LEVNI-ALFAYSAL (1).jpg444

الناصرة-“رأي اليوم”- من زهير أندراوس:

المتتبع للشؤون الإسرائيليّة يُلاحظ بدون جهدٍ خاصٍّ بأنّ مُلاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين من قبل التنظيمات الفلسطينيّة وحليفاتها الغربيّة، شهدت في السنوات الأخيرة تراجعًا كبيرًا، وفقدت الزخم الذي كان تتمتّع به، وهو الذي دفع قادة الدولة العبريّة إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاحتياطيّة لمنع اعتقال قادّة وضباط ومسؤولين سياسيين في القارّة العجوز بتهمة ارتكب جرائم حرب ضدّ الشعب العربيّ الفلسطينيّ.

مع ذلك، مستمرة هي منذ سنوات، حرب “الكر والفر”، بين مجرمي الحرب من المسؤولين الإسرائيليين، والمنظمات الحقوقية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، بالإضافة إلى حلفائهما من المؤسسات أو الأفراد في مختلف العالم لتحقيق هدف واحد: أنْ يلقى هؤلاء المجرمون عقابهم العادل، أوْ أنْ يصبحوا مطاردين من قبل العدالة الدولية على الأقل، في ظل معارك وجولات متواصلة لتحقيق هذا الهدف في مختلف الساحات القضائية الغربية.

ولكن بعد أنْ تراجعت بريطانيا عن ملاحقة قادة مجرمي الحرب الإسرائيليين، يبرز هنا السؤال الأكثر إلحاحًا، هل كانت الدعوة لملاحقتهم دعوات فارغة من المحتوى والمضمون ؟ أمْ أنّ السياسات الأوربية المتعاقبة والتي سلمت فلسطين للصهاينة سابقًا قائمة على الخواء السياسي والكيل بمكيالين ولا مجال للتطبيق؟.

وغنيٌ عن القول إنّ سجل الدولة العبرية حافل بالاغتيالات وارتكاب جرائم الحرب بحق الإنسانية، ولم يحدث في تاريخ أيّ جيش عدواني استعماريّ أنْ يكون عدد الجنود والضباط المتورطين في ارتكاب جرائم حرب ضدّ المدنيين العرب، وخصوصًا الفلسطينيين واللبنانيين، يزيد على مئات الضباط والجنود في الحربين الأخيرتين ضد لبنان والمقاومة عام 2006 وضدّ الفلسطينيين في الحرب التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزّة بصيف العام 2014، فالمتهمون المدانون بجرائم الحرب أصبحوا في هاتين الحربين فقط من جميع ألوية الجيش الإسرائيلي واختصاصاته ومن جميع الرتب العسكرية ومن بينهم ثلاثة رؤساء أركان ووزير أمن ورئيس حكومة ووزراء ناهيك عن ضباط وجنود آخرين.

ولذلك يستنتج (كارل شفارتس) في تحليل نشره مؤخرًا في عددٍ من المواقع الإلكترونية للأبحاث والدراسات أنّ إسرائيل تحولت إلى الدولة الأولى في ارتكاب جرائم حرب في العقود الماضية ولو حوكم ضباطها منذ اجتياح لبنان عام 1982 على هذه الجرائم لفقد الجيش ضباطًا من أهم الاختصاصات، على حدّ تعبيره.

ولأنّ قيادة الجيش والمستشار القضائي للحكومة الإسرائيليّة أدركا خطورة المطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب على مستقبل الجيش والدولة فقد وجها أوامر صارمة بعدم نشر أسماء الضباط من قادة الكتائب والفرق والوحدات التي تشارك عادة في أيّ عمليات انتقامية ضد الفلسطينيين واللبنانيين، لكي يحول دون تقديم أسمائهم إلى محاكم دولية ومحلية ذات صلاحية بالنظر في محاكمتهم.

وإذا كانت الحكومة الإسرائيلية المتعاقبة منذ حكومة شارون حتى حكومة نتنياهو الحالية تحاول الظهور بمظهر اللا مبالي بهذه الإجراءات التي تعد ضدّ قادة جيشها ووزرائها، إلّا أنّ سجل الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيليّة يشير إلى وجود لجان كثيرة قانونية ودبلوماسية كلفتها الحكومة بإعداد كل الدراسات والاستعدادات الممكنة لمواجهة هذه الإجراءات وبكافة الوسائل التي تتوافر للحكومة الإسرائيلية. كما أنّ الخارجيّة في تل أبيب، كما أفادت صحيفة (هآرتس)، كلّفت مكاتب محاماة في أوروبا بالعمل على إعداد وثائق خاصّة لكي تتمكّن إسرائيل من الإفلات من اعتقال قادتها من المُستويين السياسيّ والعسكريّ.

ومن آخر هذه الجولات، أيْ ملاحقة مُجرمي الحرب، جرت على الأراضي الأسبانية مؤخراً، حيث حاول العديد من المتضامنين الأسبان مع الشعب الفلسطينيّ إصدار أمر اعتقال ضد رئيس جهاز الشاباك السابق، آفي ديختر، والوزير الإسرائيليّ السابق، دان مريدور، اللذين وصلا إلى أسبانيا مؤخراً بسبب اشتباه تورطهما في جرائم حرب ضدّ الشعب الفلسطيني. ورغم تمكنهما من الإفلات من قبضة العدالة، إلّا أنّ هذا لا يعني على الإطلاق أنّ إسرائيل انتصرت في هذه الحرب، حيث إن محاولة وضع المسؤولين الإسرائيليين المذكورين خلف القضبان بحدّ ذاته “خطوة” ضمن طريق طويل ينبغي إكماله حتى النهاية بلا كلل للوصول إلى مرحلة الانتصار.

وفي سياق آخر، ألغت وزيرة الخارجية الإسرائيليّة السابقة، تسيبي ليفني، زيارتها إلى بلجيكا، بعد إعلان مدعين بلجيكيين عزمهم التحقيق معها حول ارتكاب “جرائم حرب” في غزة خلال عدوان 2008-2009. وكان من المتوقع أنْ تصلَ ليفني بلجيكا الأسبوع الماضي في إطار نشاطٍ إسرائيليٍّ مناهض لحركة المقاطعة، (BDS) إلّا أنّه جرى شطب اسمها من النشاط، ما يفيد بإلغاء قدومها خوفًا من الملاحقة.

من ناحيته قال المُحلل الإسرائيليّ، إلداد بيك في مقالٍ نشره بموقع (ميدا) العبريّ، إنّ ضعف المحكمة الدوليّة في لاهاي بعد انسحاب روسيا منها، لا يجب أنْ تدفع القيادة الإسرائيليّة، السياسيّة والعسكريّة إلى التراخي، ذلك أنّه من المُحتمل جدًا أنّ المحكمة، ولإثبات هيبتها ومصداقيتها، قد تلجأ لاتخاذ خطوات ضدّ إسرائيل في المجال القضائيّ بهدف العودة الأضواء وترسيخ الإجماع الدوليّ حول ضرورة مواصلة عملها، بحسب تعبيره.