
بقلم : أياد الزهيري.
كما أن الأحزاب تشخصنت وتلونت بلون رؤسائها حتى أصبحت نسخة طبق الأصل لمن يقودها، كذلك هو الأمر سيان فيما يحدث للدوائر والمؤسسات الحكومية؛ حيث هيمن عليها رؤساء دوائر متضخمي الذوات جاعلين منها ملك عضوض لهم ولعوائلهم ولمريديهم . هذا اللون من الذوات ينسحب كذلك لمن يسيطر على منظمات غير حكومية ومنها على سبيل المثال المؤسسات الدينية والمدنية والتي منها على سبيل المثال لا الحصر المساجد والجمعيات الأسلامية سواء في الداخل أو الخارج؛ حيث جيرت لمن يديرها أو يدعي الخدمة فيها ، حتى أنها تحولت من مؤسسات عامة الى مؤسسات خاصة تتلون بلون وطعم من يدعي إدارتها.
إنه مرض تضخم الذات. أصاب هذا المرض السياسي فأنتج صدام، وأصاب العسكري فأنتج هتلر وموسليني، وأصاب التاجر فأنتج ترامب وبعض شيوخ الخليج، ولكن الأخطر عندما تلبس هذه الشخصية لباس المقدس فيصبح قدس الأقداس وممثل الرب في أرضه .
كثير ما تواجهنا مشاكل، أحياناً قد لا يكون سببها سياسي أو إقتصادي وإنما نفسي، ومنه ما يدعى بتضخم الذات. هذه الشخصية مغرمة بالأضواء، حتى عندما يتنحى عنها الضوء لغيرها فأما يجن جنونها وأما تصاب بالأكتئاب، كما أنها شخصية لا تتحمل أن ينسب أي عمل لغيرها ، لذا تبدي من الحرص بمكان على أن يمر كل عمل من تحت يدها، ولعلها تدعي أن هذا العمل لا يكون مباركاً الا من خلالها . هذه الشخصية هي من ملئت واقعنا ضجيجاً، وهي من أتخمته بالمشاكسات، وسممت فضائنا الأجتماعي بكل ما هو سيئ.
إن هؤلاء للأسف لهم وجود غير قليل في مجتمعنا، بل أخذ عددهم يتعاظم ويمتد الى كل مؤسساتنا سواء منها الحكومية والمدنية وحتى الدينية حتى أن ما أصاب هذه المؤسسات من هزال وتردي وضعف هو نتاج السلوكيات الشاذة والعقليات المحدودة لهذه الذوات المصابة بالأنتفاخ . وهو لا شك مرض نفسي أصيب به البعض من جراء تعرض صاحبه لحالة طويلة من الأذلال من قبل نظام سياسي أو اجتماعي أو عائلي.
إن من انعكاسات هذه الظروف هو انتاج نفوس تريد الأنتقام من الماضي المذل والتي طالما تشعره ذكرياتها بالذل والضعة وهو ما يدفعه للانتقام من ماضٍ مزعج طالما ذكره بالقمع والأضطهاد والألغاء . من الطبيعي أن يكون رد الفعل على المسبب لهذه المعاناة ولكن عندما يختفي المسبب مثلاً بسقوط نظام دكتاتوري أو بالعجز عن الرد عليه لقوته الغاشمة ، ترى الضحية تتوجه بصب تداعياتها المؤذية على الجهة الأقرب لها مثل الزوجة أو المجتمع أو بما يرتبط به من معية .
هذه الشخصية المصابة بالأنتفاخ تتسم بالقسوة والتعنت وحب الظهور ، وغالباً ما تكون متفردة في قراراتها وتميل للأنشقاق والتمرد لكي تؤكد ذاتها المعلولة بعلة الشعور بالنقص.
من المهم الأشارة بعد هذه المقدمة المختصرة أن ما تعانيه مؤسساتنا بكل أصنافها الحكومية والمدنية من حالة التشرذم وضعف الأداء هو نتيجة هيمنة هذا النوع من الشخصيات عليها، كما تجب الأشارة الى ما سبق بأن عامل البيئة يلعب دوراً حاسماً وكبيراً في أنتاج هكذا شخصيات .
