لهذه الأسباب سيتأخر تحرير الجانب الأيمن من الموصل

وضعت الحرب أوزارها في الساحل الشرقي للموصل بعد طرد عناصر داعش، ولكن المعركة لم تنتهي في المدينة، فالحفاظ على الأمن في العشرات من الأحياء المحرّرة وتحصينها من الخلايا النائمة والعمليات الانتقامية، مهمة ليست بالسهلة أمام الحكومة.

مرحلة ما بعد التحرير لن تكون سهلة، ويدخل الصراع السياسي مع العامل العسكري فيها، فالحفاظ على الاستقرار في المناطق المحررة هي المهمة الأصعب، إذ تتطلب إجراءات سياسية واجتماعية وخدمية عاجلة فضلا عن قوة أمنية موثوقة تقوم بمهام شرطوية.

الخلايا النائمة التابعة للإرهابيين واحتمالات حصول عمليات انتقام، أكبر المخاوف التي تراود الحكومة في شرق الموصل، بينما تنتشر في المدينة تشكيلات مسلحة عديدة غير متجانسة من حيث القوة والتسليح والخبرة في التعامل مع الأهالي.

وتختلف معركة الموصل عن سابقاتها من المعارك ضد الإرهابيين في أن غالبية السكان اختاروا البقاء في منازلهم بدعم من الحكومة، بينما اندلعت المعارك السابقة في الفلوجة والرمادي وتكريت بعدما ترك السكان منازلهم إلى مخيمات النازحين وعادوا لاحقا بعد عمليات تدقيق أمنية صارمة للتأكد من عدم وجود خلايا نائمة، كما يقول الضابط في قوات مكافحة الإرهاب سيف الربيعي.

ويوضح الربيعي "بدأنا بتسيير دوريات أمنية في الأحياء المحررة لتفتيش المنازل والتأكد من هوية السكان بحثا عن عناصر داعش الذين ربما يتخفون بين الأهالي"، مؤكداً "تمكنا من اعتقال عدد منهم، وعثرنا على مخازن أسلحة في منازل مهجورة كانت معدة للاستخدام لاحقا من قبل المتطرفين لإثارة الفوضى في الأحياء المحررة".

أكثر ما يخشاه الربيعي وزملاؤه أن يبدأ المتطرفون بضرب ظهر القوات الأمنية عند عبور نهر دجلة لتحرير الجانب الغربي من المدينة، ولهذا تسعى قوات مكافحة الإرهاب إلى ضبط الأمن ومنع حصول تفجيرات بعد التحرير كما يحصل في الفلوجة والرمادي منذ أسابيع.

الساعدي الذي شاركت وحدته في معارك تحرير الفلوجة الصيف الماضي، وانسحبت منها لاحقا نحو الموصل للمشاركة في المعركة الجديدة، يطالع الأنباء الواردة من الأنبار بقلق وحزن إذ شهدت الفلوجة سبعة تفجيرات بسيارات مفخخة آخرها السبت الماضي، على الرغم من الإجراءات الأمنية الصارمة هناك، وثلاثة تفجيرات أخرى في الرمادي.

والآن تنتشر خمسة تشكيلات مسلحة في الجانب الشرقي من الموصل وهي قوات مكافحة الإرهاب، والجيش، الشرطة الاتحادية، الشرطة المحلية، قوات الرد السريع، وهذه التشكيلات ليست متجانسة من حيث الخبرة والتسليح والتعامل مع الأهالي.

وفي الجمعة الماضية أعلن محافظ نينوى المقال أثيل النجيفي الذي يترأس قوات "حرس نينوى" بأن الحكومة الاتحادية منحت قواته صلاحية حفظ الأمن في 30 حياً سكنياً في الجانب الأيسر لمدينة الموصل، ضمن خطة لسحب قوات مكافحة الإرهاب وإعادة تنظيمها من أجل الاستعداد للمعركة المقبلة في الجانب الآخر من المدينة.

ولكن الحكومة تراجعت عن هذه الخطة بعد ساعات قليلة وقررت إخراج قوات "حرس نينوى" من المدينة بعدما طالب سياسيون وعدد من قادة الحشد الشعبي بعدم إشراك "حرس نينوى" في حفظ الأمن، كما أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع أن النجيفي مطلوب للقضاء وسيتم اعتقاله إذا دخل إلى المدينة مجددا.

قوات "حرس نينوى" هي خليط من الشرطة المحلية السابقة جمعهم النجيفي بعد سقوط الموصل في معسكر شمال المدينة لإعادة تنظيمهم، ولكن الحكومة لا تثق كثيرا بهذه القوة لأنها مدعومة من تركيا، بينما ترفض قوات الشرطة الاتحادية والحشد الشعبي مشاركة هذه القوة في مسك الأرض كما إنهم يتهمونها بـ"الخيانة".

"كتائب بابليون" وهي قوة عسكرية مقاتلوها من المسيحيين تشكلت من قبل الفصيلين الشيعيين "عصائب أهل الحق" ومنظمة "بدر"، طالبت في بيان رسمي الحكومة بإجراء فحص أمني لعناصر قوات "حرس نينوى" لأن بينهم عناصر إرهابية مندسة، كما طالبت بتنفيذ قرار القضاء الخاصة باعتقال أثيل النجيفي، ودعت لإشراك "الحشد الشعبي" في مسك الأرض.

هذه الخلافات السياسية بين التشكيلات المسلحة تشكل تحديا جديدا أمام الحكومة، ولهذا قرر قائد عمليات "قادمون يا نينوى" الفريق الركن عبد الأمير رشيد يار الله أن مهمة حفظ الأمن في الأحياء المحررة ستكون من قبل قيادة القوات المشتركة والتي تضم قوات مكافحة الإرهاب وباقي القوات بإمرتها.

ولكن قوات الجيش ومكافحة الإرهاب لا تمتلك العدد الكافي لحفظ الأمن في شرق الموصل والبدء بالمرحلة المقبلة من معركة تحرير غرب الموصل في وقت واحد، ولهذا فإن موعد انطلاق معركة استعادة الجانب الآخر من الموصل ربما يستغرق أسابيع.

قبل احتلال تنظيم داعش للموصل في حزيران 2014 كان هناك نحو 25 ألف عنصر من الشرطة المحلية إضافة إلى نحو 40 ألفاً من الجيش والشرطة الاتحادية تقوم بمهمة حفظ الأمن في المدينة، ولكن بعد سقوط الموصل انهارت الشرطة المحلية بشكل كامل، واليوم يوجد تقريبا ثمانية آلاف عنصر من الشرطة المحلية غالبيتهم غير جاهزين للعمل حتى الآن.

كما أن حفظ الأمن في الجانب الشرقي من الموصل يحتاج إلى إعادة فتح مراكز الشرطة المحلية لتكون قادرة على مراقبة جميع الأحياء ومنع الخلايا النائمة من الظهور، ومنع العمليات الانتقامية التي تجري بين الأهالي بسبب الانتماء إلى داعش، ولكن حتى الآن لم تعلن الحكومة فتح مراكز الشرطة المحلية.

تواجه الموصل هذه الأيام المشكلة نفسها في المناطق التي تحررت منذ شهور في تكريت، بيجي، الشرقاط، الدور، العلم، الصينية، ويثرب في محافظة صلاح الدين، والرمادي، الفلوجة، هيت، كبيسة، والرطبة في محافظة الأنبار، إذ تعيش هذه المدن تحت سطوة تشكيلات مسلحة غير متجانسة بعيدة عن رقابة الحكومة في بغداد إذ تجري عمليات قتل واختطاف بشكل سري دون علم أحد.