بقلم: ناحوم برنياع
في صباح بارد اتصل روني ديرمر، سفير اسرائيل في واشنطن، مع غارد كوشنر، زوج إبنة الرئيس الامريكي والمسؤول عن العلاقة بين حكومة اسرائيل والبيت الابيض. مرحبا، يا غارد، قال له، كيف مر يوم السبت على الرئيس؟ فأجابه: بعون الله. وضحكا. السفير قال إن لدي طلب صغير وهو أن رئيس الحكومة يرغب في التحدث مع الرئيس في موضوع ها. لا مشكلة، أجاب غارد، أنا سأقوم بتنسيق الأمر على الفور. فقال السفير نحن نريد أن تجري المكالمة في توقيت محدد.
تحدث السفير عن الموعد. وبالضبط في الموعد رن الهاتف في القدس، ورئيس الحكومة الذي كان في ذروة التحقيق معه في الشرطة، قال للشرطة، اسمحوا لي، رئيس الولايات المتحدة يبحث عني وأنا ملزم بالتوقف. المحققون انفعلوا: هم لا يشاهدون كل يوم حدثا تاريخيا، وخطر ببالهم: لماذا نقوم بازعاج وملاحقة هذا الشخص بأسئلة حول السيجار في الوقت الذي يربت فيه مصير العالم على كتفيه. وبعد انتهاء المكالمة أصدر رئيس الحكومة اعلانا: الرئيس ترامب اتصل معي اليوم، وتحدثنا عن الصراع ضد ايران. والاسرائيليون يدركون للمرة الألف أنه لا بديل لرئيس حكومتهم. وليس مهما أنه بالتوازي تقوم سفينة حربية ايرانية بمحاصرة سفينة حربية امريكية في البحر الاحمر. وفجأة، ترامب مثل الادارات السابقة، لم يطلق رصاصة واحدة. ليس مهما أن الكلام شيء والافعال شيء آخر – لا توجد لادارة ترامب حتى الآن خطة لفتح أو الغاء الاتفاق النووي مع ايران. وقد مر 50 يوم منذ بداية ولاية ترامب وما زالت السياسة الخارجية غير موجودة.
ليس لدي أي فكرة اذا كان هذا الحديث بين السفير وزوج إبنة ترامب قد جرى (مكتب رئيس الحكومة نفى وجود التنسيق). وأنا أعرف فقط أنه عندما سألت اشخاص في الادارة السابقة في واشنطن عن موعد المكالمة كان الجواب الضحك المتواصل. “ترامب رد له الجميل. هذا غير مرتبط بايران مطلقا”.
سأعود الى ترامب ونتنياهو فيما بعد. الشخصية المثيرة للفضول في هذه القصة هو غارد كوشنر، زوج إبنة الرئيس. كوشنر (36 سنة) هو الاسم الاكثر سخونة في الشائعات التي تغذي المدينة. مكانته غير واضحة، هل هو اليد اليمنى للملك، والشخص الذي سيقرر مصير الامور، وهل هو بسنه الصغيرة سيكون البالغ المسؤول، وهل هو المسؤول عن الاعمار الرئاسي، الشخص الذي دوره هو الاصلاح، أو أنه مخصي ضمن المخصيين في محيط الملك، هل هو الشخص الذي يقولون له إذهب وأحضر كذا، فيذهب ويحضر. يمكن أن يكون كل هذه الاشياء معا. وقد قال لي شخص التقى مع الاثنين: “ترامب يثق بغارد. وفي نهاية المطاف هو الوحيد الذي يستمر في الالتقاء معه، حتى بعد انهاء ترامب لولايته كرئيس″.
نهاية العالم
واشنطن ليست مدينة بالمعنى المعروف للكلمة. فقد ولدت باخصاب اصطناعي في لقاء بين الشعور السياسي والاعتبارات العقارية. إنها قائمة ككيان منفصل ومعظم الامريكيون يكرهونها. في ديترويت يقومون بانتاج السيارات وفي واشنطن ينتجون القوة: مدينة مع صناعة واحدة. في السنوات الاخيرة، سنوات بوش واوباما، تمت ترجمة القوة الى المال أكثر فأكثر، والمال ترجم الى الفساد. والسياسة تحولت من هدف في الحياة الى ممر قصير يؤدي الى المهنة الحقيقية وهي السعي. فالاشخاص يصلون من أرجاء البلاد وهم مسلحون بمواقف ونوايا حسنة. وخلال ولاية أو ولايتين يقوم اللوبيون بافسادهم ويتحولون الى لوبيين ويقومون بافساد آخرين. في العام 2013 نشر الصحافي مارك لايفوفيتش كتاب بعنوان “المدينة”. وصف فيه واشنطن كنادي مغلق فوق الاحزاب، مليء بـ “الأنا” والمصالح والنزاهة السياسية، ويعيش من حفلة الى حفلة ومن حدث الى حدث. بيل وهيلاري كلينتون كانا في وسط هذه الحفلة، التي بدا أنها لن تنتهي أبدا، الى أن جاء ترامب.
ترامب وستيف بانون. وبانون الذي وقف على رأس موقع الاخبار لليمين في رايتبرت هو مهندس ترامب في الانتخابات. وهو مليونير بقوته الذاتية ومثقف وذكي وصاحب قوة. ولديه مواقف مبلورة قريبة من الفاشية ومزاج متقلب. وقد وصل الى البيت الابيض من اجل هدف معلن وهو تحطيم المؤسسة السياسية الامريكية. لا الاصلاح ولا التغيير، بل التحطيم. ويكثرون من مقارنته مع لينين، أبو الثورة البلشفية، الذي قال إنه كلما ازداد الوضع سوءً كلما كان هذا افضل. وهو يفكر بمفاهيم مشابهة، وبنفس القدر يمكن مقارنته مع راسبوتين، المخادع الذي سيطر على بلاط القيصر نيكولاي.
لقد وجدت في هذا الاسبوع في واشنطن رعبا كبيرا. تذكرت الجملة التي قالها تيدي كوليك، رئيس بلدية القدس السابق، بعد الانقلاب السياسي الذي جعل مناحيم بيغن يتولى الحكم: “لقد انتقلنا من حكومة معادية الى حكومة اجنبية”. وترامب مثل بيغن، هو شخص شعبوي قومي متطرف، لكن هنا ينتهي التشابه. فبيغن قدس القانون والمحكمة والتقليد البرلماني وقواعد اللعب. أما ترامب فهو يوافق في الوقت الحالي قرارات المحكمة، وما دون ذلك يقوم بتحقيره.
“امريكا هي دولة مبنية على مؤسسات راسخة في الدستور”، قال مارتن اينديك، مبعوث الادارة الامريكية السابق لشؤون الشرق الاوسط، والآن هو نائب رئيس معهد بحوث بروكينغز. “ستيف بانون يؤمن بضرورة هدم هذه المؤسسات كليا، وهو يدفع ترامب في هذا الاتجاه”.
هل لديه فرصة للنجاح؟ هذا السؤال الذي طرحته على توماس فريدمان، صاحب القلم المؤثر جدا في “نيويورك تايمز″. فريدمان متفائل جدا. فتصرفات ترامب حولته الى هستيري. وفي نهاية الاسبوع الماضي قال في مقابلة تلفزيونية إنه اذا واصل ترامب هكذا فسيأخذون منه السيطرة على الرقم السري النووي.
“أنا لست على ثقة بأن المؤسسات ستصمد”، قال لي، “طريقة سلوك الجمهوريين تبقي السؤال مفتوحا. عندما يتهم رئيسه السابق بجريمة مثل ووتر غيت ولا يقوم بتقديم أي دليل، ويقول قادة الجمهوريون إن له سبب لقول ذلك، فان هذه نهاية العالم. فكر بالمفارقة: هناك تدخل روسي في الانتخابات الامريكية، ومن الذي يرفض التحقيق في ذلك؟ اليمين الجمهوري. باستثناء قلة، فان حزبهم أصبح فاسدا كليا. واذا استمرت هذه العملية فقد نصل الى نقطة اللاعودة”.
لا يعاودون الاتصال
كان بيتر بايكر، مراسل البيت الابيض لصحيفتين هما الافضل في الولايات المتحدة وهما “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز″ مدة عشرين سنة. في العام الماضي تم تعيين لمكتب صحيفة “التايمز″ في اسرائيل. وعندما انتخب ترامب قال له محرروه إن عليه العودة الى البيت الابيض. إن انتخاب ترامب غير الوضع كليا. تم تعزيز طاقم الصحيفة في البيت الابيض من اربعة صحافيين الى ستة صحافيين. وهم يكتبون يوميا آلاف الكلمات للنشرة المطبوعة والرقمية. ومنذ اشهر لا يوجد في وسائل الاعلام الامريكية أي قصة اخرى: فقط ترامب.
سألت بايكر الى أي حد يستطيع كاتب مثله الوصول الى البيت الابيض لترامب. “لا مجال للوصول”، “لقد قمت بتغطية جمهوريين وديمقراطيين في البيت الابيض، ولم يكن أمر كهذا”. وقلت إن الصحيفة مليئة بالمعلومات. ويبدو لي أن ما تخسرونه في عدم الوصول فأنتم تكسبونه في التسريبات، مثلنا بالضبط.
“التسريبات”، قال، “هي تمرد واشنطن على الادارة الجديدة. كل مرشح للرئاسة يقول إنه في الخارج، وأنه ضد واشنطن، صحيح أن الرؤساء يأتون من الخارج – من اركانسو وتكساس وشيكاغو، لكنهم يأتون من الخارج كي يكونوا في الداخل. ترامب يتصرف بطريقة مختلفة. فهو يقوم بانقلاب”.
قلت، لكن في هذه المدينة الرئيس هو ضيف فقط. وأمامه المقيمين الدائمين، مثلث وسائل الاعلام وموظفو الدولة وعاملي الكونغرس.
“هذا صحيح”، قال بايكر، “في العادة تحارب مراكز القوة هذه بعضها البعض، وأمام ترامب تكون موحدة، وهذا تمرد”.
قلت له إن زميلك فريدمان يختلف معك.
“لحظة”، قال، “ترامب في المنصب منذ ستة اسابيع فقط. وبعد ستة اشهر سيكون الكونغرس مختلفا. والآن ايضا عندما اتهم ترامب اوباما بالمخالفات الجنائية لم يجلس أي عضو كونغرس من اجله مكتوف الايدي. قانون الصحة الحكومي الذي يقترحه ترامب واجه اعتراضات شديدة. وهذه البداية فقط”.
