putin-assad-face.jpg8888

موسكو ـ (أ ف ب) – حين أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حملة الضربات الجوية في سوريا السنة الماضية دعما للرئيس بشار الاسد، كانت قوات النظام السوري تخسر مواقع على الارض. وقد انقلب الوضع تماما بشكل كبير بفضل هذا التدخل.

وتحتفل دمشق اليوم باكبر انتصار لها منذ اكثر من خمس سنوات من الحرب بعدما استعادت قوات النظام تقريبا كل الاحياء الشرقية في مدينة حلب التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية، ما وجه ضربة للاطراف التي كانت تطالب برحيل الاسد.

كيف ساهمت الحملة الروسية في قلب مسار المعارك؟

– تغيير مسار الحرب –

لعبت الطائرات الحربية الروسية دورا اساسيا في خسارة فصائل المعارضة الاحياء الشرقية في حلب مع حملة ضربات مكثفة اعادت الى الاذهان ذكرى الغارات الروسية التي ادت الى تدمير غروزني عاصمة الشيشان خلال شتاء 1999-2000.

ورغم ان موسكو أعلنت وقف الضربات في تشرين الاول/اكتوبر، الا ان قاذفاتها كانت ضربت فصائل المعارضة على مدى اشهر ما اتاح لقوات النظام السوري احكام الحصار على المدينة.

ويقول المحلل في مركز “كارنيغي” للابحاث في موسكو ألكسي مالاشنكو “بدون روسيا، لم يكن ليحصل شيء في حلب”، مضيفا “كل شيء كان مركزا على حلب”.

وفيما تصر موسكو على ان قواتها لا تحارب على خطوط الحبهة، تقر بان مستشاريها العسكريين متواجدون على الارض لمساعدة قوات الاسد.

ويضيف مالاشنكو ان المستشارين الروس لعبوا دورا في مساعدة العمليات الميدانية، لافتا الى ان مقتل ضابط روسي في حلب مؤشر على ان موسكو قد تكون استعانت بأكبر خبراتها للمساعدة.

وبالاضافة الى مساهمتها في قلب مسار الامور عسكريا، فإن وجود روسيا شكل رسالة واضحة بان أي تدخل للغرب لن يحصل في حلب، رغم التنديد الدولي بحمام الدم في المدينة.

ومع تكثف الحملة، عززت موسكو استخدام اسلحتها الجوية الفائقة التطور وارسلت المزيد من السفن الحربية بما يشمل حاملة طائراتها الوحيدة، لمراقبة السواحل قبالة سوريا.

– نصر باهظ الكلفة؟ –

بالنسبة للكرملين، يمكن ان يعتبر النصر في حلب انتصارا كبيرا يتوج اول تدخل لموسكو خارج منطقة الاتحاد السوفياتي منذ الحملة الكارثية في افغانستان.

وساعدت روسيا في وضع الاسد في موقع قوة مع الحاق الهزيمة بمجموعات المعارضة السورية المدعومة من واشنطن وحلفائها.

واصبح بوتين حاليا يمسك بخيوط اللعبة بدون منازع في سوريا، وطرفا اساسيا في منطقة الشرق الاوسط بكاملها. وقد استبعد الولايات المتحدة واوروبا عن المشهد في حلب عبر تفاوضه مباشرة مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان.

لكن حملة الضربات الكثيفة على حلب دفعت بالغرب الى توجيه اتهامات لروسيا بارتكاب “جرائم حرب”، ما اثار حتما غضب الكرملين وتوترا اضافيا في علاقاته الهشة مع الغرب.

وشكل ذلك ضربة لما اعتبره كثيرون سابقا الهدف الرئيسي لتدخل بوتين في سوريا، وهو محاولة تخفيف عزلته بسبب الازمة الاوكرانية.

ويقول الخبير العسكري المستقل الكسندر غولتس “الهدف الرئيسي للعملية كان دفع الغرب الى الحوار مع بوتين”.

ويضيف “لكن الوضع عاد الى سابق حاله، واصبحت روسيا الان معزولة بسبب الانتصار في سوريا”.

وبسبب الانتقادات الدولية الشديدة، اعلنت روسيا تعليق الضربات في حلب في تشرين الاول/اكتوبر في خطوة وصفها الكرملين انذاك بانها “بادرة حسن نية”.

لكن جاء ذلك متاخرا، وتبخرت كل فرص دفع الولايات المتحدة الى التنسيق في سوريا.

في الشق العسكري، لم يكن استعراض القوة في حلب على الدوام ناجحا.

فقد تعرضت حاملة الطائرات الروسية القديمة الاميرال كوزنيتسوف لنكستين محرجتين، إذ تحطمت مقاتلتان انطلقتا منها خلال شهر، احداهما اثناء هبوطها.

– المرحلة المقبلة –

وفيما تستعد روسيا لتهنئة القوات السورية بالنصر في مدينة حلب، جاءت الانباء غير السارة من مكان آخر.

فخلال تركيز قوات الاسد هجومها على حلب، تمكن تنظيم الدولة الاسلامية من السيطرة مجددا على مدينة تدمر الاثرية في وسط البلاد، بعد ثمانية اشهر على استعادتها.

وشكلت الخسارة ضربة قوية لبوتين الذي جعل من استعادة هذا الموقع المصنف على لائحة التراث العالمي محور عمليته الدعائية، وكذلك مصدر قلق من المرحلة المقبلة.

ويسلط تقدم تنظيم الدولة الاسلامية المفاجىء الضوء على الصعوبات التي ستواجهها قوات النظام السوري في احكام قبضتها على المناطق التي تسيطر عليها، كما يثبت ان نهاية الحرب السورية لا تزال بعيدة.

ويقول مالاشينكو “مع دخول الجهاديين تدمر للمرة الثانية، من الصعب تصور ان حلب ستتحول على الفور الى مدينة يعمها السلام”.

ويضيف “هذه المدينة الكبرى يجب ان تبقى تحت المراقبة ويجب نشر اعداد كبرى من عناصر الجيش السوري مع دعم سوري دائم” فيها.

لكن هزيمة مقاتلي المعارضة في حلب لم تترافق حتى الان مع اي تقدم نحو حل متفاوض عليه للنزاع.

وفيما اصبح الاسد في موقع قوة، سيكون من الصعب اكثر الان على موسكو حمله على العودة الى طاولة المفاوضات.

يبقى ان الامر الاكثر اهمية بالنسبة للكرملين حاليا هو معرفة كيف سيتعامل الرئيس الاميركي المنتخب دونالد ترامب مع الملف السوري حين يتولى مهامه رسميا في نهاية كانون الثاني/يناير.

وفيما اصبحت استعادة حلب بحكم الامر الواقع حاليا، يراهن بوتين والاسد على ان يبقى ترامب وفيا لخطاباته وان يعطي الاولوية للتعاون في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية.