بنت الجنوب الثائرة سميرة عودة (( 1951-1982م ))
21 فبراير, 2018 | 2:19 م - عدد القراءات: 2 مشاهدة
شبكة الموقف العراقي
بقلم : حسين علاوي.
كان الكثير من الفقهاء, بل حتى من المؤرخين الأجانب يعتبرون أنَّ المرأة مخلوق ضعيف ولا مكان له إلّا البيت.. رغم أنَّ هناك نساء كان لهنَّ أدوار كبيرة في التاريخ.. يذكرها القرآن الكريم, وكُتُب السيرة.. وقد بايعن الرسولo.. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ….. فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))(الممتحنة/ 12).
وفي هذه البيعة ترجَمَ الإسلام وضع المرأة السياسي في المجتمع كما للرجل.. فكان وضعهن السياسي في المجتمع مماثلاً لوضع الرجل.. ومثلما بايعن الرسولo, وجاهدن معه.. انضَمَّ لحزب الدعوة الإسلامية, أعداد كبيرة من النساء, وقد بايعن السيد محمد باقر الصدر, فعملن في أقسى الظروف التي مَرَّ بها العراق, وهي فترة حكم البعث الديكتاتوري.. فنشرن فكر الإسلام الأصيل.. وكان للدور السياسي والدعوي الذي لعبته المرأة الداعية في العراق, نتائج إيجابية ومواقف وطنية سطّرَتها الداعيات من النساء.. وإنَّ ما قدَّمْنه من تضحيات, ليس له شبيه في عالمنا العربي والإسلامي.
وسميرة عودة أنموذج للداعية المؤمنة الثائرة التي تحدَّتْ أعتى الطغاة والجلّادين من حثالات البشر الذين حكموا العراق بالحديد والنار.. فكانت ابنة الجنوب (البصرة) عاشقةً للحرية.. رغم قسوة تلك السنين, وقهر سلطة الجور والقمع.. تتحدّى وهي تنتقل من سجن إلى آخَر.. ولم تضعف أو تتهاون أو تتنازل عن مسيرةٍ خَطَّها السيد الصدر وأخته بنت الهدى.. فضحَّتْ بكلِّ شيء, حتى برضيعتها.. لتحفر في أخاديد جراحها تاريخاً دعوياً للبصرة في أقسى مراحل الصراع, واعتى جولات المنازلة مع البعث الكافر.
النشـــأة:
وُلدت سميرة عودة في البصرة عام 1951م.. وأتمَّت دراستها الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها.. وتخرَّجَتْ من الإعدادية لتدخل جامعة البصرة/ كلية الآداب.. حازت عام 1973م على شهادة البكالوريوس/ قسم اللغة العربية, لتمارس مهنة التدريس والتثقيف لبنات مدينتها وبراعم محلتها.. عُيّنت في متوسطة الهارثة, ثم انتقلت فيما بعد إلى إعدادية القناديل للبنات.. وتشهد لها جميع هيئات التدريس بالكفاءة والإخلاص..
ولأنها أدركت -في وقت مبكر- صراع الحق ضد الباطل.. انتمت لصفوف الحركة الإسلامية المتمثلة حينذاك بحزب الدعوة الإسلامية, كما هو حال أغلب أفراد عائلتها.. فغدت الأستاذة الفاضلة وفي عينها يتألق عِزّ المؤمنين, وفي سلوكها يرتسم إباء المجاهدين.. عاشت جراح دينها, آلام شعبها.. فكانت بعض أحاديثها مع طالباتها وزميلاتها, دروساً في الحجاب والأخلاق, مثلما البعض الآخر دروساً في الجهاد ورفض الظلم.. فكم أوقدت في دروب الضائعات شموعاً, وكم أشعلت في قلوب المؤمنات قناديل فكرٍ وحماسةٍ.
