الديموقراطية في العراق بين شرعنة الطائفية والفساد أو مجابهة البلطجة والابتزاز؟
10 مايو, 2018 | 11:51 ص - عدد القراءات: 9 مشاهدة

شبكة الموقف العراقي
بقلم : تيسير عبدالجبار الآلوسي.
تسعى الشعوب بكفاحها لمزيد خطى تتقدم بها إلى أمام.. إنها طبيعة قوانين التطور الإنساني. وقواها التقدمية التحررية ترسم برامج التغيير والتقدم على وفق الظرف المخصوص للبلد وما يتحكم بمساره داخلياً وخارجياً دولياً في زمن العولمة وضغوط متداخلة من شتى الاتجاهات. ومثل تلك البرامج النضالية على سبيل المثال تتخذ طابع العمل البرلماني حصراً مثلما في بلدان أوروبا، حيث مستويات التقدم والنمو المتقدمة ودرجة الاستقرار المجتمعي وفرص التقدم بإطار تلك البلدان، وطابع الهوية وما تتيحه ضمانات الحقوق والحريات من أسقف التغيير سلمياً ديموقراطياً…
لكن، هل تنطبق فكرة التعويل على الاستراتيجيات التي تمارسها القوى السياسية التقدمية بدول أوروبا على ما ينبغي أن تتخذه قوى التنوير والتحرر في بلدان التخلف بآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية؟ هل ستسمح القوى المافيوية، بما تمتلكه من بلطجة ميليشياوية واستغلال للسلطة، أن تُمارس مهام التغيير السياسي وتلبية تطلعات الشعوب بذات الأساليب التي تجري بالديموقراطيات الغربية؟
مبدئياً وللوهلة الأولى تأتي الإجابة بالرفض؛ وبأنه من الدجل والضحك على الذقون أن يجري تمرير أساليب العمل السياسي بذات النهج الجاري في بلاد ترسخت فيها قيم الديموقراطية عبر قرون…
فكيف بنا ونحن نتحدث عن نُظم ببنى اقتصا سياسية متخلفة ونهج ظلامي، لا ينتمي لعصرنا بل إلى ما قبل الدولة الحديثة حيث اجترار الطائفي بأدرانه والاحتكام لسلطة مافيوية ميليشياوية تنتهك الحرمات وقيم الإنسانية حد إحياء منطق العبودية واسواق النخاسة!؟
وفي النموذج العراقي، نقرأ أوضاع نظام وُلِد غب تغيير راديكالي خارجي وقع بظروف غير مؤاتية لإشادة بديل يتلاءم وتطلعات الشعب.. فما تحكّم بالمشهد تمثَّل في فرض شخوص بلا دراية تفي لممارسة إدارة دولة ذات خلفية معقدة التركيبة؛ فضلا عن هوية تلك الشخوص وعجالة تشكيلها أحزاب تجتر أسوأ ما تركه الزمن الغابر من تشكيلات وأردأ ما أفرزته مرحلة تشكيل الدولة الحديثة يوم كان تنشط بين الفينة والأخرى قوى هامشية، مُعتاشة على منطق الجهل والتخلف والأميتين الأبجدية والحضارية…
فنشأت سلطة استغلالية طفيلية، نهجها يقوم على تمرير خطاب طائفي متخلف، دفع بكل منطق الخرافة ليلف أوسع جمهور حوله ويشاغلهم بعيداً عما أودت سياساته الاقتاصدية والاجتماعية من مآسٍ وكوارث..
فقد تعطلت الصناعة وتمّ تخريب الزراعة وبارت الأرض وجفَّت الأمواه من من كثير من مجاريها وحتى رافدي البلاد انهار فيهما منسوب المياه إلى أدنى نسبة تاريخياً وبات التصحر سيد المشهد بعد نضوب المياه وزوال أشكال الغابات من الأشجار المثمرة كالنخيل ومن كل أشكال الخضرة والنماء…
وصار العراق أحادي الاقتصاد (الريعي) فتفشَّت جرائم النهب والسرقة؛ بمستويات عدّتها مؤسسات المقاييس الدولية الأعلى عالمياً حد وصول درجة الدولة الأكثر فشلا بمعنى وصول حافة الانهيار والتفكك حيث إلغاء هوية شعب وشرذمته لا على فضاءات التشرد واللجوء بل على كانتونات فتحت أسواق نخاسة واتجار بالإنسان في ظروف من الابتزاز سحقت إنسانية الإنسان!
ذلكم هو نظام ((الطائفية الكليبتوقراطي)) وسماته وطابع جوهره وآليات اشتغاله.. ولقد ساهم في اللعبة العبثية الأخطر في التاريخ الإنساني تحالف يتبادل الأدوار من قوة سياسية جرى تنظيمها في حركات وتيارات التشويه السياسي وبمأسسة ما يُسمى الكهنوت الديني بما بثه من سموم التضليل الذي ما أنزل الله به من سلطان لأنه مجرد اجترار خرافة ومنطقها وطروحات الزيف فيه، لا استدعاء دين مما لا غلو فيه ولا تأويلات وتحريفات تشرعن قشمريات الكهنوت المصطنع ودجله…
ولقد وصل الشعب إلى حال من التشظي بانقسام مفتعل مصطنع بين معتقني الدين الواحد حيث تخندقات شيعة سنّة ومسلمين وغير مسلمين؛ جرى بظلالها ارتكاب أوسع الجرائم وأكثرها خطورة تصفوية من بشاعات لم تكتفِ بالاغتيالات التي طاولت العلماء والعقل الوطني التنويري بالتوازي مع سحق الطبقة الوسطى، فاندفعت أكثر حيث جرائم إبادة جماعية بحق المجموعات الدينية والقومية من المسيحيين والمندائيين والأيزيدية وكثير غيرهم! فضلا عن جرائم التغير الديموغرافي من تقسيم المناطق والمدن والضواحي وارتكاب التطهير العرقي القومي الديني المذهبي فكان جريمة جديدة أخرى من جرائم التهجير القسري والنزوح..
