
شهد الجانب الأيسر من مدينة الموصل استقرارا نسبيا، بعد تحريره بالكامل من تنظيم داعش، إلا أن الخلايا النائمة لم تتأخر كثيراً في إعادة "بث الرعب" في نفوس الأهالي في محاولة منها لـ"إثبات" وجود التنظيم، وذلك بالتزامن مع سعي الأهالي والمؤسسات الحكومية إلى إعادة الحياة بشكلها الطبيعي إلى المناطق المحررة.
ويقول العديد من أهالي الجانب الأيسر في تصريحات صحفية لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية، أن معظم المستشفيات فتحت أبوابها وتحاول تقديم الخدمات بعد انقطاع دام لأكثر من سنتين لكنهم من نفذوا وجود شح في الأدوية والمستلزمات الطبية.
كذلك استأنفت نحو 70 مدرسة الدوام مجدداً وعاد التلاميذ والطلبة إلى الدراسة والمباشرة بالتحضير للامتحانات بمواد المرحلة الدراسية التي كانوا فيها العام الماضي، بغرض اعتبارها "سنة عبور" للذين يجتازون الامتحان بنجاح.
كما باشرت كوادر الدوائر الخدمية بأعمالها لكنه عمل محدود قياسا بحجم الخراب الذي لحق بالمدينة، فضلا عن حجم عمل أصغر وعدد أقل من الآليات.
وبإمكان المواطن مغادرة الموصل باتجاه العاصمة بغداد والمحافظات الأخرى لكن مع حاجة إلى كفيل من تلك المحافظة، أما إقليم كردستان فلا يسمح لأهل الموصل بالدخول إلا بتقرير طبي يؤكد حاجة الشخص إلى تلقي علاجات في مستشفيات الإقليم.
حتى هذه اللحظة توجد عودة للعائلات النازحة إلى الجانب الأيسر ويتوقع أن تزداد بشكل واسع بعد تحرير الجانب الأيمن.
الكهرباء الوطنية غائبة بشكل كامل والاعتماد الكلي على المولدات الأهلية التي تعمل بمعدل ست ساعات في اليوم الواحد.
الماء ما يزال مقطوعا وهذا يسبب أزمة إنسانية كبيرة، حيث يعتمد المواطنون على مياه الآبار لكنها تظل مياها غير صالحة للشرب رغم محاولة تصفيتها وتحليتها.
كما أنه ليس هناك تجهيز حقيقي للوقود في ظل انخفاض شديد في درجات الحرارة.
أما المواد الغذائية فهي متوفرة وبأسعارها الطبيعية لا يوجد رفع في الأسعار لكن ليس بإمكان الجميع الشراء لعدم تقاضيهم الرواتب منذ أشهر عدة، وهناك ثقة بأنه إذا تم صرف الرواتب مجدداً ستحصل حركة قوية في السوق وهو ما ينشط جوانب عدة في حياة المواطنين.
كما عادت المطاعم والمقاهي والمحال التجارية في الجانب الأيسر إلى مزاولة أعمالها.
المناطق البعيدة عن نهر دجلة تشهد استقرارا أمنيا، لكن المناطق المحاذية للنهر تعاني من استهدافها بهجمات صاروخية يقوم بها عناصر تنظيم داعش بشكل شبه مستمر.
ورداً على عودة الحياة إلى طبيعتها إلى الجانب الأيسر، نشطت الخلايا النائمة لتنظيم داعش يوم أمس الجمعة لتعيد الأهالي إلى مخاوف ظنوا أنهم تخلصوا منها بتحرير مناطقهم من التنظيم، حيث ضربت ثلاثة تفجيرات انتحارية كبيرة الساحل الأيسر وأودت بحياة العشرات من القوات الأمنية والمدنيين.