أما زوجها الأستاذ عبد الأمير, فقد بدأَ شبابه داعية في صفوف حزب الدعوة الإسلامية, وبالتحديد في منطقة المعقل.. حتى غدا نجماً في سماء البصرة الصابرة.. تخرَّجَ من جامعة البصرة ليعيّن مدرّساً في إحدى إعداديات ناحية المعقل, ومِن بعدُ في إعدادية الجمهورية في حي الجمهورية.. داعية مجاهد مستبسل.. خاضَ العديد من المواجهات المسلحة ضد أزلام -أمن- النظام ومرتزقة ما يسمى بالجيش الشعبي..
لم ينسَ الأستاذ عبد الأمير نصيبه من الدنيا.. فقرر أن تكون له أسرة مؤمنة مجاهدة, كغيره من شباب الإسلام.. فصارَ يفتّش عن الزوجة الصالحة التي تؤمن بحركته ومسار حياته.. فاهتدى -وبمشورة المؤمنين ورفاق الدرب- إلى الأستاذة المجاهدة (سميرة).
لم تتردد سميرة في الموافقة بعدما وجدت -هي وأهلها- في عبد الأمير, ماضياً وتاريخاً جهادياً يفخر به كل نبيل.. تعاقدَ الزوجان -بل هكذا تعهَّدَ الزوجان- على نيّة الحق.. وأقسما أن يكونا للظالم خصماً, وللمظلوم عَوْناً, مهما كانت الظروف, ما دام الحقُّ مُضاماً, والقانون مضيَّعاً.
انتقلت سميرة إلى عشّها الزوجي في منطقة (حي الشهداء) بالمعقل.. وصارت تدرّس في إعدادية (خولة بنت الأزور) القريبة إلى محل سكناها الجديد.. وتمرّ الأيام والشهور, وسميرة تملأ عش الزوجية دفئاً وحناناً وسعادة.. لقد أزهرت نطفة حبهم في أحشائها جنيناً.. وكانت الزهرة (إيمان).. إيمان التي ستكون يوماً ما, وريثة مجدٍ عظيم, وحاملة هَمٍّ كبير.
ويمرّ الزمن سريعاً, وتتزاحم الأحداث الكبيرة.. حتى استيقظت الهمم والإرادات في مدينة البصرة ومدن العراق المجاهدة, تنشُدُ الخلاص من نظام ديكتاتوري قمعي.. الذي أخذ يفتك بخيرة شباب هذه المدينة الشامخة, بطريقة وحشية ممنهجة.. وكانت ضريبة الأستاذة سميرة أن تَدفع إلى الشهادة, أخاها الشاب (زكي) مع كوكبة من خيرة شباب البصرة الشمّاء, بِمَنْ فيهم أزواج أخواتها.
كانت المرحلة كربلائية ساخنة؛ حيث أضحى الصراع مع النظام الديكتاتوري مصيرياً, والنزال مقدّساً.. وقد كانت وفود البيعة من جميع مدن العراق الأبيّة تُطِلُّ بيت الإمام الصدر ليل نهار.. وبعد أشهر حدثَ ما كان متوقعاً.. حيث قام النظام باعتقال الإمام الصدر الذي أُطلقَ سراحه في نفس اليوم؛ إثر الانتفاضة الجماهيرية الغاضبة في النجف الأشرف وبغداد والبصرة وأماكن أخرى.
بَيْدَ أنَّ نظام البعث الحاكم قد قام بحملات اعتقال وإعدام وحشية, طالَت الآلاف من أبناء العراق الصالحين.. الأمر الذي جعل الإمام الصدر يُعلن التصدي للنظام الديكتاتوري.. لإزالة هذا الكابوس الجاثم عن صدر العراق الحبيب.. مؤكداً أنه صمّم على الشهادة.
