
مضى أسبوع لغاية الآن على اختطاف 17 سائق شاحنة في صحراء محافظة الأنبار ولم يتم الكشف عن مصيرهم، أو حتى العثور على جثثهم في حال كانوا قد قتلوا، هذه الحادثة أعادت الحديث مجدداً، بل الخلاف بين محافظتي الأنبار وكربلاء على ضرورة تأمين منطقة محددة باتت أشبه بـ"مثلث موت" جديد، تكمن فيها جماعة أو "جماعات" أو ربما عصابة، ما زالت حتى الآن مجهولة الهوية والانتماء لاصطياد الضحايا.
في يوم الأربعاء الماضي 15 شباط الجاري، اجتاز سائقو الشاحنات الـ17، طريقا محفوفا بالمخاطر جنوب الرمادي لا يسلكه الجيش والمسؤولون المحليون خيشة تعرضهم للاختطاف أو التسليب أو الهجمات المسلحة أو الانتحارية، وحين وصل الضحايا الـ17 إلى منطقة "الروضة"، اختفوا ولم يعد أحد يعرف مصيرهم، ولم تعلن لغاية الآن أية جهة مسؤوليتها عن العملية.
المنطقة اللغز
هذه المنطقة التي من الأصح تسميتها "الجحيم" وليس "الروضة" خارجة عن سيطرة الأجهزة الأمنية، حتى أن مواكب المسؤولين المدججة بالسلاح تفضل الالتفاف لمئات الكيلومترات لتتجنب الاقتراب منها، ويرفض المسؤولون، بحسب أعضاء في مجلس محافظة الأنبار، الاعتراف بأن المنطقة "ساقطة عسكرياً".
وتبعد منطقة "الروضة" 25كم عن ناحية الرحالية وتقع في منتصف الطريق الواصلة بين الناحية ومدينة الرمادي، والمنطقة خارجة منذ سنوات عن سيطرة الأجهزة الأمنية،، ولا يوجد فيها سوى منزلين أو ثلاثة، بحسب مسؤولين محليين، وتمثل مساحة للتبادل التجاري وسوقا لعرض الماشية المعدة للتهريب من العراق إلى دول الجوار عبر مسالك صحراوية.
وتؤكد السلطات في كربلاء أن الرحّالية تحولت إلى نافذة لتنظيم داعش لتنفيذ هجماته داخل المحافظة، وآخرها إعدام مجموعة من حرس الحدود، بحسب أحدث إصدار نشره التنظيم.
وكان 8 مدنيين قد قتلوا، أواخر العام الماضي، وأصيب 5 آخرون، في هجوم انتحاري شهده مركز قضاء عين تمر، 40 كم غرب مدينة كربلاء، المتاخم لناحية الرحالية.
وتمكن ستة انتحاريين، وقتها، من دخول المدينة التي تتوسط كربلاء والأنبار، بالتزامن مع زيارة أربعينية الإمام الحسين، وعلى إثر ذلك توجهت فصائل من الحشد الشعبي، أبرزها حركة النجباء، لتأمين قضاء عين تمر، وحذرت الحركة من "وجود خلايا نائمة في مناطق الفرات الأوسط وأحزمة بغداد".
وقبل ذلك بأشهر، حذرت حركة عصائب أهل الحق، على لسان المتحدث باسمها نعيم العبودي، من وجود تنظيم داعش في الرحالية.
وتعرضت مدينة عين تمر، في آب الماضي، إلى ثاني هجوم انتحاري، نفذه خمسة مسلحين، استهدفوا حفل زفاف، وأسفر عن مقتل وإصابة نحو 30 مدنياً.
في المقابل هناك من يقول إن "الروضة" وناحية الرحالية عموماً إحدى المناطق التي ما زال تنظيم القاعدة يتخذ منها ملاذاً آمناً و"حاضنة" بعيدة عن الأعين ولا تثير "شهية" تنظيم داعش لاحتلالها، خاصة بعد أن تراجع دور وحضور وقوة "القاعدة" أمام ابنها "الشرعي" داعش.
