الشيعي بين انتمائه لمنظومته المذهبية وانتمائه لوطنه
22 فبراير, 2018 | 2:31 م - عدد القراءات: 2 مشاهدة

شبكة الموقف العراقي
بقلم : د. علي المؤمن.
وردتنا أسئلة متشابهة في موضوعها من بعض المتابعين الكرام، وتدور حول إشكالية توفيق المسلم الشيعي بين انتماء لوطنه وانتمائه لمنظومته الدينية العالمية. ولمقاربة الإجابة؛ نعيد نشر إجابتنا على سؤال في الموضوع نفسه سبق ان وصلنا من الأستاذ سامر جهاد من العراق؛ هذا نصه:
(( المذهبية العابره للحدود و الوطنية العاجزة عن الصمود من الذي يجب الالتزام به هل المذهبية العالميه في النظام الاجتماعي الديني الشيعي ام الوطنيه ونسيج العراقي في حالة تعارضت المصلحه بينهما ؟
يعني تنفيذ مصالح بلدان اخرى تحت مسمى الدين والمذهب ونكران الهويه العراقية مع بقاء شكلها ، بحجة المذهب عابرا للحدود وهل هذا من مبادئ العدالة والانصاف.
سؤالي موجه الى الدكتور علي المؤمن .
و هذا جوابنا:
التساؤلات حول موقف المسلم الشيعي من انتمائاته المتنوعة، ولاسيما مايتعلق بإشكالية التوازن بين انتمائه الوطني وانتمائه لمنظومته الدينية العالمية؛ هي من أكثر التساؤلات واقعيةً وأهميةً وحساسيةً، والتي ظل الباحثون والسياسيون والإعلاميون والمثقفون؛ المتدينون وغير المتدينين؛ يتداولونها منذ العام 1979 وحتى الآن. وهذا لا يعني أن الموضوع لم يكن متداولاً قبل هذا التاريخ؛ ولكنه ازداد أهمية وواقعية خلال العقود الأربعة الأخيرة.
إن الإسلام بطبيعته عابرٌ للحدود والقوميات. هذا مقتضى الدين الإلهي الذي هو عقيدة وشريعة وقانون لكل البشر. وتختص المنظومة الدينية الاجتماعية الشيعية بكونها منظومة عالمية عابرة للجغرافيا والقوميات؛ سواء من خلال وجود المرجع الأعلى أو الولي الفقيه على رأسها، أو من خلال تقاليد الحوزة العلمية وسياقات عمل الوكلاء وتداول المال الشرعي.
وهذه المنظومة ليست وليدة اليوم؛ بل أنها متجذرة في الواقع الشيعي، ولم تصنعها مرجعية السيستاني ولا ولاية الخامنئي. ولذلك؛ لا يمتلك أحدٌ خياراً لتغيير هذا الواقع؛ لأنه سر حفاظ المذهب الشيعي والشيعة على بقائهما واستمرارهما في ظل هجمات الإقصاء والاجتثاث التي ظل الشيعة يتعرضون لها منذ نهاية دولة الإمام علي (ع) وحتى الآن.
وبالتالي؛ فخيار عالمية المنظومة الدينية الاجتماعية الشيعية هو خيار وحيد وثابت، ولا يمكن لأية قوة؛ مهما بلغت؛ تغيير هذه المعادلة؛ سواء كانت هذه القوة من داخل الشيعة أنفسهم أو من الخصم الطائفي. وقد جرب ذلك الأمويون والعباسيون والسلجوقيون والأيوبيون والعثمانيون والمماليك والوهابيون والانجليز والبعثيون، ولكنهم لم يفلحوا بتاتاً؛ بل ظلّت واقعية عالمية المنظومة الدينية الاجتماعية الشيعية تتجذر بقوة كلما ازدادت هذه الضغوطات وتصاعدت محاولات تمزيق المنظومة.