طبعاً البيئة العربية من أكثر البيئات انتاجاً لهذا النوع لأنها بيئة تسودها قيم التفاخر والتعالي على الآخر، ومصداق ذلك ما قاله عمر بن كلثوم ( ونشرب أن وردنا الماء صفواً – ويشرب غيرنا كدراً وطينا) وكما قال أبو فراس الحمداني ( ونحن أناس لا توسط بيننا – لنا الصدر دون العالمين أو القبر) والأدب العربي مشبع بهذا الأدب الذي تفوح منه روائح التعالي والكبرياء، كما لا نستبعد القيم القبلية وخاصة البدوية منها والتي لعبت دوراً جوهرياً بصناعة أنسان ذو شخصية منتفخة عصية على التواضع، مما جعلها فاشلة بمبدأ التسوية والتي غالباً ما تكون حلاً ناجعاً لكثير من المشاكل السياسية والإجتماعية ، وهذا هو السبب في تراكم الكثير من المشاكل في مجتمعنا ودولنا وفي كل مرافق مؤسساتنا.
إن ما أود لفت القارئ اليه هو تقديم تفسير واضح وموضوعي لما نحن عليه من مظاهر التشتت والتشرذم سواء على الصعيد السياسي أو الخدمي أو الديني والمدني، سواء في داخل البلد أو خارجه. ليس الغرض من هذا التشخيص أشاعة الفوضى ولا الرغبة بالخصام مع الآخر ، بل التشخيص لعله يساهم في أيجاد حل؛ ففوضى الأنشقاقات والخلافات التي لا طائل منها في مجتمعنا ، هي إحدى أهم وأخطر أسباب الضعف والهوان والتردي في أوساطنا المجتمعية، وهي العامل الحاسم ببروز حالة الشعور باللامسؤولية بين العراقيين ، وهو شعور مفعم بالإحباط مما يجري ، وهذه أصعب وأقسى حالة تمر بها الشعوب، وهي أكبر مانع في طريق تقدمها.
إن مرض إنتفاخ الشخصية يكاد يكون ظاهرة إجتماعية كبيرة، وهذا ما يجعلها عقبة كأداء في وجه أي حالة إصلاح لواقعنا، وهذا ما يتطلب جهد مجتمعي يرتقي بواقع الحال، أساسه التشخيص الواعي والجرئ لما نحن فيه، أما أدوات هذا التشخيص هو الأرتقاء بالوعي الثقافي والتربوي ولا أستبعد الثقافة والتربية الدينية الصحيحة التي تربط صاحبها بقمم التواضع من رجالاتها من أنبياء وأئمة وصالحين وجعلهم قدوة لهم؛ فالمتدين الحقيقي يجب أن يكون أكثر الناس تواضعاً لأن نصوصه هي من تحكمه بهذا، وأن يضع نصب عينيه قول الرسول الأعظم في خطبة حجة الوداع ( أيها الناس .. أن ربكم واحد وأن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب..).
إنها دعوة لمكافحة هذا اللون من المرض الذي أستشرى بمجتمعنا، والذي تجلى بأبشع صورة من تشرذم ونفاق وضعف في البناء الأجتماعي وانعدام أي حالة من حالات الإتساق الأجتماعي مما جعله مجتمعاً متهلهلاً يسهل أختراقه واللعب عليه، حتى أصبح الآن مجتمعاً قابل القسمة على أي عدد، وهو يمر حالياً بظاهرة الأنقسام الأميبي بفضل قيادات مجتمعية أنتفخت وألقت بشرور مرضها على مجتمعها . أنا لا أريد أن أكدر على القارئ الصورة ولكن التحذير عمل أخلاقي وواجب وطني يفرض التحذير من أنهيار يسبق حالة التلاشي، ولكن من المصيبة أن يعتبر المرء أن هذا الأمر مبالغ فيه بدون أن يعرف ما يجري من حوله وهذه طامة كبرى ، وكما يقال
( إن كنت تدري فتلك مصيبةٌ – وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم).