قانون الاحزاب العراقي من وجه نظر الاحزاب السياسية والمدنية “قراءة نقدية”

24 مارس, 2018 | 11:00 ص   -   عدد القراءات: 4 مشاهدة

قانون الاحزاب العراقي من وجه نظر الاحزاب السياسية والمدنية “قراءة نقدية”

شبكة الموقف العراقي

 بقلم : الشيخ عدنان الحساني.

من البديهي ان أي مشرع حينما يشرع قانونا ما فهو يحتكم في صياغته الى روح التشريع أي انه يحاول ان يبقى في افق المثالية المتقومة في روح التشريع ويتجافى الى حد ما عن الواقع التطبيقي في الخارج فلايضع في حساباته اشكاليات التطبيق وليس من شانه ان يتوقع فرضيات الاصطدام بتلك الاشكاليات مهما كانت كبيرة وعويصة وهذه الحدية في الصياغة هي امتثال تقني اكاديمي بالقيم التشريعية العالمية أي من باب التسالم التقني الصرف ولاترتبط بادبيات شعب بذاته او دولة بذاتها في حين ان الادبيات المنفصلة للشعوب والتي لها اما خلفيات دينية او قومية او عرفية عامة فيها مساحة من التعاطي مع الاعتبارات الخارجية حتى ان القران الكريم في تشريعه للاحكام بدا بشكل تدريجي واتبع مقاربات خاصة تراعي الى حد ما الاشكاليات الخارجية في المجتمع فنجد في قوله تعالى في بداية الدعوة (ولا تقربوا الصلاة وانتم سكارى) أي ان المشرع غض الطرف عن الوقت خارج الصلاة لان تشريع حرمة الخمر بشكل نهائي لم يصدر بعد..ولان المشرع حكيم اتبع هذه الاساليب في اصدار التشريعات..في حين تعتبر الحدية في التشريعات وهذه اشكالية طبعا في القوانين ونقطة ضعف في حين قد يعتبرها البعض نقطة قوة ..

دعونا في البدء ونحن نتحدث عن قانون الاحزاب ان نفتش عن نقاط القوة والضعف في هذا القانون من دون ملاحظة وجهات النظر الحزبية يعني بما هو صياغة من المفترض انها تنسجم مع المعايير والنظم الديمقراطية في العالم المتحضر طبعا حينما ساتحدث عن نقاط القوة والضعف ليس انطلاقا من وجهة نظر ايدلوجية أؤمن بها فلربما ان القانون بمجموعه لايتناسب مع قناعاتي ولربما العكس ولكن احاول ان اضيء على هذه النقاط بموضوعية بحثية بحتة اما نقاط القوة التي يعكسها المضمون الداخلي للقانون فهي :

  • اقرار التعددية السياسية والحزبية بشكل عام

  • اقرار الحريات العامة بشكل اجمالي

  • اشتماله على مبدأ مركزية الدستور والقوانين الساندة

  • اشتغاله في حيز المواطنة بعيدا عن الانحيازات القومية والدينية والمذهبية

  • افتراضه للمبادئ الساندة للانتقال السلمي للسلطة أي انه اسس مبادئ اساسية في تقييم العمل الحزبي وهو كونه يؤمن بمبدء الانتقال السلمي للسلطة فلايحق لاي حزب اللجوء الى القوة او الانقلاب او الاعمال ذات النسق الامني والعسكري للاستيلاء على السلطة.

  • تضمنه اجراءات جزائية تعطي للقانون قوة تشريعية وتنفيذية تحميه امام مخالفات واختراقات الاحزاب السياسية..

  • فصله بين النظام الحزبي من جهة والنظام الحكومي من جهة لتصون دوائر الدولة من الاختراقات الحزبية والتي قد تؤدي الى التضييق على مبدأي التعددية والحرية وهما المبدءان الاساسيان في بناء الدولة المتحضرة..

