"رايتس ووتش": الأمن الكردي اختطف 180 طفلاً "عربياً سنياً" وعذبهم في أربيل

 

بغداد/ رفع علي (14 عاما) كُمّي قميصه، وهو يجلس على كرسي معدني بساقين نحيفتين بالكاد تصلان إلى الأرض، وتحدث بصوت أقرب إلى الهمس، قال إن الندوب الخفيفة بالقرب من كوعه كانت ناتجة عن الصعق بالكهرباء، وأن ندبة دائرية سوداء بالقرب من معصمه كانت بسبب الحرق بالسيجارة، من قبل "الجلادين" في قوات الأمن الكردي "الأسايش".

انتهى المطاف بعلي وراء القضبان في إقليم كردستان بعد أن قالت قوات الأسايش إنه اعترف بانتمائه لتنظيم داعش، قال علي "في البداية لم اعترف، لم اعترف حتى ضربوني آخر مرة، لكني بعد ذلك اعترفت"، نافياً أن يكون قد انضم إلى التنظيم في أي وقت، وأصر على أن التعذيب أجبره على الاعتراف "قالوا لي عليك أن تعترف".

علي هو من بين أكثر من 180 طفلا عراقيا، معظمهم "عرب سنة" كانوا يعيشون في مناطق يسيطر عليها تنظيم داعش، والآن تحتجزهم قوات الأسايش، بزعم أنهم منتمون للتنظيم، في مركزين لاحتجاز الأحداث في إقليم كردستان، هذا ما قالته المختصة بشؤون الإرهاب ليتا تايلور، التي قابلت 19 طفلاً منهم في كانون الأول الماضي، وبصحبتها باحثة من منظمة "هيومن رايتس ووتش"، مؤكدة أن بعضهم لا يتجاوز عمره 11 عاما، في مركز احتجاز في أربيل، عاصمة إقليم كردستان، حيث يحتجز معظمهم.

وتقول:

دخلنا مركز الاحتجاز بهدف الحديث مع الأطفال عن الحياة في ظل أعتى جماعة مسلحة في العالم، لكننا سرعان ما اكتشفنا أن هؤلاء الأطفال وقعوا ضحايا مرتين أولا، من قبل تنظيم داعش الذي قالوا إنه حاول باستمرار تجنيدهم كمقاتلين، ثم من قبل أفراد قوات الأسايش.

كل الأطفال الذين تحدثنا إليهم، باستثناء 2 منهم، قالوا لنا إن عناصر الأسايش عذبوهم أو ضربوهم لكي يعترفوا قبل استقدامهم إلى مركز الاحتجاز في أربيل، وقال كثيرون إنهم لم يستطيعوا رؤية أفراد أسرهم أو التحدث إليهم لمدة أسابيع أو أشهر بعد احتجازهم، حصل ذلك لأن الأسايش منعوهم في بعض الأحيان، ولأنهم لا يعرفون كيف يتصلون بأسرهم في أحيان أخرى، ويبدو أن جميعهم لم يكونوا مصحوبين بمحامين أثناء التحقيق معهم من قبل قوات الأسايش، وبحسب ما توصلنا إليه، فإنه لم توجه أي تهم رسمية لأي منهم.

يصل كل أسبوع مزيد من الأطفال المتهمين بالتورط مع تنظيم داعش إلى مركز الاحتجاز، ربما ارتكب بعضهم جرائم مع التنظيم، أو ربما هم يشكلون تهديدا أمنيا خطيرا، لكن في كثير من الحالات، قد لا يكون هناك سبباً للاحتجاز.

بينما لا نستطيع الدفاع عن ذنب أو براءة هؤلاء الأطفال، ليس لدينا أدنى شك في كونهم تعرضوا لصدمة شديدة، قال طفلان إنهما يريدان الانتحار، وقال لنا أخصائيون اجتماعيون في مركز الاحتجاز إن عددا أكبر من الأطفال يميلون أيضا للانتحار.

فيما نفى مسؤول التواصل مع المنظمات الدولية في حكومة إقليم كردستان ديندار زيباري، في سياق ردّه على طلب تعليق منه، أن يكون أي طفل قد تعرض للتعذيب، وقال "حكومة إقليم كردستان تتعامل معهم كضحايا وليس كمجرمين".

كتب إلينا زيباري بأن الحكومة "تتفانى في متابعة المزاعم"، لكنه أضاف أنه "لم يتم الإبلاغ عن أي حالة لم تُحترم فيها إجراءات الاعتقال، أو سوء سلوك قوات الأسايش أثناء اعتقال أي مدني"، لكن، وبما أن معظم الأطفال، إن لم يكن جميعهم، ظلوا دون محام حتى بعد نقلهم إلى مركز الاحتجاز، فكيف يمكنهم تقديم شكوى؟.

لم يُجب مسؤولو حكومة إقليم كردستان عن العديد من أسئلتنا، بما في ذلك عدد الأطفال الآخرين المشتبه بهم المحتجزين في أماكن أخرى غير مراكز احتجاز الأحداث، مثل قواعد الأسايش.

اعتُقل الـ180 طفلا في إقليم كردستان ابتداء من شهر تموز 2016، كانوا فارين من المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، بما في ذلك الموصل، حيث تشن القوات العراقية معركة طويلة للقضاء على التنظيم، تم أخذ العديد من الأطفال من مخيمات النازحين الفارين من القتال، بينما تم القبض على آخرين أثناء هروبهم من مناطق أقرب إلى خط المواجهة. أجرينا مقابلات مع 19 طفلا بشكل منفصل داخل مجمع مُقفل ومُسيج، بعيدا عن مرأى ومسمع موظفي مركز الاحتجاز، غيّرنا أسماءهم وحذفنا بعض التفاصيل من شهاداتهم لحمايتهم من الانتقام.

قال الأطفال إن معظم التعذيب وقع خلال عمليات الاستجواب في مقر الأسايش في أربيل، المعروف باسم "جيشتي"، حيث احتجز بعضهم لعدة أيام أو أسابيع قبل استقدامهم إلى مركز الاحتجاز، وقال بعضهم إنهم تعرضوا للتعذيب في مكاتب إقليمية للأسايش في كركوك ومخمور ومناطق أخرى تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان.

قال الأطفال إن عناصر الأسايش عصبوا أعينهم وضربوهم بأنابيب بلاستيكية، وغالبا بشكل متكرر على مدى عدة أيام، قال بعضهم إن الأسايش كبلوا أيديهم خلف ظهورهم في أوضاع مؤلمة، أو علقوهم إلى السقف، وأكد 9 أطفال أنهم تعرضوا للصعق بالكهرباء، وفي حالتين بعد تبليلهم بالماء، وقال معظمهم إنهم صعقوهم عن طريق ربط أطرافهم بأسلاك كهربائية، وأوضح أحدهم أن الأسلاك كانت متصلة بـ"آلة كهربائية جعلتني أشعر كأن عيني ستخرجان من رأسي".

قال عمر (15 عاما) إنه أغمي عليه من شدة الألم، مضيفا "كنت معصوب العينين، ووضعوا كيسا على رأسي، صفعوني على وجهي، وضربوني بأنابيب بلاستيكية وعصا مكنسة على ذراعي وظهري وصدري، كنت جالسا على كرسي ويداي مكبلتان إلى الخلف، ضربوني مرارا وتكرارا، لم أعترف إلى أن بدأوا الصعق بالكهرباء، سقطت على الأرض وفقدت الوعي. وعندما استيقظت، قلت لهم سأخبركم بكل شيء".

فيما قال ياسر (14 عاما) إنه اعترف بعد أن وضع محقق الأسايش منشفة على وجهه، وضربه مرارا بأنبوب بلاستيكي، ثم بدأ بنزع سرواله، وقال له "سوف اغتصبك إن لم تعترف بالانتماء لداعش".

هذه ليست أول مرة تُتهم فيها الأسايش وقوات أخرى تابعة لحكومة إقليم كردستان بتعذيب المتهمين بالإرهاب لانتزاع اعترافات بالقوة، حيث وثقت "هيومن رايتس ووتش" هذه الممارسة في 2007، ورغم أن حكومة إقليم كردستان قد اتخذت عدة خطوات على مر السنين لحماية المعتقلين، فقد أثارت منظمة "العفو الدولية" هذه القضية مرة أخرى في تشرين الأول.

رغم أن معظم الأطفال نفوا أية علاقة لهم بتنظيم داعش، فقد اعترف 7 أطفال بأنهم مرتبطون أو انضموا رسميا إلى الجماعة، وقالوا إنهم عملوا كحراس في نقاط التفتيش أو طباخين ولم يشر أي منهم إلى أنهم قاتلوا مع التنظيم.

قال بعضهم إنهم تجندوا طوعا أو لكسب المال لأسرهم، فيما أكد آخرون إنهم انجذبوا للتنظيم أو تم تهديدهم للانضمام أو حضور دروس القرآن والتدريب على الأسلحة، مشيرين إلى أن حتى هذه الاعترافات لم تكن كفاية بالنسبة للمحققين، الذين عذبوهم حتى اعترفوا أنهم كانوا مقاتلين.

لم يكن أي من الأطفال متأكدا من مضمون الاعترافات المكتوبة التي بصموا عليها، لم يمنحهم محققو الأسايش نسخة منها، وكانت مكتوبة باللغة الكردية، التي يستطيع طفل واحد فقط من الذين قابلناهم قراءتها.

يبدو أن الانتهاكات لم تتوقف عند هذا الحد، قال أغلب الأطفال إنهم استجوبوا من قبل رجل اعتقدوا أنه قاض في مقر الأسايش في أربيل، ولكن تقريبا دائما بعد أيام من اعتقالهم وليس خلال 24 ساعة بعد الاعتقال، كما ينص على ذلك قانون حكومة إقليم كردستان.

لا يعتقد أي من الأطفال الذين قابلناهم أنه متهم بارتكاب جريمة، قال 2 من المدافعين عن حقوق الأطفال في أربيل، على علم بالحالات، وتحدثا شريطة عدم كشف هويتهما، إنهما يعتقدان أن ذلك صحيح، ينص القانون الجنائي العراقي على أنه يجب توجيه اتهام للمشتبه بهم في غضون 6 أشهر، ما لم يتم التمديد من قبل القاضي.

وبحسب العديد من الأطفال، حتى بعد نقلهم إلى مركز الاحتجاز، كان عليهم الانتظار لأسابيع أو أشهر لتلقي الزيارات أو حتى الاتصال بأحد أفراد الأسرة، ولا زال عدد قليل منهم ينتظر، وفي بعض الحالات، حسب قولهم، لم يسمح لهم مسؤولو الأسايش برؤية أقاربهم أو الاتصال بهم حتى حينما أمدوهم بأرقام هواتفهم، بذريعة أسباب أمنية.

قال عمار (16 عاما)، واحد من الأطفال الذين وضعوا أوراقا منكمشة في أيدينا وعليها رقم هاتف أحد الوالدين أو الأعمام "كل ما أريده هو دقيقتين فقط للاتصال بأهلي لأقول لهم أنا على قيد الحياة"، مضيفا أن طفلا آخر من قريته، وصل في وقت لاحق إلى مركز الاحتجاز، اندهش لما رآه، وقال له "تعتقد عائلتك أنك مت".

قال 11 طفلا من الذين قابلناهم إنهم لم يستطيعوا التحدث مع أقاربهم أو رؤيتهم منذ أن اعتقلوا، في بعض الحالات لعدة أشهر، فيما بين 5 أطفال فقط إن أفراد أسرهم تمكنوا من زيارتهم، وكان طفل سادس يتوقع زيارة في الأسبوع التالي، كما أن 4 أطفال فقط - 2 منهم تلقيا زيارات – قالوا إنهم استطاعوا الاتصال بأحد والديهم، مؤكدين أن الأسايش يراقبون مكالماتهم، وفي بعض الحالات يقاطعونهم بعد دقيقتين أو 3.

تحدثنا أيضا مع عدد من أفراد عائلات الأطفال المحتجزين، قليل منهم كانوا يائسين، ولا يعلمون بمكان وجود أطفالهم، سألت أم بشكل محموم "أين هو محمود؟ أيمكنني الحديث معه؟ هل هو مريض؟"، قال رجل واحد، وهو عم طفل معتقل، إن ابن أخيه عضو في تنظيم داعش وأغلق الخط.

قال بعض أفراد العائلات إن قوات الأسايش منحوهم إذنا بزيارة أقاربهم المحتجزين، ولكنهم لا يزالون غير قادرين على الوصول إلى أربيل لأن أعوان الأسايش يمنعون العرب السنة الذين شردهم القتال من دخول المدينة.

قالت أم علي، والدة علي البالغ من العمر 16 عاما، إنها لم تتلق سوى مكالمة من سلطات حكومة إقليم كردستان بعد 4 أشهر بعد أن تم أخذ ابنها من مخيم للعراقيين النازحين من الموصل، ورغم أن لها أقارب في أربيل يمكن أن يتكفلوا به، فقد استغرق الأمر شهرا آخر لتتوصل بإذن لرؤية ابنها، موضحة "ليس هو الابن الذي أعرفه، كان هزيلا، مُنهكا في حالة صدمة".

سخرت أم علي من فكرة أن ابنها قد ينضم إلى التنظيم، لقد هدد عناصر التنظيم والد علي مما اضطره للفرار، ونهبوا منزل العائلة ودمروا سيارتها، وقتل تفجير انتحاري في عام 2008، من تنفيذ تنظيم القاعدة شقيق علي، الذي كان شرطيا.

قالت أم علي إن بعض أصدقاء علي انضموا للتنظيم، وحاول مُجندو الجماعة عدة مرات إقناعه بالانضمام، لكنها كانت تخفي ابنها كلما جاؤوا إلى المنزل، وقالت إنهم عندما وجدوه سحبوه إلى مركز الاحتجاز وجلدوه.

وأضافت "لقد أساء التنظيم لابني، ثم تعرض للتعذيب من قبل قوات الأسايش"، وأجهشت بالبكاء، وتساءلت "لماذا قد ينضم إلى تنظيم داعش؟ لماذا تم تعذيبه؟ إنه مجرد طفل".

كان علي ووالدته من بين العديد من الأشخاص الذين قالوا إن أعوان الأسايش أخذوا الأطفال بناء على معلومات خاطئة من مخبرين محليين يكنون الضغائن لأسرهم، قال علي إن المخبر في حالته كان شابا سبق له أن تشاجر معه عندما حاول الأخير سرقة بعضا من حمام الأسرة، وفشل في سداد دين عليه يقارب الـ 213 دولار.

إن كانت قصة علي حقيقية، فإن الثمن الذي دفعه مقابل هذا الخلاف كان الخطف من قبل قوات الأسايش من مخيم للنازحين الفارين من الحرب، معصوب العينين، والضرب بالأنابيب البلاستيكية في قاعدة الأسايش، ثم التعرض للتعذيب مرارا على مدى 3 أيام في مقر الأسايش في أربيل.

كان علي الطفل الوحيد من الذين قابلناهم، الذي قال إنه تجرأ وأخبر القاضي - أو على الأقل الرجل الذي استجوبه لفترة وجيزة في مقر الأسايش والذي اعتقد أنه قاض - أنه تعرض للتعذيب، موضحاً "سألني عن طريقة التعامل معي، أجبته بأني بريء وأنني اعترفت لأنني تعرضت للضرب"، مضيفاً أن "رد الرجل كان لقد اعترفت بالفعل".

وجدنا الأطفال المتهمين بصلات بالتنظيم في زنازين مكتظة فيها بين 15 و22 طفلا، بما في ذلك زنزانة دون نافذة، داخل منشأة تستضيف 6 أضعاف قدرتها الرسمية، مع ذلك، قال علي وأطفال آخرون إنهم يشعرون براحة وأمن نسبيين في مركز الاحتجاز.

لكن كلما أتى عناصر الأسايش لأخذه أو غيره من الأطفال المعتقلين من أجل الاستجواب في مقر قيادتهم في أربيل، يشعر الأطفال بالذعر، أضاف "كلما صعدنا إلى سياراتهم، يسخرون منا، ويصفعوننا على خدودنا، ويسبون آبائنا".

أينما انتهى المطاف بهؤلاء الأطفال المشتبه بهم، على حكومة إقليم كردستان ضمان اتصالهم بمحامين وبذويهم.

وفي الوقت نفسه، على سلطات حكومة إقليم كردستان أن توضح أنها لن تتسامح مع الاعتداء على المشتبه بهم، بمن فيهم هؤلاء الأطفال، وهذا يعني التحقيق على الفور في مزاعم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة اللا إنسانية، وتأديب أو إدانة عناصر قوات الأسايش أو غيرها إن وجدوا مذنبين، ومنع استخدام الشهادات المنتزعة تحت التعذيب.

قد يجادل البعض بكون هذه مطالب غير عادلة لحكومة إقليم كردستان، التي تنشر حاليا مقاتلي "البشمركة" ضد الدولة الإسلامية، وتستضيف ما يقرب من مليوني شخص نزحوا بسبب النزاعات في العراق والدول المجاورة، لكن استغلال هؤلاء الأطفال يمكن أن يجعل الحرب ضد تنظيم داعش أكثر صعوبة، لأنها يمكن أن تؤدي إلى رد فعل عنيف يدفع مزيدا من العرب السنة نحو الجماعة المتطرفة.