حيث استهدف انتحاري يرتدي حزاماً ناسفاً مطعماً في حي الزهور عصر يوم أمس الجمعة، ما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين وإصابة 17 آخرين بجروح، أعقبه انفجار سيارة مفخخة كانت مركونة بالقرب من المطعم، أدت إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين، وتلاهما تفجير بسيارة مفخخة يقودها انتحاري، استهدف مقر اللواء 35 التابع للجيش في حي النور، ما أسفر عن مقتل ضابط برتبة ملازم وإصابة 9 آخرين بينهم 6 مدنيون.
التفجيرات الثلاثة تكاد أن تنسف "تبجح" القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي بشأن عودة الحياة بشكل طبيعي إلى أيسر الموصل وأن القوات الأمنية تفرض سيطرتها بالكامل هناك، ولربما تشهد الأيام المقبلة عمليات انتحارية أكثر وأشد فتكاً بالمدنيين والقوات الأمنية في حال استمرار الصراع السياسي والمزايدات الانتخابية.
فلا يخفى على أحد التداعيات الخطيرة للصراع السياسي وتأثيره السيء والمباشر على الوضع الأمني، وبهذا الصدد نرى أن محاولات العبادي لتصدر المشهد السياسي والأمني والشعبي، وسحبه للبساط من تحت أقدام "رفاقه" في ائتلاف دولة القانون والتحالف الوطني عموماً، والكتل السنية وبشكل خاص آل النجيفي المنافس الأشد له في نينوى، ويحاول العبادي تسويق نفسه على أنه "رجل المرحلة" و"محرر الأراضي" وهو بذلك يدخل في صراع مباشر وخطير مع آل النجيفي الذين لا يريدون لأحد أن يتقاسم معهم "كعكة نينوى"، وهذا ما يؤدي بطبيعة الحال إلى لجوء كل طرف إلى استخدام أدواته.
من جهة أخرى، يحتدم الصراع بين العبادي و"غريمه" زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي الذي يحاول بشتى الطرق العودة إلى رئاسة الحكومة التي "استولى" عليها العبادي بـ"مراوغة" ناجحة وصل عن طريقها إلى "الكرسي" ليسجل "هدفاً قاتلاً"، حيث أن المالكي هو من رشح العبادي بديلاً عنه ظناً منه أنه سيكون "طوع" أمره، لكن الأخير "لعبها صح" وما إن استقر على كرسي الحكم حتى انقلب على "زعيمه"، وهو ما أثار "جنون مختار العصر".
كذلك لدى العبادي "جبهة مفتوحة" مع التيار الصدري الذي يحاول عبر القاعدة الشعبية تغيير الحكومة ليتصدر هو لقيادتها، فلجأ إلى "خطة التظاهرات الشعبية" التي رفعت شعار "الإصلاح" وهو شعار تصدر برنامج عمل العبادي منذ توليه رئاسة الحكومة، لكن وبعد انقضاء أكثر من نصف عمر حكومة العبادي لم يتحقق أي إصلاح لغاية الآن، بل الأخطر من ذلك أنه لجأ إلى استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين الذي يتظاهرون منذ أكثر من عام بأمر وتوجيه من زعيم التيار مقتدى الصدر، وهو ما قد يؤدي إلى صدامات دموية في حال "سمح" الصدر بدخول قواته "سرايا السلام" في خط المواجهة.
وعلى الجبهة الثالثة، هناك الصراع بين العبادي وزعيم القائمة الوطنية أياد علاوي الذي أعلن عن تحول كتلته إلى "معارضة برلمانية" وهي الآن "تتصيد" أي خطأ للعبادي وما أكثر أخطائه، وليس آخرها ولا أشدها ما حصل اليوم في ساحة التحرير من قتل وإصابة العديد من المتظاهرين بنيران القوات الأمنية التي تحت أمرته.
ويبدو أن "نشاط" الخلايا النائمة لتنظيم داعش في الساحل الأيسر لمدينة الموصل يرسل إشارات "مخيفة" على أن هذا "النشاط الدموي" قد يتفجر في بغداد وباقي المحافظات نتيجة انشغال العبادي و"رفاقه" بالصراع السياسي وتجاهل الانهيار الأمني الخطير في الموصل والأنبار وديالى وصلاح الدين وبغداد والبصرة.