هذه اهم نقاط القوة تقريبا وان كان هناك نقاط اخرى لكنها قد تكون هامشية اما بالنسبة لنقاط الضعف فهي كالتالي:

  • ان اكثر مواده خالية من التقييد والاستثناء مما يجعله عرضة للتفسيرات المختلفة خصوصا في المواد والفقرات ذات الشؤون الجزائية والاجرائية فالحزب السياسي لايقتصر في عمله على البعد السياسي كما نعلم فهناك ابعاد جوهرية تدخل في نطاق حركية الحزب السياسي لابد من اخذها بعين الاعتبار في أي قانون من القوانين او أي اجراء من الاجراءات فالتركيز على الجانب السياسي واهمال الجوانب الاخرى في القانون يعد ثغرة كبيرة فيه فالحزب السياسي يتقوم في وجوده بكل الابعاد المختلفة ولايمكن ان ننتزع عنه أي بعد من هذه الابعاد والا سيكون خلاف مبدأ الحريات العامة فمثلا البعد الثقافي للحزب بعد حيوي وتنمية هذا البعد لدى أي حزب من الاحزاب يحتاج الى الارتباط بالمحيط المحلي وكذلك المحيط الاقليمي بل والعالمي حتى وهذا الارتباط تدخل في نطاقه الانشطة الثقافية المختلفة والتعاملات المالية ذات الجنبة التنموية الثقافية والمهرجانات المشتركة والندوات المشتركة والاستكتابات والدوريات والزيارات وهذه انشطة فيها تبادل مالي وثقافي وحين يأتي القانون يقيد الانشطة المالية للاحزاب يعني انه يقيد الانشطة الثقافية والفكرية ويضغط على الحريات العامة وهذا خلاف الديمقراطية وهو خلاف مبدأ التعددية الثقافية..

  • ان القانون لم يكن معنيا في توصيف الحزب الذي يخضع لهذا القانون غايته انه اسماه بالحزب السياسي في حين ان المنظمات والحركات والاحزاب تختلف في نشاطاتها من حيث التوصيف القانوني فثمة منظمات مدنية لاتحترف التقنية السياسية بشكل مباشر وانما تعنى بممارسة العمل الاجتماعي او الثقافي المندمج مع الهيئة التنظيمية لمجتمع ما ونحن نعلم أن التنظيم المدني يختلف عن التنظيم السياسي من حيث: التنظيم السياسي مركزي، أي يختص بتكوين السلطة المركزية وحمايتها، بينما يقوم التنظيم المدني على الخصوصية والاستقلالية الذاتية وتنمية التضامنات الجزئية. كذلك ان التنظيم السياسي يتميز بانه ذو مظهر رسمي، حيث تبنى فيه العلاقات على أساس قانون ثابت وعام ومجرد وموضوعي، في حين أن التنظيم المدني يخضع لقواعد غير مرسّمة، رهين بصورة أكبر بتبدل ميزان القوى أو العادة أو الأخلاق أو المصلحة. وكونه وسيط كما قلنا بين المجتمع وبين الناشطين او المتبرعين او المنظمات الحقوقية العالمية وغيرها..

قانون الاحزاب ومركزية الدستور في نطاق التجاذب الفكري للاحزاب

 قلنا من حيث المبدأ ان اشتمال القانون على مبدأ مركزية الدستور تعد نقطة قوة مهمة فيه لكنها في نفس الوقت قد تكون نقطة ذات نسق تجاذبي من حيث وجهة نظر الاحزاب بانتماءاتها المختلفة وذلك لان الدستور كتب بشكل يراعي كل الاثنيات والطوائف والتوجهات الفكرية والايدلوجية أي انه لايتلامس مع كل منظومة القيم والادبيات التي يؤمن بها هذا الحزب على حدة او ذاك على حدة  او هذه الطائفة او تلك…فالقوى العلمانية والمدنية مثلا تتهم الدستور بانه ذو مرجعية اسلامية من حيث التشريع والهوية بناء على المادة الثانية منه وهي ان الدين الرسمي للبلاد هو الاسلام  بينما بعض القوى الاسلامية تتحفظ على كثير من مواد الدستور نظرا لكونها بعيدة عن روح الاحكام الشرعية الاسلامية بحسب مايصفون.

الاحزاب المدنية واشكاليات التحيث مع مواد القانون

الاحزاب المدنية في العراق انما تبلورت كردة فعل حركية من حيثيتين

الحيثية الاولى: هو ان مجرد وصول احزاب الاسلام السياسي للعملية السياسية ومن ثم الحكومة كان بحد ذاته عامل استفزاز للتوجهات العلمانية المختلفة..

الحيثية الثانية: الانعكاسات السلبية التي رافقت نشاط كوادر احزاب الاسلام السياسي شكل دافع اضافي كبير اثر في زيادة تنامي ردة الفعل لدى الاحزاب المدنية في العراق

وبالتالي فان نشوء حركية مدنية قائمة على ردود الافعال لايمكن باي حال من الاحوال ان تكون بديلا ناجحا عن الاحزاب السياسية لماذا لعدة اسباب منها مايتعلق بالانساق الحركية للحزب السياسي فالنسق الذي ينتمي اليه الحزب السياسي هو نظام متقوم بالفعل السياسي التقني بينما النسق الحركي للحزب المدني يفتقد هذه التقنية وهناك اسباب اخرى وهو ان الحزب المدني يعتمد على قاعدة التمركز في منطقة الفراغ والحيادية الحركية فحينما يمارس عملية تجاذب واستقطاب فهو تلقائيا سيغادر هذه المنطقة وبالتالي يتجرد عن امتيازاتها وخصائصها المجتمعية ويتحول الى حزب سياسي ضعيف ليش ضعيف لانه كما قلنا في السبب الاول انه يفتقد الى تقنية الفعل السياسي كنسق مترسخ ومستدام…

اذن حتى نعرف ونقيم وجهة نظر الحزب المدني تجاه قانون الاحزاب لابد ان نستجلي في البدء خصائصه التقنية وانساقه الحركية ..

من البديهي ان المشرع حينما يصيغ قانونا ما فهو يتلمس الاثر الفاعل والمتحرك لهذا القانون وفق اعتبارات المصلحة العامة وقانون الاحزاب العراقي صيغ على اساس هذه الاعتبارات وحينما نفتش عن هذه الاعتبارات في نطاق الاثار الحركية للجماعات والاحزاب المجتمعية نجد ان الاحزاب السياسية هي اكثر الانساق الحزبية تكيفا مع هذه الاعتبارات وبالتالي فان المشرع يركز صياغته تلقائيا وفق مايتبادر اليه من صورة ذهنية عن خصائص الحزب بوصفه سياسيا وليس مدنيا..

هذه مقدمة…

المقدمة الثانية فيما يتعلق بالاحزاب السياسية تارة نتحدث عن الحزب السياسي بما هو شخصية معنوية خاليا عن أي اتصاف وتارة اخرى نتحدث عنه بوصفه اسلاميا مرة او ليبراليا او علمانيا من زاوية اخرى..

دعونا نتحدث عن الحزب السياسي بما هو متصف فنبحث عن رؤية الاسلام السياسي الى قانون الاحزاب العراقي ورؤية الاحزاب الليبرالية والعلمانية الى هذا القانون..

الذي يجعل النظرة تختلف بين الجهتين أي جهة احزاب الاسلام السياسي وجهة الاحزاب العلمانية والليبرالية الاخرى هناك مفارقات يمكن ان نلحظها في نظرة الجهتين الى قانون الاحزاب وهي:

  • ان الادبيات التي تحكم حركية الاسلام السياسي خاضعة لشروط التكييف الفقهي وفق سياقات الثابت والمتغير او مايسمى بالاحكام الاولية والاحكام الثانوية بينما الادبيات التي تحكم حركية الاحزاب الليبرالية هي شيوع الصبغة البراغماتية فحينما ينتقد الليبرالي مثلا بندا من بنود القانون فهو ينتقده بقدر ما يتيح له من فرص للتنصل عن التزاماته اذا ما تطلبت مصلحته ذلك بغض النظر عن الاخلاقيات او التعهدات او الثوابت المبدئية..طبعا حديثنا هنا بحسب التنظير لا بحسب الواقع الخارجي لانه في الواقع الخارجي قد يكون اسلامي يبحث عن مصالح ويتجرد عن مبادئة وبالمقابل ثمة ليبرالي يلتزم بمبادئ وثوابت ويهمش مصالحه الحزبية او الفئوية……

  • ان ملاحظة التمويل الخارجي الممنوع في مواد القانون مبنية على نظرة قانونية قد تنسجم مع التوجهات العلمانية لكنها قد تلاقي صعوبة مع التوجهات الدينية من حيث كون ان بعض الانشطة التمويلية تستند الى الوظيفة الشرعية للمكلف وبعض الاحزاب الاسلامية تتمحور حول رمز مرجعي معين يستقطب امواله من بعض الحقوق الشرعية التي قد تأتي من مكلفين من خارج البلد وهو ماتقتضيه مسؤولية التقليد الشرعي واسقاط التكاليف المالية وهي التزامات شرعية لايمكن الضغط عليها بالقانون لانه سيشكل ضغطا على الحريات الدينية العامة للاحزاب او المتمولين فيها او القطاعات الشعبية المنضوية في الحزب والتي تقتات بشكل شرعي على مثل هذه الاموال..هذه اشكالية..

