
المركز الخبري الوطني NNC - قراءة في الأنحياز العلمي والقومي والفكري العاطفي والمناطقي عند محمد عابد الجابري [ الشيخ الرئيس ابن سينا وابن رشد نموذجان للتقييم ] بقلم / الشيخ عبد الهادي الدراجي مؤخرا أطلعت على كتابين مهمين من حيث البحث الفلسفي ومدى تعلق الفلسفة بواقعنا المعاش ، وكيفية التعاطي مع ذلك الكم الكبير الذي أنتجه فلاسفة الأسلام وذلك لتأسيس وبناء عقل فلسفي قادر على التعاطي مع مسائل متعلقة في بنية المجتمع الأنساني وكيفية تطويره بهذا الأتجاه ، نعم أستوقفتني مطالعة كتابين لمحمد عابد الجابري المفكر المغربي المعروف هما [ نحن والتراث قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي ] وكتاب [ ابن رشد سيرة وفكر ] وهما كتابان مهمان يعالجان كثير من القضايا الفكرية والفلسفية والتي تُقرأ من خلال الموروث الفلسفي والذي تمت صياغته على يد عباقرة الأسلام من الفلاسفة وبخاصة ما يتعلق بفيلسوف الشرق المشائي الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا وكذا فيلسوف قرطبة والمغرب العربي ابن رشد ، وقد شكلا هذين الفيلسوفين منهجاً فلسفياً معمقاً ، قد بلغ صداه الى غير العالم العربي وألأسلامي وذلك لغزارة المادة العلمية والفلسفية والتي أنتهجها كلا الفيلسوفان الكبيران في دائرتنا العربية والأسلامية بأعتبار أطلاعهما الواسع على فلاسفة اليونان وغيرهم بحيث كانت أبحاثهما محط أنظار المفكرين من ذوي الأختصاص في الشرق والغرب ، تكفينا نظرة لغزارة المؤلفات التي صدرت من هذين الفيلسوفين حول أمهات المطالب الفلسفية وكذا الكلامية وأحيانا حتى الفقهية منها كما تشير الى ذلك مؤلفات ابن رشد ، ولست هنا في معرض البحث عن تلكم الموسوعة المعرفية والفلسفية الضخمة لكلا الطرفين ، ولكن الذي لفت أنتباهي في كتابَيْ الجابري مايمكن تسميته بالأنحيازية الفكرية غير العادلة بين فيلسوف قرطبة [ابن رشد] وبين الشيخ الرئيس أبو علي [ابن سينا] ولعمري كانت مقارنته مقارنة غير منصفة وتنم عن أنحياز فكري مغاربي لايفترض أن يصدر من الجابري والذي كان ينبغي عليه أن يكون حياديا في تقديمه وتقييمه لكل واحد منهم ، إن قراءتي لمحمد عابد الجابري في كتابه نحن والتراث وكذا كتابه ابن رشد سيرة وفكر ، تفرض عليَّ أن أحاكم الجابري كمفكر ضالع درَّس الفلسفة ودرسَّها في جامعات المغرب وبخاصة في كلية الآداب بالرباط ، خصوصا بعد أطلاعي على جملة من نصوصه النقدية لطرف على حساب طرف ، والحال أن هذا منه أجحافاً وظلماً لا يغتفر خصوصا عندما يستند الأمر الى عدم الدليل من جهة والأنسياق وراء العاطفة العلمية والمناطقية من جهة أخرى ، لقد ذهب محمد عابد الجابري بعيداً من حيث الأطراء والنقد لشخصيتين فكريتين أعطت نتاجا وكماً هائلاً من المعرفة والمنهج الفلسفي والذي لازال يؤخذ كمنهاج في جامعاتنا وأوساطنا العلمية المختلفة ، نعم لم يكن الجابري منصفاً في نقده للشيخ الرئيس ابو علي بن سينا بل كان متطرفاً في نقده