"حق تقرير المصير" لا يكفي

سميح صعب

بقدر ما تترقب دول الخليج العربية ما سيحمله إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مواقف خلال زيارته للرياض في وقت لاحق من هذا الأسبوع، لا سيما في مجال تأكيد واشنطن مجدداً الوقوف إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة إيران، يترقب الفلسطينيون ما سيقوله الرئيس الأميركي الجديد خلال زيارته لاسرائيل وربما للأراضي الفلسطينية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.   وعلى رغم أن ترامب استقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في البيت الأبيض في وقت سابق من الشهر الجاري، فإن أي موقف واضح لم يصدر عن الإدارة الأميركية الجديدة حيال الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أو لرؤيتها حول كيفية إيجاد تسوية لأقدم صراع في المنطقة. 

وكل ما بدر عن ترامب حتى الآن هو الإعلان عن عدم تمسكه بحل الدولتين الذي استند إليه أسلافه، أساساً لأي تسوية محتملة. لكنه لم يقل كيف يمكن التوصل إلى ما يسميه ب”الصفقة

 التاريخية”. 

في حين أن كلام مستشاره للأمن القومي إتش. آر. ماكماستر قبل أيام عن أن ترامب سيؤكد في اسرائيل على حق الدولة العبرية في حماية أمنها وعلى حق الفلسطينيين “في تقرير المصير”، يشكل تراجعاً لا لبس فيه عن السياسة الأميركية التي كانت قائمة منذ بدء عملية السلام في مدريد عام 1991 وقبول الولايات المتحدة الصريح في عهود بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما، بقيام دولة

 فلسطينية.   

وصحيح أن أياً من الرؤساء الأميركيين السابقين لم يتمكن من إجبار إسرائيل على القبول بقيام دولة فلسطينية على رغم اقتناعهم بأن ذلك يشكل المدخل الوحيد للتسوية. واصطدم الزعماء الاميركيون بالمسؤولين الإسرائيليين الذين على عكسهم لم يكن أحد منهم مقتنعاً بقيام مثل هذه الدولة، سواء ممن ينتمون إلى ما يطلق عليه معسكر الحمائم أو معسكر الصقور. ومع أن أن نتنياهو وافق تحت ضغط أوباما على التلفظ بعبارة “حل الدولتين” في خطاب ألقاه في جامعة بار-إيلان، إلا أنه (نتنياهو) وضع ما يكفي من العراقيل أمام جهود بذلتها الإدارة الأميركية السابقة كي تدفع في اتجاه التوصل إلى تسوية للصراع. وتمكن رئيس الوزراء الإسرائيلي من تأليب الكونغرس الأميركي ضد أوباما الذي وجد نفسه مضطراً في نهاية المطاف إلى التراجع عن تعهد أطلقه في مطلع ولايته عام 2009، بإيجاد حل للقضية الفلسطينية، لأنه كان مقتنعاً بأن هذا الحل من شأنه أن يساعد في مكافحة الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط وبقية أنحاء

 العالم.     

وبمجيء ترامب تنفس نتنياهو الصعداء. فالرئيس الاميركي الجديد قطع عهداً بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وحرر الحكومة الإسرائيلية من “حل الدولتين” وعين صهره جاريد كوشنير المعروف بتأييده للإستيطان، مشرفاً على الملف الفلسطيني-الإسرائيلي، فضلاً عن أنه يشاطر نتنياهو رأيه في أن “الخطر الإيراني” له الأولوية اليوم في المنطقة وانه يجب تسخير الجهود في هذا الإتجاه قبل البحث في أسس التسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل. 

ثم أن اسرائيل ترى أن العداء المستحكم اليوم بين دول عربية وإيران، يشكل لها فرصة تاريخية كي تتجاوز القضية الفلسطينية وتقدم نفسها شريكاً للدول العربية المعادية

 لإيران.    

وهكذا بات من وجهة النظر الإسرائيلية أن عدم التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، لم يعد يشكل حائلاً يمنع احتمال قيام تقارب بين إسرائيل ودول عربية. وهنا من حق الفلسطينيين أن يقلقوا إذا ما كان ترامب سيدخل في مقايضة مع بعض الدول العربية، على أساس أن واشنطن مستعدة للوقوف إلى جانبهم في مواجهة ما يرونه من خطر إيراني عليهم في المنطقة، لكن في المقابل عليهم أن يضغطوا على الفلسطينيين كي يقبلوا بحل لا يضمن لهم إقامة دولة مستقلة على حدود

 عام 1967.    

ولا بد من التوقف كثيراً عند عبارة “حق تقرير المصير” التي قالها مستشار الأمن القومي الأميركي. فهذا الموقف يشكل رجوعاً بالسياسة الأميركية إلى أيام إدارة رونالد ريغان في الثمانينات عندما أعلنت تلك الإدارة وقتذاك إنها تعترف بحق تقرير المصير للفلسطينيين، لكن بعد مؤتمر مدريد عام 1991 الذي انعقد بدعوة من الرئيس الأميركي عامذاك جورج بوش الأب، وبعد إتفاق أوسلو عام 1993 في عهد إدارة بيل كلينتون، أقرت واشنطن بحق الفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة، وصولاً إلى تبني مجلس الأمن لـ”حل

 الدولتين”.      

وأي موقف أميركي جديد خلال زيارة ترامب، لا يتضمن وعداً صريحاً بتأييد قيام دولة فلسطينية مستقلة، من شأنه أن يزيد من حالة الإحباط واليأس لدى الفلسطينيين، وهي حالة ستؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى الإنفجار.