لذا فقد قُدّرَ للأُستاذيْن (سميرة وعبد الأمير) من مواكبة أكثر فصول المعركة دمويّة, وأبشع مراحلها دماراً.. حيث خيّمت المحنة بكُلِّ ثقلها على البصرة وبقية محافظات الوطن, سيما وقد نفَّذ النظام البعثي جريمته الكبرى, باعتقال المفكر الكبير المرجع السيد الصدر, ومن ثم إعدامه.. مما جعل الغيارى من شباب الإسلام يبذلون الغالي والنفيس ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الخلاص وتحرير الشعب من جبروت الطغاة.. فتصاعدت العمليات الجهادية على أوكار ومؤسسات حزب السلطة.. واختيرت أكفأ كوادر الأجنحة العسكرية في تنظيمات حزب الدعوة الإسلامية/ فرع البصرة.. فقد كان الحزب في تلك الفترة قوياً جداً, وخطوطه الجهادية في قمة نشاطها.. وقد انضمَّت ثُلّة من فتيات الإسلام إلى هذه الخطوط.. مما جعل دوائر أمن النظام ترصد كل تحركاتهن.. وبالفعل فقد اعتُقِل عدد منهن.
بَيْدَ أنَّ كل ذلك لم يوهن عزيمة البطلة الأستاذة (أمُّ إيمان)؛ حيث لعبت -في تلك الفترة- دوراً مهماً في تعبئة طالباتها وبنات جيلها.. فقد نُقِلَ عن طالباتها أنها كانت تستثمر حصص التدريس لاستعراض غايات ثورة عاشوراء وما تحمل في طيّاتها من دلالات ومسؤوليات.. فهي ما برحت تُحذِّر براعم المستقبل من الأفكار الخادعة والانتماءات المشبوهة, كالانتماء للحزب الحاكم وللاتحاد اللاوطني لنساء العراق -بالتلميح مرة وبالتصريح مرة أخرى-.. فكانت تمتلك القدرة على اختيار الكلمات المؤثرة التي تزرع العزم والحماس في العقول والقلوب وتبعث الهمّة.. سيما أنها وبالرغم من صغر سنّها, فقد كانت لطالباتها وبنات جيلها كالأُمّ الرؤوم؛ لذا صارت مهوى أفئدة المؤمنات والضائعات في آنٍ واحد.
سميرة وبالرغم من كل تلك المسؤوليات, لم تترك زوجها دون إسنادٍ ومساعدة.. فكانت تشاركه معظم نشاطاته وجهاده.. حتى أضحت شاهدة شهيدة قبل أن تنال وسام الشهادة.. فقد كَمِنَ لزوجها أزلام أمن البصرة, أثناء قيامه -هو ورفيقه- بإحدى جولاته السرية, وكانا راكبيْن درّاجة.. وقد حصلت مواجهة مسلّحة بين البطليْن وأزلام النظام قرب مستشفى الموانئ.. فقام أوغاد أمن النظام بمطاردتها, فاضطرّت إلى ترك البيت والمدرسة, ومن ثمَّ الاختفاء والتنقّل سرّاً من مكانٍ لآخر.
وقد قررت سميرة أن تنتقم من أحد المرتزقة المجرمين, ويُدعى (سلام) الذي كان الرابط مع نقيب أمن البصرة المجرم (ماجد).. والذي يقوم بتجنيد المأجورين للفتك بالأبرياء المؤمنين.. وبسبب عيونه السرية وتقاريره الحزبية, ازداد عدد الضحايا, واتسعت مساحة الحزن في أزقّة المدينة.. حيث كان له دور مهم في رصد الدعاة والغدر بهم.. فكثيرٌ هم الذين وقعوا صرعى غدر هذا المعتوه الذي استمرأَ الرذيلة.. وكان الشهيد الأستاذ عبد الأمير (أبو إيمان).. أحد ضحايا غدرِه.
والرفيق سلام هو مدير إعدادية الجمهورية للبنين في ناحية الجمهورية.. انحَدَرَ من قضاء القرنة إلى المديْنة.. عضو قيادة فرقة في تنظيمات حزب البعث الحاكم/ فرع البصرة.. مجرم تحوَّلَ إلى مخلب ذئب للحزب ولقوى الأمن الحاكمة.. ملأَ حياته آثاماً وصفحاتٍ سوداً.. وظَلَّ يعيث في الأرض فساداً, بلا رادع من دين, أو وازع من ضمير.
أما أُمُّ إيمان, فاستمرّت تُحرّض على إيقاظ النخوة في الضمائر الحُرّة, بعد أن آثَرَ البعض الجمود على الحركة؛ بسبب الاعتقالات المستمرة والإعدامات المتواصلة.. وبالرغم من رضيعتها التي لم تتجاوز العاميْن, والتي فقدت للتوّ أباها.. رأت أنَّ الواجب الشرعي يدعوها للعمل بكل ما في وسعها للتخلص من رجس هذا المجرم المتفرعن.. بل رأت جُرحها في زوجها صغير, أمام الجراح التي نزفت من ضحايا أبناء شعبها الذين بذلوا أرواحهم رخيصةً في سبيل الله والوطن.. فلم يبقَ أَمَامَها إلّا طريق واحد للاقتصاص من هذا المجرم.. هو أن تحمل السلاح لوحدها وتقتلهُ بيدها.
وقد اختارت وقت التنفيذ حينما يكون الطلبة في صفوفهم.. وهذا هو الوقت يوشك على اقتراب الفرصة الفاصلة للدروس.. تقدّمت نحو المدير وقطعت حديثه قائلة:
– عفواً أستاذ, جئتُ البارحة بخصوص نقل ابني لمدرستكم و…
– قاطَعَها بتهجُّم واستعلاء:
– أي نقل؟!
– بالأمس جئت وقلتَ لي تعالي غداً ومعك المستمسكات.
– صحيح.. صحيح, تذكّرت.. وأين المستمسكات؟
– حاضر أستاذ.. ها هي.
نَظَرَتْ الأستاذة سميرة إلى المعاون, فلم تجد عنده رغبةً أو أمَلاً للخروج.. فَدَسَّتْ يدها في حقيبتها الصغيرة بكلِّ هدوءٍ وسَكينةٍ, ثم أخرَجَتْ المسدس وصوّبتهُ نحو رأس المدير.
فَغَرَ المديرُ فاهُ اندهاشاً, واحتقنت عيناه رُعباً من وقع المفاجأة.. فحاوَلَ بحركة جنونية القيام عن كُرسيّه, فقد كان مذعوراً.
– إجلس في مكانك ولا تتحرك, وإلّا أفرغت الرصاص في رأسك.
– أختي (شنو) القضية, أكيد (أكو) اشتباه؟!
– لا, لا يوجد اشتباه رفيق (سلام)..
– مَنْ أَنتِ؟
– أنا زوجة الأستاذ (عبد الأمير).
– أستاذ عبد الأمير!! المدرّس الذي مات قبل أشهُر؟
– نعم.. أستاذ عبد الأمير, المدرّس الذي قُتِلَ بسبب غدركم وشرّكم.
نَظَرَ إليها بحقدٍ دفين, وقال:
– أنـ .. أنتِ الأستاذة سميرة!!
– نعم, أنا الأستاذة سميرة.
حاوَلَ المعاون -الذي ما زال فاغراً فاهُ متسمِّراً في مكانه- أن ينزلق نحو الباب, لكنها مَنَعَتهُ وأجبرتهُ على البقاء في مكانه دون حراك.
حَدَّقَ المدير المجرم في وجهها بغضبٍ وخوفٍ شديديْن.. ثم صار يتوسل بها:
– أختي.. آنه عندي أطفال.. عندي عائلة و…
– وهل الذين غَدَرتَ بهم ليس لديهم أطفال أو زوجات!
– أنا لا علاقة لي بما حَدَثَ لزوجك.
– وأنا هنا لا لأجل الثأر لزوجي فحسب.. بل لكلِّ الأبرياء الذين غَدَرتَ بهم, ولكلِّ الأرامل اللاتي فَتَكتَ بأعزائهن.
صَرَخَ المعاون متوسلاً وموضّحاً أنه بريء من تلك الدماء, ولا علاقة له بأمر زوجها والآخرين.
نَظَرَتْ إليه برفق, وطَمأَنَتْهُ أنَّ الأمر لا يعنيه.
قد يتخيّل المرء مدى الرعب والهلع الذي أصاب المدير المجرم, هذا القرد المستأسِد.
اقترَبَتْ البطلة (أمُّ إيمان) من المجرم أكثر, والمسدس ما زال مصَوَّباً نحو رأسه, وصرَخَتْ في وجهِه:
– أيها المجرم الجبان, أحسبت أن تنجو من غدرك اللئيم.. خُذ جزاءك بالدنيا, ولَعذاب الآخرة أمضى وأشد.
وأجهَزَتْ عليه, مصوّبةً الإطلاقة إلى رأسه.. بَيْدَ أنه وفي تلك اللحظة أخذَ الخوف والرعب منه مأخذاً.. فلم يستطع مواجهة المشهد.. فاستدارَ صارخاً متوسلاً محاولاً الهرب.. فاستقرّت الرصاصة في أسفل رقبته, لتحمل له تذكرة جهنم ثمناً لدماء المؤمنين.. فكانت الإصابة ٌقاتلة ومُميتة.. فسقطً مُضرَّجاً بدمه.. فأجهَزَتْ عليه بالطلقة الثانية.. لكنَّ الرصاصة حُشِرَت في رئة المسدس ولم تخرج من الفوهة!!
فخرجت البطلة (أمُّ إيمان) من إدارة المدرسة بحشمةٍ ووقارٍ.. ثم قَطَعَتْ باحة المدرسة بخُطى سريعة.. بَيْدَ أنَّ صوت الإطلاقة وصراخ المعاون, جَعَلَ عدداً من الطلبة يركضون خلفها وهم يصرخون: (خمينية, خمينية.. قتلت المدير الخمينية!!).
وهكذا سَجَّلَتْ الأستاذة المجاهدة (سميرة) أسمى آيات الوفاء لدماء الشهداء.. حيث عَمَّتْ الفرحة قلوب ثكالى وأرامل هذه المدينة الحزينة, اللاتي فُجعن بأعزاءهن على يد هذا وأمثاله من المرتزقة الأذلّاء.. فأصبح موقف هذه العراقية المخلصة -فيما بعد- موقفاً تتناقلهُ الألسن بفخرٍ واعتزازٍ على مَرّ السنين.
وحوش شرسة.. ولبوة صامدة:
لقد مَثّلوا بالفاضلة (أمُّ إيمان) بصورة تعفُّ عنها حتى الحيوانات.. وكان (مهدي الدليمي) في طليعتهم!.. كان يضربها بالعصا (التوثية) حتى يُغمى عليها.. فيرميها في الماء البارد, ثم يعاود ضربها.. حاوَلَ استنزاف قواها بآلاته الوحشية البربرية, ودون مراعاة لأيِّ بقيةٍ من الخُلُق الآدمي.
كانوا يأتون بها من غرفة التعذيب متهالكة.. فيرمونها على أرض الزنزانة الباردة, التي أغرقوها بالماء البارد -رغم برد الشتاء القارس- بحجّة محاولة إفاقتها واسترداد وعيها من أثر الغيبوبة وإغماء التعذيب.. وتُترك هكذا وبلا أدنى غطاء.. فكان صمودها أسطوريا.. فهي لم ولن تكشف عن أسرارها وأسماء المقرّبات منها, ولا عن رفاق زوجها أبداً.
أمضتْ سميرة في (الموقف) أكثر من أحدَ عشر شهراً.. وفي صباح يوم شتوي, نقلوها إلى ما يسمّى بمحكمة أمن الثورة العسكرية.. لتحكم عليها بالإعدام شنقاً حتى الموت؛ لمحاولتها القتل مع سبق الإصرار والترصّد؛ ولانتمائها إلى حزب الدعوة الإسلامية.. وكان ذلك في عام 1982م..
فسلامٌ عليها يوم ولدتْ, ويوم استُشهدت.. ويوم تُبعَثُ حَيّة.
المراجـــع:
(1) مذكرات سجينة: علي العراقي؛ وفاطمة العراقي, مج1, إصدار المركز الوثائقي لشهداء الحركة الإسلامية في العراق.
(2) شهيدات العراق, عبد الهادي الركابي, إصدار مؤسسة الشهداء, رئاسة الوزراء