قاسيا بعباراته عليه ، في مقابل كم هائل من الثناء والمدح وأطراء غير منقطع النظير لفيلسوف قرطبة والمغرب العربي ابن رشد ، وهذا ما يمكن تسميته بالأنحياز العاطفي العلمي والمناطقي وينبغي علينا حينئذٍ أن نستعرض ماذكره مفكر المغرب العربي أذا جاز لنا تسميته بذلك بأعتبار الأنحيازية الواضحة في أنتقاده لفلاسفة المشرقيين وخصوصاً ابن سينا ، لقد حاول الجابري أن يحط من قدر الشيخ الرئيس بشتى الطرق والوسائل ليس تحليلاً ونقدا من عنده وأنما جرياً على الموروث الرشدي الذي كان دائم التصادم مع نظريات ابن سينا الفلسفية ، فما يفعله الجابري في نقد الشيخ الرئيس ليس نقدا عصرياً نابعا من تحليل علمي ، وأنما أتباعا لفيلسوف قرطبة النقدي بل على العكس من ذلك أن النقد الرشدي لابن سينا كان نقدا علمياً ومعرفياً في حين نرى محمد عابد الجابري صاحب مشروع نقد العقل العربي على العكس من ذلك تماما حينما يريد ترجيح كفة ابن رشد على ابن سينا فلا نجده الاّ متحاملاً بعصبية قومية مغاربية في حين أنه هو من يتهم ابن سينا على أن فلسفته وحراكه الفلسفي كان حراكاً علمياً قومياً تأطر بأطار الفكر الأسماعيلي ، لنتأمل في نص ماذكره الجابري عن نقده لابن سينا ثم لنقارن نقدنا له بنقده لابن سينا شيخ المشاء والمشرق العربي حيث يقول ما نصه [ ويأتي ابن سينا الذي نشأ في وسط أسماعيلي وتلقى الفلسفة والعلم أول الامر من رسائل أخوان الصفا ليأخذ الماده المعروفة نفسها بعنصرها التخديري الروحاني في وقت أصبحت فيه الانتكاسة واقعاً مسترسلاً ويشيد عليها مشروع فلسفة ((قومية))يحركها الماضي ويصدها ((الحاضر)) و((المستقبل))لقد تحولت الوسيلة الى غاية ، تحول ذلك ((الحلم الجميل )) الذي كان في الاصل مجرد منوم مؤقت ، مجرد وسيلة ، الى حلم أبدي يروي رغبة جامحة في الهروب، يحركها وعي قومي مهزوم، وصراع مع ((الشركاء في الصناعة))، ولحظة ،تاريخية تكرس التراجع في كل المجالات .الفلسفة المشرقية السينوية كانت ،أذن ،امتداداً على صعيد الفكر المجرد لأيديولوجيا ثورية فشلت في تحقيق نفسها فتحولت مع الشيخ الرئيس ،الذي أعاد أنتاجها في وقت حقق فيه العلم والمنطق تقدمآ كبيرآ ،إلى فلسفة قتلت العقل والمنطق في الوعي العربي لقرون طويلة ] كتاب نحن والتراث ص ٢٢٠. وأمام هذا النقد الجابري لابن سينا تترآى لنا عدة نقاط ذكرها في النص أعلاه حيث نلخص أتهام الجابري للشيخ الرئيس بما يلي : ١ـ ان منشأ العلم السينوي نابع من الفكر الأسماعلي وبخاصة جماعة أخوان الصفا وخلان الوفا حيث يعتبرهم مجموعة من الباحثين على أنهم أسماعيلي المعتقد ومن هنا فالتأثر السينوي جاء واضحا على تعاليم الشيخ الرئيس في فلسفته المشرقيه بحسب الجابري محمد عابد. ٢ـ يرى الجابري أن تلكم المادة الفلسفية المأخوذة عن أخوان الصفا مادة فلسفية تخديرية في جانبها الروحاني ويرى أن تلك الفلسفة فلسفة قومية تحركت من الماضي ولكنها جوبهت من الحاضر [ يعني بذلك مجابهة ابن رشد] وكذا المستقبل بمعنى ما يرفضه الجابري هنا لفلسفة الشيخ الرئيس وتحامله عليه لأنه يرفض ذلك الأنحدار العلمي للشيخ الرئيس من تلكم الفلسفة الأخوانية لأخوان الصفا بل يرى أن تلك الفلسفة يحركها وعي قومي مهزوم وصراع مع الشركاء في صناعة الفلسفة ، في أشارة واضحة من الجابري للتمييز بين فلسفة المشرق وبين فلسفة المغرب وتمييز الأخيرة عليها. ٣ـ يرى محمد عابد الجابري أن الفلسفة المشرقية للشيخ الرئيس تنطلق من رؤى أيديولوجية ثورية كانت قد فشلت في تحقيق وأعادة نفسها ، ولكن إعادة أنتاجها جرت علي يده الأمر الذي معه تم قتل العقل والمنطق على يديه في حين أنه كان حياً متيقظاً في ذهن الأمة وهذا التراجع في العلم والمنطق ينسبه الى شيخ المشرق أبو علي بن سينا !!!!!!! لقد بدا واضحا أن الجابري يؤسس في النص أعلاه الى القطيعة الأبستمولوجية مع الفلسفة المشرقية للشيخ الرئيس ناسباً التخلف وعصر الأنحطاط الذي منيت به الأمة العربية والأسلامية الى تلك الفلسفة السينوية ، وهي فلسفة ساهمت في صنع تلك الضروف الأنحطاطية ليس من خلال مؤلفات ابن سينا فحسب بل من خلال تلامذته أيضا ، وكذا الذين أخذوا عنه مرورا بالسهروردي كفيلسوف والغزالي كصوفي فقيه ، الأمر الذي تسبب بظلامية علمية خانقة عندما تم تنحية المنطق والعقل من قبل مدرسة ابن سينا ومن سار علي دربه ، انظر الى النص القادم في ذلك التحامل الجابري على الفلسفة المشرقية للشيخ الرئيس لكي تتضح الفكرة أكثر حيث يقول : [ صحيح أن الظروف الموضوعية ،الاقتصادية والاجتماعية ،السياسية التي عرفها ما نسميه ب((عصر الانحطاط)) هي التي كرست الرؤية السينوية ، ولكن صحيح كذلك أن هذة الرؤية نفسها ساهمت في صنع تلك الظروف الموضوعية ليس ، فقط من خلال مؤلفات أبن سينا ، بل أيضاً من خلال تلامذته الذين أخذوا عنه تلك الرؤية ((السحرية)) وضربوا بالمنطق والعقل عرض الحائط ، هؤلاء الذين يمتدون عبر سلسلتين طويلتين تنطلق إحداهما من السهروردي والاخرى من الغزالي ، ما جعل الظلامية تعم الفكر الشيعي والفكر السني معاً..أما الفكر المعتزلي فلقد ضل أثراً بعد عين ،هنا وهنالك ] كتاب نحن والتراث ص ٢٢٠. وهذه التحاملية من الجابري لم تكتفِ بحسب النص الذي نقلته عنه لم تكتفِ بالشيخ الرئيس وأنما تعدت الى شيخ الأشراق السهروردي مرورا بالغزالي رغم صحة الاعتراضات الفلسفية على منهج الغزالي في تهافت الفلاسفة ولكن ما يهمني هنا هما المدرستان الكبيرتان التي كان لهما الأثر الواضح في المنهج الفلسفي في الوسط الأسلامي وهي مدرسة المشاء متمثلة بالشيخ الرئيس وفلسفة الأشراق ورئيسها السهروردي المقتول ، فهما عند الجابري محمد عابد سبب في الأنحطاط العلمي والمنطقي ولا أعلم الى ماذا أستند الجابري في أتهامه هذا وهو يسرد لنا الأتهامات تلو الأتهامات على تلك المدرسة السينوية ومن على شاكلتها والتي أعطت نتاجا ضخماً من حيث الكم والكيف الفلسفي !!! لم يكتفِ الجابري بهذا فحسب بل أشتد تحامله على الشيخ الرئيس متهما أياه بعدم الوعي والدراية في كل ما كان يكتب ويذيع حول فلسفته وحكمته المشرقيه الأمر الذي أستدعاه للقول بأن الشيخ الرئيس نفسه لم يكن مقتنعاً بصحة وصواب آراءه !!! بل تعدى الأمر من الجابري في الذهاب الى أبعد من ذلك حينما يروي منقولا عن حياة الشيخ الرئيس الخاصة وأنه كان يعيش حياةَ ترفٍ وبذخٍ وشهواتٍ وكأن دنياه عنده هي الجنة الموعودة لا جنة الآخرة ولم يذكر لنا الجابري في كل تلك الأتهامات مصدرا واحدا في كتابه نحن والتراث كي نعول على ماذكر رغم أننا سمعنا ونسمع تلك الاتهامات من مستشرقين كتبوا عن حياة الشيخ الرئيس ولم يذكر لنا الجابري مصدرا بذلك ، فلننظر الى النص الآتي فيما يقوله الجابري عن تلكم الحياة السينوية وعدم قناعة الأخير بكل ماكتب وكل ماذكر في فلسفته المشرقية وكأن عقله ( أي ابن سينا) قد خالطه شيء ما ، فلا يعرف الشيخ الرئيس ما يكتبه ولا يعيه، بناء على مايذكره الجابري هنا في نقده لابن سينا حيث يقول [ أكيد أن ابن سينا لم يكن واعياً بنتائج ما كان يكتب ويذيع في إطار ما سماه ب((الحكمة المشرقية ))، بل إننا نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إنه لم يكن هو نفسه مقتنعاً بصحه وصواب كثير من الاراء والافكار التي تشكل جوهر فلسفته المشرقية تلك ،فلقد كان سلوكه العملي مناقضاً تماما ًلتلك الروحانية المفرطة التي قدمها للناس في رسائله الصغيرة وإشاراته ورمزياته .لقد كان ، بشهادة مرافقه وتلميذه ،وبشهادة كل من رووا سيرتة ،يعيش ((الحياة الدنيا)) بكامل حواسه وإحساساته وشهواته وعقله ، وكأنه كان يرى ((الآخرة)) في الدنيا و ((الجنة)) في المتعة الجسمية والفكرية معاً ]. أن محاكمتنا لعابد الجابري تنبع من عدم الحيادية التي تمتع ويتمتع بها عندما نرى في مقابل ذلك محاكمته للشيخ الرئيس والأنتقاص من قدره من خلال ماصوره الجابري من كلمات الذم والقدح والتخرص على ابن سينا ، بموازاة الثناء والأطراء والمدح الكبير والذي جرى على لسان الجابري في حق فيلسوف قرطبة والمغرب العربي، [ ابن رشد] لقد سعى محمد عابد الجابري لأضفاء طابع الفضيلة والأستقامة والنزاهة لفيلسوف قرطبة ابن رشد ولا مانع عندنا من ذلك ولكن المانع كل المانع أقصاء الفكر الفلسفي السينوي من ساحة الابستمولوجيا والمعرفة ، والأنصاف يقتضي أن نضع الموازين العادلة القسط في التقييم دون الولوج في الانتماءات والقوميات والمناطقيات فهذا مما يبعد الباحث عن وجه الحقيقة والأنحياز لطرف دون آخر ، لقد كوّن الجابري لفيلسوف قرطبة تحصيناً علمياً وفلسفياً وفكرياً وفقهياً وأخلاقياً ضخماً من خلال كتابه ( ابن رشد سيرة وفكر ) في مقابل الذم الذي سمعناه لفلسفة المشاء ورئيسها الشيخ ابو علي بن سينا لنتأمل في قوله في المدح والثناء والأطراء لابن رشد ونحاكي بذلك ماكان قد تحدث عنه من النقد اللاذع للمدرسة الأخرى واترك للمتطفن اللبيب التقييم حيال ما قاله حيث يقول الجابري ما نصه: [ لقد شهد له ( أي لابن رشد) جميع الذين ترجموا لحياته بالفضل والأستقامة والنزاهة وخدمة الصالح العام ، الى درجة أن ابن الآبار لم يتردد في القول : "وكان على شرفه أشد الناس تواضعا وأخفضهم جناحا وولي قضاء قرطبة فحمدت سيرته وتأثلت له عند الملوك وجاهة عظيمة لم يصرفها في ترقيع حال ولا جمع مال ، أنما قصرها على مصالح أهل بلاده خاصة ومنافع أهل الأندلس عامة". وبالمقارنة بين هذا الأطراء والأستشهاد بآراء العلماء بمدح ابن رشد وبين الذم الذي تحدث عنه محمد عابد حول الشيخ الرئيس بقوله عنه : فلقد كان سلوكه ( اي ابن سينا) العملي مناقضاً تماما ًلتلك الروحانية المفرطة التي قدمها للناس في رسائله الصغيرة وإشاراته ورمزياته .لقد كان ، بشهادة مرافقه وتلميذه ،وبشهادة كل من رووا سيرتة ،يعيش ((الحياة الدنيا)) بكامل حواسه وإحساساته وشهواته وعقله ، وكأنه كان يرى ((الآخرة)) في الدنيا و ((الجنة)) في المتعة الجسمية والفكرية معاً. نعم بتلك المقارنة يتضح لي بلا غموض ولا مداهنة أن الفكر الجابري فكراً أنحيازياً مناطقياً، وذلك بسبب التوضيف تقييماً وتفضيلاً من قبل عابد الجابري لفلسفة على أخرى بحيث لم نرَ للشيخ الرئيس أي فضيلة تُذكر على لسان الجابري ، مع جل أحترامنا لما طرحه من مشاريع فكرية وفلسفية وعلمية في الواقع العربي والأسلامي لكن ذلك لا يمنع من أن نقف على تحيزاته الفكرية والعلمية المناطقية والتي يقع فيها الجابري في ظلم كبير لأعمدة الفكر الفلسفي في المشرق دون المغرب ، وكما قلنا هناك من أن الجابري لم يكن ناقدا ذاتياً من عنده وأنما كان متأثرا بكثير النقد الذي أورده أبن رشد على فلسفة ابن سينا المشرقية بل أن الجابري زاد من حدة نقده ولم يكن موضوعياً كما كان ابن رشد القائل في رسم ملامح نقده للفلسفة السينوية حيث يقول ناقداً عندما يتعلق الأمر بمسألة فلسفية فيها أشارة لابن سينا ومن مثل ذلك فيما يتعلق بفكرة اللانهاية فهناك يقول ابن رشد : [ فامتناع ما لانهاية له على ماهو موجود بالفعل أصل معروف من مذهب القوم ولا نعرف أحداً فرق بين ماله وضع وما ليس له وضع في هذا المعنى إلا ابن سينا فقط ، وأما سائر الناس فلا أعلم أحداً منهم قال هذا القول ،ولا يلائم أصلاً من أصولهم فهي خرافة ] كتاب ابن رشد لمحمد عابد الجابري ص ١٥١. فالمقارنة العلمية النقدية لفلسفة ابن سينا بين فيلسوف قرطبة ابن رشد وبين النقد الجابري المعاصر مقارنة القياس مع الفارق فتلك الفلسفة الرشدية في نقدها للفلسفة السينوية تنطلق من أطر موضوعية وعلمية وعليها مناقشات برهانية ، أما فيما يخص نحن والتراث الجابري فقد سيقت عنده أدلة جل ما يمكن تسميتها بالعاطفة العلمية غير المبررة في تمجيد فلاسفة على حساب آخرين بمجرد التعاطف العلمي أو التعنصر القومي أو التمييز العلمي لهم من حيث المناطقية. لقد كان الأجدر بالجابري وهو يقرأ لكلا الفيلسوفين أن يُكَّون صورة فكرية وعلمية متلاقية بين فيلسوف قرطبة وبين الشيخ الرئيس وأن يلاقح فكرياً وفلسفياً ومعرفياً مابين فيلسوف المشرق ابن سينا ومابين فيلسوف المغرب العربي ابن رشد كما كان يفعل ابن رشد نفسه في أنصاف خصومه المعرفيين حتى وأن أختلف معهم ، لقد عمد الجابري الى التعريف بفيلسوف قرطبة أيما تعريف حينما يؤسس في كتابه ابن رشد سيرة وفكر الى فكرة تأسيس السيرة الرُشدية العربية والأسلامية بأعتبارها هي المعطية والمنتجة للحياة الثقافية دونما الالتفات الى مصادر المعرفة العلمية والفلسفية فيما طرحه فلاسفة العرب والمسلمين وبخاصة ابن سينا الذي لا يراه الجابري مؤهلاً علمياً لأنتاج معرفة ثقافية تؤسس لحياة ثقافية متطورة ،نعم وحدها النظرية العلمية الرشدية هي القادرة على حل مشاكل العرب والمسلمين ثقافياً وفكرياً وفلسفياً وهذا مايشير اليه في هذا النص حيث يقول [ ويبقي التعريف بهذا المثقف العربي والأسلامي النموذج ، أعني ابن رشد الذي يسمع عنه الناس عندنا ولكن دون أن يعرفوه ، والذين يعرفون عنه شيئاً تغيب عنهم أشياء ، يبقى التعريف بسيرته وفكره ، خطوة ضرورية في أستتاب رُشدية عربية أسلامية ، هي وحدها القادرة في نظرنا على أن تعطي لحياتنا الثقافية ما هي في حاجة إليه من القدرة الذاتية على التصحيح والتجديد ] كتاب ابن رشد سيرة وفكر ص ١١. وبالتأمل في كلام الجابري تجد التطرف المعرفي في المدح والثناء بأتجاه أحادي الجانب ، من خلال نموذج التبجيل والفرادة في المعرفة الرشدية دون غيرها وهذا ما يعرف من تصريحه الخطير حينما يقول عن الثقافة الرشدية ومعرفيتها بأنها الوحيدة القادرة على أعطاء نموذج للحياة من نوع ثقافي آخر لا تجده ألّا عند الفكر الرشدي دون سواه ، وهذا ظلم وأجحاف في حق فلاسفة آخرين كانوا ولازالوا يتربعون على عرش المعارف الحكمية والفلسفية ، نعم لقد ذهب مفكر المغرب العربي محمد عابد الجابري بعيدا حينما أختصر تلك المعارف الحكمية في مدرسة واحدة دونما أنصاف للمدارس الحكمية والفلسفية والمعرفية الأخرى ، ولعمري لأن يصف الجابري الشيخ الرئيس بصاحب الوعي المقلوب في كتابه نحن والتراث ، أقول أن وعياً مقلوباً ومنحازاً كان قد تشكل في ذهن محمد عابد الجابري وذلك بأعتبار التفكيرالقومي والعلمي العاطفي المناطقي والأنحياز بأتجاهه ، وكان عليه قول كلمة الأنصاف في فلاسفة آخرين ولا سيما الشيخ الرئيس ، بل كان من حقه أضفاء طابع المدح والثناء للمدرسة الرشدية لو كان تحدث عنها بمفردها دونما الولوج بنقد الآخرين وتخطئة أقوالهم وبراهينهم الفلسفية تحزباً وتضييقاً للمنهج الفكري والمعرفي ، وأخيرا يبقى محمد عابد الجابري مفكر عربي وأسلامي له مصنفات وآثار فكرية ومعرفية كبيرة أغنت الساحة العربية والأسلامية من خلال أطروحاتها ومناهجها المعرفية وهذا لا يمنع من الأتفاق معه في بعض المسائل والأختلاف معه في البعض الآخر حتى لا نقع في الحرج الذي أوقع الجابري به نفسه حينما دعا للمدرسة الرشدية وثقافتها التي تصنع الحياة دون غيرها لا أقل في كتابين مهمين من كتبه هما (نحن والتراث) وكذا كتابه (ابن رشد سيرة وفكر).