
شهد العراق بعد العام 2003 عدداً هائلاً من التظاهرات لم يشهد مثله منذ تأسيس الدولة العراقية المعاصرة في عشرينيات القرن الماضي ولغاية سقوط النظام المباد، وتحتكر الحكومتان السابقة والحالية "حصة الأسد" من هذه التظاهرات التي لم تخلو من "عنف" في بعض الأحيان، إلا أن التظاهرة التي انطلقت أمس الأول في بغداد تكاد تكون "الأعنف" والأكثر "دموية".
تظاهرة السبت "الدامية" كشفت عن عمق الخلاف بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ورئيس الوزراء السابق زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي من جهة، والخلاف بين الصدر وباقي مكونات التحالف الشيعي من جهة الأخرى، فبعد أن كان الصراع الانتخابي "الشيعي – الشيعي" محصوراً بين الصدر والمالكي، توسعت "الحلبة" لتشمل قيادات شيعية أخرى.
احتلال تنظيم داعش لعدد من المحافظات والمدن العراقية في العام 2014، وتصدي الفصائل الشيعية المسلحة بمختلف مسمياتها لهذه الهجمة الإرهابية، منحت تلك الفصائل زخماً جماهيرياً ورشحتها كمنافس لا يستهان به في الصراع الانتخابي.
كما أن الانتصارات العسكرية التي حققتها القوات الأمنية خلال العامين الماضيين وتحرير محافظتي صلاح الدين والأنبار وعدد من المدن والأراضي في ديالى ونينوى، تعد نقاط قوة تضاف إلى رصيد رئيس الوزراء حيدر العبادي كونه القائد العام للقوات المسلحة.
كذلك "بزوغ" نجم زعيم المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم، والذي اختير مؤخراً رئيساً للتحالف الوطني، الكتلة الشيعية والبرلمانية الأكبر، فضلاً عن تبنيه لمشروع "التسوية السياسية" الذي نال اهتمام الأوساط المحلية والإقليمية والدولية، حتى أن الأمم المتحدة تبنت المشروع.
كل هذه المعطيات أسهمت في تفكيك معادلة "الصدر – المالكي" وأضافت إليها أطرافاً أخرى لتشكل معادلة أوسع قد تقلب طاولة التوقعات الانتخابية، وتدفع بتحالفات ما بعد الانتخابات إلى مساحة يصعب التكهن بها، وبالتالي فإن انتخابات مجالس المحافظات في أيلول المقبل، أو الانتخابات البرلمانية في نيسان 2018، قد ترسم خريطة جديدة لجغرافيا المقاعد البرلمانية.
يوم أمس الأحد، وعلى خلفية "التظاهرة الدامية"، عقدت لجنة برلمانية اجتماعاً لتسريع عملية اختيار مفوضية جديدة للانتخابات، غير أن الصراع على خريطة هذه المفوضية سيكون حاسماً في تحديد اتجاه الانتخابات المقبلة، فيما كشفت مصادر سياسية أن الصدر يسعى إلى عقد تحالف انتخابي واسع يشمل ائتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي، والتيار المدني، بالإضافة إلى قوى شيعية مختلفة، بهدف تحقيق تغيير شامل في الانتخابات وتغيير الخريطة الشيعية، ويُنهي سيطرة ائتلاف المالكي على البرلمان والحكومة.
ووفق هذه المصادر، فإن الصدر يحاول استقطاب بعض قيادات حزب الدعوة، بمن فيهم رئيس الوزراء حيدر العبادي، إلى مثل هذا التحالف، وفي المقابل، يكثف المالكي تحركاته لتشكيل ائتلاف برلماني يسعى إلى نيل غالبية برلمانية مطلقة تؤهله لتشكيل غالبية سياسية تفضي إلى استمرار هيمنة كتلته على البرلمان والحكومة.
ووفق الخريطة الأولية للقوى السياسية العراقية، فإن الانتخابات المقبلة قد تشهد للمرة الأولى ائتلافات شيعية متحالفة مع قوى سنية أو كردية تتشكل قبل الانتخابات، إذ يميل رئيس البرلمان سليم الجبوري وعدد من قيادات العشائر السنية، وبعض قيادات حركة التغيير الكردية، إلى جبهة المالكي، فيما يميل نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي وعدد من قيادات اتحاد القوى، إلى جانب جبهة الصدر– العبادي، في حال تحقق فعلياً قيام هذه الجبهة، التي قد تحظى أيضاً بتأييد رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني.
ولم تتحدد وجهة عدد من القوى الشيعية الأخرى، مثل ائتلاف المواطن بزعامة عمار الحكيم، وعدد من تشكيلات الحشد الشعبي التي من المتوقع أن تنقسم بين هاتين الجبهتين.
وفي بيان أصدره حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي، اتهم الحزب مقتدى الصدر، من دون أن يذكر اسمه صراحة، بـ"إشغال الشعب العراقي بفتنة لإعاقة الجهود للتخلص من داعش".
لكن عضو اللجنة القانونية النيابية فائق الشيخ علي، اتهم المالكي بأنه "المستفيد الأول" من بقاء مفوضية الانتخابات على هيئتها الحالية، مهدداً بأن "مجلس مفوضية الانتخابات سيتغير في كل الظروف، إن كان بالدماء أو بالتظاهرات السلمية".
وطلب الصدر من أتباعه في بيان أمس الأحد، ضبط النفس وعدم الانفعال بعد يوم السبت الدموي، كما دعا "بعض السياسيين الذين يدّعون الديموقراطية إلى الكف عن تصريحاتهم الاستفزازية الوقحة"، وتابع مخاطباً أتباعه "آمركم بالتزام الهدوء حتى صدور أوامر منا وأطلب من السياسيين الذين يدّعون الديموقراطية ومناصرة الشعوب الكف عن تصريحاتهم الاستفزازية الوقحة حتى إكمال التحقيق وإثبات الطرف الخاطئ".
وزاد "برأيي أن بالأمس (يوم السبت) انتصر الدم على السيف، وانتصر المظلوم على الظالم، فاتركوا المهاترات والتصعيد واركنوا إلى الطاعة".