أي أن ضغوطات السلطة المحلية الطائفية على الشيعة وقمعها لهم؛ كانت تزيد من قوة منظومتهم الاجتماعية العالمية وتماسكها وتلاحم أبنائها خارج حدودهم القومية والوطنية؛ لأن الشيعي سيزيد من احتمائه بمنظومته الاجتماعية الدينية العالمية؛ كلما تصاعدت ضده عمليات القمع والإقصاء والاجتثاث والإرهاب. وهو رد فعل طبيعي؛ يضاف الى إصالة عالمية المنظومة الدينية الشيعية.
ولكن؛ حين يعيش الشيعي في ظل دولة العدالة والمواطنة والإنسان والحريات والتعددية الدينية والمذهبية والفكرية، والبعيدة عن القمع المذهبي والتمييز والتهميش والعزل الطائفي والقومي؛ فإن ردود الفعل هذه ستتلاشى، وسيكون إنتماء الشيعي لمنظومته الدينية العالمية في حدودها المتعارفة والمقبولة حتى من الناحية القانونية.
ولذلك نرى أن تجارب الشيعة في بعض البلدان ناجحة في التوازن بين الانتماء للمذهب والانتماء للوطن، وهو الحال مع عمان وايران والهند واذربيجان، بينما تأخذ حالة التوازن هذه شكلاً مأسوياً ومعقداً في البلدان التي يتعرض فيها الشيعة الى التهديد المجتمعي والسياسي الطائفي والإرهابي؛ كالعراق والبحرين والسعودية ولبنان وسوريا واليمن وافغانستان.
وفي ظل تأسيس الدولة القومية و الدولة القطرية خلال القرون الأخيرة؛ بدءاً من اوربا، وتحول هذا اللون من الدولة الى أمرٍ واقع في بلاد المسلمين؛ فقد بات ضرورياً أن يراعي الشيعة في كل مكان ضوابط القانون الدولي والقانون الدستوري؛ إذ أنهم يعيشون في ظل منظومة عالمية قانونية وسياسية لامهرب منها، وفي ظل منظومات محلية أكثر ضغطا.
ولذلك؛ فليس صحيحاً أن يتنكر الشيعي لواقعه الوطني وإلزاماته، وأيضاً من الخطأ أن يتجرد عن الانتماء لمنظومته الدينية الشيعية العالمية؛ فلا إفراط ولا تفريط؛ فليس صعباً التوفيق بين عالمية انتماء الشيعي لمنظومته الدينية الاجتماعية، وبين وطنية انتمائه لمنظومته المحلية الإدارية والقانونية والسياسية؛ في ظل توافر الظروف الموضوعية المحلية لذلك. كما يمكن حل كل الاشكالات في هذا المجال؛ بما يحفظ للشيعي كل الوان انتماءاته؛ للدين والمذهب والمرجعية والولاية والوطن والحزب والقومية والعشيرة والأسرة؛ فهي انتماءات في طول بعضها عادة؛ بل تكمل بعضها إذا أردنا ذلك. فلاتعارض بين كل هذه الانتماءات؛ بل أنها تمكل بعضهما، وأنها جميعاً تكرس صفات التدين والالتزام والوطنية في المجتمع الشيعي.
ولايعني انتماء الشيعي لمنظومته الاجتماعية الدينية العالمية أنه طائفي أو أنه غير وطني أو أنه غير انساني؛ بل يعني أن الشيعي لصيق بواقعه الذي يفرض عليه انتماءات متنوعة، وأن يكون لكل انتماء دوره في حياة المسلم الشيعي؛ سواء كان عراقياً أو بحرينياً أو لبنانياً أو ايرانياً أو مصرياً أو هندياً.
للمزيد؛ راجع كتبنا: “النظام السياسي الاسلامي الحديث”، “الاسلام والتجديد”، “من المذهبية الى الطائفية”، “الغزو الطائفي في مواجهة المشروع الحضاري الاسلامي”، “جدليات الدعوة” وغيرها؛ ففيها بحوث معمقة وتفصيلية حول هذا الموضوع