film-room.jpg444

باريس ــ حميد عقبي:

 البعض لا يهتم كثيرا بمكان تحرك شخصياته وتوقفهم وركضهم خلال كتابة السيناريو، في كل مشهد يجب أن يعرف كاتب السيناريو عن نوعية المكان داخلي أو خارجي ولكن لماذا تختار هذا أو ذاك، المسالة ليست عبطية أو تحكمها الضرورة الإنتاجية المكان يمكنه أن يحضر كشخصية مستقلة بذاتها وتحوي مضامين وأفكار فلسفية وله تأثيره الدرامي وهو مرتبط بالشخصيات والزمن وكافة العناصر الأخرى.

إذا كان الحدث يدور في حارة شعبية مثلا فهذا لا يعني أن نكرر العناصر ونصور نفس تلك الديكورات التي تتكرر في الأفلام المصرية، الواقع يختلف كثيرا فعندما تزور حواري القاهرة الشعبية تكتشف عشرات الفروقات ما بين حارة وحارة، وتشعر أنك في فضاء إنساني فيه الكثير والكثير من العناصر الدرامية والدلالات الناطقة والحارة في بعض الأفلام تعني الأصالة والنخوة والتضامن الاجتماعي والبهجة وغيرها من المفاهيم والدلالات حيث فيها الروح الإنسانية  والطمأنينة  وهنالك أفلام عكست دلالات معاكسة فتحولت الحارة إلى السجن والظلم والسلطة الأبوية والعزلة وبؤرة الجهل والجريمة والخروج عن القانون.

في الكثير من الأفلام المصرية يحتل الريف مكانة كبيرة ومهمة وهنالك أفلام لا تنسى على سبيل المثال فيلم “الأرض ” ليوسف شاهين، هذا الفيلم تدور أحداثه في قـرية مصـرية صغـيرة، حيث تدور صراعات بين الفـلاحين ووبين الاقطاعيين وأصحاب السلطة، المكان هنا هذه الأرض بما تحمله من قداسة وكرامة وهي الوطن والروح، منذ اللقطة الأولى في الفيلم نرى يد أبو سويلم تداعب الأرض التي تعاني من العطش ثم نرى نظراته القلقة وهكذا تستمر سلسلة المشاهد فتكون الأرض الزراعية حاضرة وعلى علاقة وطيدة بالأبطال والفلاحين وهناك علاقة جسدية مباشرة تعكس مصير وحياة هؤلاء بها، فموتها يعني موتهم، هنا نجد الكامير تتلذذ بتصوير هذه القرية وتتخذ وضعيات وزواياء مختلفة لنرى الشجر والطيور والناس والماشية ونحسُّ من خلال رؤية الشخصيات بعطش الأرض، يحضر اللون الأصفر والرمادي، في كل ركن من هذا المكان سنكتشف شخصية لها حكايتها الخاصة وجاذبيتها المدهشة وكأننا في رحلة حول العالم، أي كلما مشت الكاميرا عشرة أمتار نجد حدثا أو حوارا أو مشكلة ما، ونستكشف عقدة الحكاية على جرعات ولكن الأكثر دهشة هو هذه الأساليب المتعددة وهذه اللغة السينمائية المدهشة التي تجعلنا نرتبط بالأرض وأهلها البسطاء.

بعض الأفلام تكون بدايتها مهمة ومشوقة وبطولة مكان ما، لنأخذ مثالا لهذا فيلم “البيضة والحجر” للمخرج على عبد الخالق، نسمع في البداية صرخات وزعيق ثم نكون على سطوح عمارة سكنية ويكون الحديث عن غرفة مغلقة كان يسكنها المشعوذ سباخ ويأتي صاحب العمارة لفتحها فيجد معارضة أهل العمارة ونسمع حكايات عن المكان أي الغرفة والتي ستنطلق منها الحكاية وتقدمه لحضور مستطاع (أحمد زكي) أستاذ مادة الفلسفة الذي يتحول إلى مشعوذ، لعبت ضروف عديدة في هذا التحول، لكن هذا المكان أي الغرفة حضرت كعنصر ودلالة مهمة بكينونتها المكانية والرمزية.

 فيلم سائق التكسي إخراج مارتن سكورسيزي ومن بطولة روبيرت دي نيرو، من الأفلام المهمة في توظيفات الأماكن، الفيلم يصور رعب ظاهرة العنف فى المجتمع الأمريكى المعاصر وفي هذا الفيلم تناقض الشخصية تتضح عبر هذه الأماكن المتنوعة والمتناقضة التي نقتاد إليها وتكون مدينة نيويورك مسرحا لرحلة البطل في عالم الرعب والبؤس والقسوة في فترة السبعينات لمدينة نيويورك.

لنأخذ مثالا بسيطا ومهما وهو فيلم البالونة البيضاء، سيناريو عباس كياروستامي وإخراج جعفر بناهی ويحكي حلم طفلة صغيرة بسمكة بيضاء للعام الجديد وبعد محاولات تنجح بصعوبة فى اقناع أمها باعطائها المال كي تذهب وتشتري السمكةومعها المال لكنها تفقده فى رحلتها الطويلة.

هنا الأمكنة بسيطة وواقعية لكنها معبرة ولها جماليات مدهشة وهذا العنصر من أهم ميزات السينما الإيرانية تعاملها المدهش وتوظيفات المكان الجمالية، لذا من المهم لمن يخوض محاولاته الأولى في كتابة السيناريو أن يشاهذ هذه النماذج التي تزخر بلغة سينمائية بليغة ومعبرة وهنا نجد البساطة وأفلام وجدت نجاحا عالميا رغم قلة الكلفة المادية ووجود عوائق ورقابة قاسية، فكل فيلم كان شبه مغامرة خطرة وبعض الأفلام منعت أو تعرض أصحابها للعقاب.

المبالغات في الديكور ليست الوسيلة للحصول على جماليات ومعاني سينمائية للمكان، الديكور عنصر تكميلي  وهنالك أفلام تحتاج إلى ديكورات خاصة كالأفلام التاريخية مثلا، وهناك من ينفذ هذا النوع من الأفلام بالبحث عن أمكنة حية وطبيعية، لنأخذ مثالا على هذا فيلم “أندريه روبيلوف” للمخرج الروسي أندرية تاركوفسكي، ويميل تاركوفسكي إلى الطبيعة وعناصرها الأربعة (الماء والهواء والتراب والنار) ومنها يصنع لوحاته المدهشة الشعرية.

من المهم جدا مشاهدة الأفلام اليابانية والتي تتخذ من الطبيعة بجعلها عنصرا مقدسا ومهما فيها تتحرك الشخصيات والحكايات وتظل الكاميرا مذهولة ومسحورة في حضن الطبيعة ودهشتها، المكان هنا يتجاوز معناه المادي ليزج بنا في عوالم ميتافيزيقية وروحية.

فيلم “الغرفة” من إخراج ليني أبراهامسون، من الأفلام المهمة التي تدور أحداثها في غرفة صغيرة، هذا المكان الضيق المحدود للغاية نظل فيه سجناء طول الفيلم، نحن هنا مع أحد النماذج المهمة في التعامل مع المكان المغلق وبراعة خلق دهشة خلاقة.

في هذه المناسبة أدعوكم لمشاهدة فيلم “قط أسود قط أبيض” للمخرج الصربي أمير كوستوريتسا، الذي تدور أحداثه في قرية غجرية فقيرة على ضفاف النهر في صربيا، سنجد حضورا مدهشا للحيونات والطيور تقتحم الأمكنة، ومن هذا تتفجر معاني ودلالات يصعب وصفها، في المشاهد الداخلية لهذا الفيلم يحدث دائما حضور عناصر من الخارج وتفلت الكاميرا من قبضة الداخل لتركض إلى الخارج.

روبيرت بريسون من المخرجين الفرنسيين الذين تعتبر أفلامهم كدروس مفيدة في خلق بهجة مرئية معبرة في التعامل مع المكان وهو يميل إلى تقديم المنظر الطبيعي فارغا من الشخصيات في بداية ونهاية المشهد وخلق لوحات تشكيلية ناطقة بجمال سينمائي خلاق.

كما يمكننا التوقف وتأمل أفلام المخرج الروماني كريستيان مونجيو، فهو يستخدم كاميرته كمشرط لتصور هذا الفضاء المعتم حيث تفوح روائح القهر والبؤس والتسلط ويزج بنا في أمكنة مغلقة ولكن ما يوجد في الخارج يجعلنا نتخيله عبر المؤثرات الصوتية في فيلمه “ما وراء التلال” نتعايش مع هذا الدير المعزول ونسمع صوت الريح والكلاب، ويتورع كريستيان مونجيو عن استخدام الموسيقى التصويرية، يقبض على شخصياته ويحاصرهم بصورة قاسية هي قسوة الواقع ورعبه.

يمكننا كذلك التوقف للحظات مع أسلوب المخرج السينمائي الساحر جان لوك غوادار، قد نجد صعوبات كثيرة في فهم مقاصد المخرج في خياراته وتعامله مع المكان وقد نتوقف مع لقطة لفنجان قهوة مثلا تظل على الشاشة بينما تدور حوارات وأحداث لكنه لا يصورها ويظل مركزا على هذا الفنجان، وهو يميل إلى  تحرير كاميرا التصوير من كل القيود والقواعد الكلاسيكية والتصوير في الأماكن الطبيعية والمفتوحة والشوارع العامة وداخل المقاهي العامرة بالضجيج المربك الذي يشوش على الصورة أحيانا وعدم الاعتماد على الديكور الفخم أو الانحصار داخل الاستوديوهات.

نختم بدعوة لمشاهدة أفلام المخرج الإيطالي  فيديريكو فللـيني حيث نلمس غرابة الأمكنة المشحونة بعناصر خيالية مفعمة بالعبث والفنتازيا،  يصعب في مقال من ألف كلمة أن نلم بتفاصيل الموضوع وحاولت هنا مناقشة عناصر مهمة ولديكم بعض الأمثلة والنماذج ويمكنكم مشاهداتها والتمتع بسحرها المدهش.