادة من مختلف التجارب الإنسانية، والارتكاز الى مرجعتينا التاريخية، والاعتماد على العنصر البشري، ضمانة أي اختيار سياسي لإنجاحه، والسير بالأمة قدما الى الامام.
ان النظام، أي نظام له مزاياه وعيوبه. فالديموقراطية تحقق نوعا من الحريات وتسمح للمواطن بالاختيار والمشاركة، وفرض شروط سياسية وحقوقية اساسا، متى تخلت النخب عن امتيازاتها، واستطاع المواطن من التوغل في الحياة السياسية، وفرض صوته وموقفه.
عيوب الديموقراطية تتحدد في انها لا توافق كليا المجتمعات المتخلفة والمهمشة. لان مستوى الوعي لدينا متدن، والوضع الاجتماعي المعيشي مختل. امران لا يمكن ان تستقيم بوجودهما الاختيارات الديموقراطية
ان الوضع في مجتمعاتنا العربية لا تزيده الديموقراطية، رغم وجهها المشرق والبراق الا تعقيدا. خاصة وأننا محكومون بالانقياد لتوجيهات الدول الكبرى، التي تغرقنا في القروض والمبادلات التجارية الغير المتوازنة، منساقون لمنطق الغلبة والتحكم.
قد يكون مستبد عادل، له المرونة الكافية للدخول بجدارة معترك الحياة الدولية، بدبلوماسية ونجاعة في البرامج والتصور ات والتعاملات، أفضل من ديموقراطي فاشل، لا يتحرك الا بقواعد مضبوطة، تديرها دواليب الدول الكبرى، والشركات العالمية العملاقة المبثوثة عبر القارات، والتي تتحكم في مسيرة البشر.
لمجابهة التخلف هناك حاجة ماسة الى الجرأة السياسية أولا، الى النجاعة الديبلوماسية ثانيا، الى الروح الوطنية العالية ثالثا، الى القدرة على اتخاد القرار المناسب في الوقت المناسب، الى التضحية الكافية بمصالح الأقلية من اجل المصلحة العامة، مع نضج عال في التدبير والاقناع.
يبدو نظريا ان الامر في المتناول. وان اتباع اختيار معين، قد يقودنا الى الهدف المنشود. هناك خيوط متعددة تتحكم في اللعبة على المستوى العملي. فالمجال السياسي عالم معقد ومتشابك، ومؤسس على صراع المصالح والمواقع والنفوذ. قد يحصل الخلط والتشابك في اختيارات بعينها دون سواها، وتعيش الأمم حينها حالات من التأزم والتقزيم، عوض التقدم والتطور، حسب نوعية التجربة وخصوصيتها.
أتصور ان الجمهور المغلوب والمتخلف، في حاجة الى مستبد عادل، يأخذ بزمام الأمور، ويقوده قدر الإمكان نحو الحرية والتقدم متى كانت المصداقية والقدرة على اتخاد القرار السياسي المناسب، في الفترة التاريخية المحددة والدقيقة.
ان الديموقراطية كمشروع تاريخي انساني ، تفرض علينا سياقها. ونحن مدركون بقواعدها ومزاياها، ومدى قدرتها على المساهمة في حل إشكالات الحقوق والمواطنة. غير ان الشق المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية في اوطاننا المتخلفة، قد يحتاج صيغا أخرى مخالفة حينا، مغذية وموازية احيانا.
اصلاح المجتمعات رهين برجالات صادقين، يقدمون مصلحة الأوطان والأمم على المصالح الشخصية والفئوية، ويتحملون وزر الصعوبات المرافقة للاختيارات الشعبية.