مناقشة عامة بعض مواد القانون

بالاضافة الى ما اسلفناه من اشكاليات على مستوى نقاط الضعف في القانون ثمة مشاكل اخرى يتضمنها هذا القانون منها:

  • مشكلة تكييف التفاعل الثقافي بين المؤسسات الثقافية للاحزاب وبين النشاطات الثقافية الاقليمية او الدولية مع ماجاء في الفقرة 2 مادة 49 وماجاء في المادة 50 من القانون وهذه النقطة تعاني منها كل الاحزاب المدنية او الاحزاب السياسية اسلامية كانت او وغير اسلامية..اذن لابد من ملحق نفصيلي وتفسيري للقانون ياخذ بعين الاعتبار هذه المعطيات الثقافية الملحة ..

  • ادبيات الاحزاب الاسلامية تصطدم مع كثير من مواد هذا القانون كيف..باعتبار ان الفكر الاسلامي كفكر كايدلوجيا هو فكر اممي عابر للحدود الجغرافية والحركي المسلم معني بهموم الامة بمعنى لو ان القضية الفلسطينية مثلا تحتاج الى موقف مالي معين او موقف ثقافي معين او حتى موقف سياسي فان ذلك يعد تكليفا حركيا للحزب يحتم عليه المشاركة والمساهمة بتلك القضية والقانون خالي من توضيحات او استثناءات او محددات ومقيدات تأخذ بعين الاعتبار مثل هذه الادبيات وتقننها وتضبطها لا اقل من حيث المقاربة المتناسبة مع سياسات الدولة..

  • القانون معني بتنظيم نشاط الاحزاب ذات الحركية السياسية وخالي من أي نسق يراعي الاحزاب او المنظمات ذات الحركية الاجتماعية المدنية

  • جميع الاحزاب المدنية سواء كان حركية او مهنية لاتمتلك قدرة على تكييف الكثير من مواد هذا القانون سواء من حيث الكوادر التنظيمية او المحددات المالية والجزائية لانها عبارة عن منظمات وسيطة بين المجتمع من جهة وبين اصحاب المشاريع الاجتماعية والثقافية من جهة اخرى كما انها مجبرة على التعامل مع المنظمات الاقليمية العابرة للحدود بمقتضى نشاطاتها الثقافية او الحقوقية باعتبارها حسب الادعاء معنية بالحقوق الاجتماعية والثقافية للناس وبالتالي فان الكثير من مواد هذا القانون لا يمكن ان تتكيف مع توجهاتها المدنية ونشاطاتها المختلفة..

  • هناك اشكالية اخرى لم تراعى من قبل المشرع القانوني وهو ان العديد من الاحزاب السياسية هي ليست احزاب بالمعنى التقني للحزب وانما تيارات اما عفوية او شبه منظمة وهي تشكل قاعدة جماهيرية خلفية للتمثيل السياسي الذي يعبر عن تطلعاتها وبالتالي فان هذه التيارات او القواعد تمارس حراكها الاجتماعي والثقافي والتعبوي والاقتصادي ضمن ادبيات خاصة اما دينية كالاخماس والتبرعات والنذورات والزكوات او تجارية حرة وهي بذلك تشكل رافدا خلفيا لتمثيلها السياسي ..الاشكالية اين الاشكالية هو المواد الجزائية الخاصة بالتمويل الحزبي والانشطة الاقتصادية التي شرعها القانون من جهة هي تتصادم مع تلك الادبيات الدينية ونحن نعلم ان تلك الادبيات هي قيم ايدلوجية دينية من الصعب اخضاعها او تكييفها بقانون مضاد..من جهة اخرى ان القانون لم يراعي هذه الجنبة المدنية في مثل هذه التيارات باعتبار ان القواعد الجماهيرية والنخب التي تتشكل منها هذه التيارات هي قطاعات مدنية ونحن اسلفنا ان القانون كان ضعيفا تجاه الاحزاب المدنية ..

النتائج:…

  • انه يحتوي نقاط قوة ونقاط ضعف

  • انه غير معني بالتفسير والتوضيح في بعض بنوده وفقراته

  • لم يراعي ابعاد وجوانب حزبية جوهرية في صناعة الحركية الجماهيرية والثقافية..

التوصيات:..

تشريع ملحق يراعي الملاحظات التي اشارت اليها هذه الورقة من حيث التفسير والتوضيح من جهة ومراعاة المبادئ ذات الابعاد المدنية والثقافية والايدلوجية للاحزاب والحركات على مختلف توجهاتها..من جهة اخرى