فيما يذهب آخرون إلى أن المنطقة تعد وكراً مهماً لقطاع الطرق وبعض عصابات التسليب والسرقة والتهريب، كونها منطقة نائية وليس هناك مقار عسكرية أو أمنية قريبة منها، كما أنها محطة مهمة على طريق القوافل والنقل البري.
مساعدات أم تهريب؟
مدير ناحية الرحالية مؤيد فرحان، أكد في تصريحات صحفية أنه "تم الإبلاغ عن خطف 17 سائق شاحنة كانت محملة بمساعدات للنازحين بالقرب من المدينة"، مضيفاً أن "الخاطفين تركوا الشاحنات المحملة بمساعدات للنازحين، بعد أن اقتادوا السواق إلى جهة مجهولة، والشاحنات في حوزة القوات الأمنية حالياً".
لكن رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة الأنبار راجع العيساوي، يقول إن "المختطفين يعملون في تهريب الأغنام، ولم يكونوا يحملون مساعدات إنسانية".
ويؤكد "الجميع في الأنبار استغرب مرور سائقي الشاحنات في منطقة الروضة، فالكل يعرف أنها ساقطة عسكرياً، لكن المسؤولين الأمنيين يرفضون الاعتراف بذلك".
الروضة منطقة حرام؟
ويضيف العيساوي أن "السائقين قبل اختطافهم بوقت قصير كانوا داخل منزل أحد مهربي الأغنام في المنطقة، وهو في الأصل حارس لأحد أبراج الاتصالات"، مؤكدا أن "صاحب المنزل تم اختطافه أيضاً، ومن بين الـ17 هناك 4 من ذوي مهرب الأغنام".
بالمقابل استطاع شخص خامس من عائلة المهرّب الإفلات من قبضة الخاطفين، ليصل إلى إحدى مستشفيات كربلاء وهو مصاب بطلق ناري.
ويؤكد العيساوي أن "المختطفين هم من سكنة مدينة الشعلة شمال غربي بغداد، أما الخاطفون فكانوا يستقلون سيارتين نوع نيسان بيك آب، ويرتدون الزي العسكري"، متهماً تنظيم داعش بالوقوف وراء عملية الاختطاف.
وينبه إلى أن "كل سكان الأنبار يتجنبون المرور بمنطقة الروضة، إذ لا يسلك أي أحد هنا هذا الطريق حتى المسؤولين والجيش".
ويشير العيساوي إلى أن "محافظ الأنبار صهيب الراوي زار قبل أيام الرحالية، لكنه ذهب إلى بغداد ومن ثم إلى كربلاء للوصول إلى الناحية عن طريق عين تمر"، متسائلاً "لماذا يضطر المحافظ الالتفاف لمئات الكيلومترات للوصول إلى الرحالية؟".
آخر إصدارات داعش
في غضون ذلك بثّ تنظيم داعش تسجيلا مصورا، يظهر تنفيذ الإعدام بشخصين، أحدهما برتبة ملازم أول من قوات حرس الحدود، بعد أن أسرهما في المنطقة الصحراوية الواقعة بين الأنبار وكربلاء.
وأظهر الإصدار المرئي الذي حمل عنوان (حز الغلاصم وضرب الرقاب) ثلاثة أشخاص من قوات حرس الحدود، اثنان منهما تم وصفهما بـ "المرتدّين الرافضة"، فيما ورد اسم الضابط الملازم أول دون الإشارة لكلمة "الرافضة"، وهي التسمية التي يطلقها التنظيم على الشيعة.
وتم نحر الضابط الذي يدعى عباس حسين الدراجي بطريقة بشعة، وقال التنظيم إنه تم القبض على الدراجي في كمين قرب مدينة كربلاء، وتم إعدام الآخر رميا بالرصاص داخل حفرة، ولم يوضح التسجيل المرئي مصير الأسير الثالث.
لكن مدونون شككوا باسم الضابط الذي ورد في إصدار التنظيم، مؤكدين أن اسمه الحقيقي أبو بكر السامرائي، وهو أحد سكنة حي العامرية غربي بغداد.