المسألة الكوردية ليست فقط مسألة سياسية كاشفة لطبيعة الدولة العراقية الحالية، بل هي كاشفة وربما فاضحة للعقل العربي، وطريقة تفكير لا بدَّ أن يتوقف أي عاقل عند ضحالتها وسذاجة تفكيرها. في هذا المقال لن أبدأ بالأسئلة الجيوبوليتيكية المعقدة، بل أبدأ بمواجهة العقل العربي المعاصر بعلله وأمراضه المستعصية التي فضحتها المسألة الكوردية.

بداية، كيف تتشكل الرؤى العربية اليوم؟ هل هي نابعة من تفكير عميق وفهم لحدود مصالحنا ومصالح الآخر، أم هي مجرد ردات فعل لمواقف الآخرين؟ اليوم هناك موقفان: الأول إيراني ضد استقلال الكورد، والثاني إسرائيلي مع استقلال الكورد. بطبيعة تنشئة العرب السياسية، فإننا ضد كل ما توافق عليه أو تريده إسرائيل على طول الخط ، ومن هنا إذا كانت إسرائيل مع استقلال الكورد فيجب علينا ألا نفكر كثيراً. نحن ضد كل ما تكون إسرائيل معه، ومع كل ما تكون إسرائيل ضده.

إذن كل القوميين العرب اليوم ضد استقلال كوردستان، ليس لأي سبب مقنع سوى أن إسرائيل مع هذا الاستقلال.

اليوم دخلت إيران وحلفاؤها على الخط، «حزب الله»، وسوريا (الممانعة)، ضد استقلال الكورد، ومن هنا تكون كل الدول الأخرى والشعوب الأخرى التي ترى أن إيران هي المشكلة، لن تكون مع إيران و«حزب الله» في نفس الخندق. فإذا كانت إيران ضد الكورد فلا بدّ أن نكون معهم. ولكن انتبه: إسرائيل مع الكورد، وبهذا تكون أنت واقفاً جنباً إلى جنب مع إسرائيل، فهل هذا ما تريد؟ طبعاً لا. إذن العقل العربي المعاصر لا يريد أن يقف في جانب إيران ضد الكورد، أو مع إسرائيل الداعم موقفها مع الكورد. وهنا يقف العقل العربي حائراً! فيمشى العربي اليوم كما النائم؛ لأنه تعوّد أن يكون ضد كل ما إسرائيل معه، ومع كل ما تكون إيران ضده. عقل في ورطة.

ومن هنا تكون فضيحة العقل العربي الخامل: كان متعوداً أن يكون ضد كل ما إسرائيل معه، وبعدها تعود أن يكون مع كل ما تقف ضده إيران. في المسألة الكوردية إسرائيل وإيران مختلفتان: واحدة مع استقلال الكورد والثانية ضده. إذن، أين يقف العقل العربي الآن في هذه الورطة؟

ومن هنا أقول: إن المسألة الكوردية إما ترغم العقل العربي على التفكير المستقل بغض النظر عما تريده إيران أو إسرائيل، أو ينكشف على حقيقته المعطلة.

أعتقد أن هذا كاف، فكما يقولون: «الضرب في الميت حرام». ونعود إلى الحديث عن المشكلة الكوردية بعقل مستقل ومجرد.

بداية، الدعاوى المضادة لاستقلال الكورد تنحصر في تصورات جيوبوليتيكية، هي مجرد تخمين في معظمها لا استنتاج : أول دعاوى التخمين هذه أن التشظي والانفصال وانشطار الدول هو خطر جيوبوليتيكي يهز المنطقة كما الزلزال. وكما كان لغزو العراق عام 2003 تبعات إقليمية آخرها الربيع العربي ، فإن انفصال الكورد قد يؤدي إلى حروب إقليمية تبعاتها قد تبقى معنا لعشرات السنين . كل هذا مفهوم وواضح لمن درس «كورس 101» في السياسة، ولكن تبقى هناك أسئلة تخصّ فكرة الدولة التي نريد الكورد أن يكونوا جزءاً منها، هل هي دولة فيدرالية مبنية على المواطنة المتساوية، أم هي دولة للأغلبية ومهضوم فيها كل حقوق الأقليات من حيث التمثيل والمشاركة؟

العراق اليوم يحتاج أولاً إلى إعادة تعريف هويته الوطنية، بطريقة تشمل الكورد كقومية وكمواطنين، فما العراق اليوم؟ ما هويته الوطنية؟ هل هو دولة الأغلبية الشيعية التي تهيمن عليها إيران؟ أم فيدرالية تشمل الشيعة والسنة والكورد والإيزيديين والآشوريين والأقليات الأخرى الدينية والعرقية ؟ قد يكون مؤلماً للعراقيين اليوم أن يقال لهم إن الهوية الكوردية أقوى بكثير من الهوية الوطنية العراقية، وإن كوردستان تصنع دولة أفضل من العراق ذاته.

معظم الحديث يدور اليوم ويركز على أن الكورد يريدون نفط كركوك، أو يريدون تحسين موقفهم التفاوضي مع الحكومة المركزية ، دونما أي اعتبار للمسألة الكوردية وتبعاتها. الحديث يدور أيضاً حول أن دولة الكورد ليس لديها حدود بحرية ، أي دولة مغلقة غير قابلة للعيش (landlocked) مع أن هناك ستاً وأربعين دولة اليوم في النظام الحالي حدودها مغلقة، مثل بوليفيا في أميركا اللاتينية، وبوتان في آسيا، والتشيك والنمسا في أوروبا، والبقية في أفريقيا.

الحديث أيضاً يدور حول أن كلاً من حكومة العراق وإيران وسوريا وتركيا، ستتحالف لسحق الكورد إذا قاموا بخطوة الاستقلال. السحق في ثقافتنا لا نتوقف عنده . مأساة الكورد لن تكون أقل من مأساة اليهود في ظل هتلر، إذا حدث مثل هذا العدوان، ومع ذلك يقف العقل العربي مع المعتدي.

هناك من يترحم اليوم على صدام حسين الذي حافظ على وحدة العراق؛ لأنه لم يسمح لشيعة العراق أن «يتنفسوا» وكأن اضطهاد شيعة العراق أمر محمود. الاضطهاد واحد، سواء كان اضطهاد صدام ضد الشيعة أو اضطهاد الأغلبية الشيعية الآن للكورد كقومية وللسنة كمذهب.

بالطبع الكورد ليسوا ملائكة، وكان من الممكن أن يتحالفوا مع سنة العراق لخلق توازن في الدولة الفيدرالية، ولكنهم آثروا مصالحهم الضيقة.

كوردستان الآن دولة (de facto) أي على أرض الواقع؛ رغم أنها ليست دولة بالقانون . الآن أمام العراق والعرب خياران لا ثالث لهما: إما القبول بدولة كوردية، أو إعادة النظر في فيدرالية العراق الجائرة على كل الأقليات، وليس على الكورد وحدهم.

العراق اليوم أمام لحظة الحقيقة، وأحسن الكورد صنعاً باستفتائهم الذي أوصلنا إلى لحظة الحقيقة.