فتوصل المافيويون لتكريس نظام هذه المرة ما عادوا بحاجة لتشغيل من يسمونه مرجعيات دينية وهي مجرد رجالات كهنوت مزيف يستكتبونهم فتاوى مارسوها طوال 15 سنة عجافا من التجهيل واستغلال الخرافة ونهجها.. هذه المرة مع تنامي الوعي وعودة الروح الوطني شمّروا عن سواعدهم لتشكيل واجهات جديدة تتسمى بالمدنية وحتى أنها تحمل برامج منسوخة من العلمانيين الديموقراطيين لتقديمها بديلا لوجوه السنوات العجاف السابقة وادعاء اتعاظهم واتخاذهم طريق (الإصلاح)!
وكي يستمر النظام الذي تمّ تكريسه، أعلنوا أنهم يستجيبون لمطالب الشعب في ممارسة الانتخابات (الديموقراطية)! وبالحقيقة يستطيع أي متمعن ذو بصيرة أن يكتشف اللعبة العبثية كيف يديمونها لمواصلة سطوتهم وتربعهم على كرسي السلطة (الغنيمة)…
أما شكل اللعبة (الديموقراطية) فهي على طريقة مخاطبة الشعب تريد أرنب خذ أرنباً، تريد غزال لن تأخذ سوى الأرنب إياه.. إنهم يديرونها بشكل سافر فتصريحاتهم ليل نهار إنها غنيمة أخذوها وبعد ما ينطوها ولهذا فهم لا يستحون من تشريع قوانين مفصلة على مقاسهم لإعادة إنتاج وجودهم..
فقانون الانتخاب لا يسمح سوى بتمرير بضع كراس هي موالح التنويع بقصد الشرعنة من جهة ومزيد إذلال حيث يقولون هؤلاء أصحاب الأيادي النزيهة لم يحصدوا سوى الفتات وما لا يسمح لهم برسم النهج أو التأثير في سلطتهم وتوجهاتها…
والهيأة (المفوضة) المشرفة على الانتخابات هي حصص لهم وتدار بالطريقة التي تلبي ما يوجه مخرجات العملية الانتخابية إذا ما جاءت بنتائج غير مرغوبة لهم، إنها إدارة شكلية تطبق القوانين المصاغة على المقاس…
الهيأة التشريعية مقصورة على مجلس النواب والنصف الآخر ممثلا بمجلس الاتحاد عليه حكم وقف التنفيذ حتى يتفرغوا به بصياغة تستجيب لتمكينهم من اللعبة…
وتطبيقات الأداء الانتخابي اختاروا دائما ولكل ممارسة ما يعينهم على الأداء بصورة تتلاءم والمخرجات التي يرغبون فيها… سواء بطريقة الأداء أم بما يتيحونه للشعب من خيارات…
لاحظوا معي: أحزاب دفعت بوجوه جديدة وبمسميات (أحزاب) مدنية، وهي بالعشرات، يعرفون أنها لن تحقق شيئا سوى تشتيت الصوت المدني الديموقراطي وتصيّده بالمخادعة وبالنهاية يكون رصيد هؤلاء سواء من مقاعد أم أصوات مقترعين بخدمة توجيهات ىمراجعهم السياسية الطائفية ذاتها.
الأنكى وأبعد من ذلك أن مرجعاً طائفيا آخر احتفظ لنفسه بمسافة عن التشكيل (المدعي) مدنيته فهو صاحب القدسية والعصمة ومهمته الدعم من خارج الأداء الحزبي.. فحزبه كما يصورونه للناخب وُلِد مستقلا عنه وهو لا يمارس سوى المباركة والدعم بجمع السلطتين (الدينية) و (السياسية) وإمعاناً في ادعاء الطابع (الوطني والمدني) مرَّروا اللعبة بالتحالف مع العلمانيين الديموقراطيين!
وبجميع الأحوال فلعبة الطائفية تقول لقوى البديل العلماني الديموقراطي أما تخضون لقوانين نظام الطائفية الكليبتوقراطي وتأتون زاحفين راكعين أو تتعرضون للبلطجة والتصفيات، وأنتم من سيوصل رسالتنا هذه إلى الجمهور وهم بهذا التحالف القهري مع قوى البديل يكسبون شرعية لأضاليلهم ولإيهام الناس واستراتيجيا لإعادة إنتاج نظام الاستغلال الظلامي ومن جهة أخرى يُبعدون الجمهور عن البديل لأن الجمهور يبقى متردداً تجاه بديل دخل بتحالف خلط الأوراق فساهم في إرباك خريطة التغيير من جهة ووقع بقيود تجاه نقاء الصوت حتى أضعف قوته وفرصته في التصدي للنظام من داخله في ظل خطاب المهادنة..
لقد أدرك العراقيون من تجربة الـ15 سنة العجاف، أن تطلعاتهم لن تأتي إلا بالتغيير الجوهري وليس بترقيعات إصلاحية جوفاء في حقيقة ما تقدمه.. فلقد خضعوا طويلاً لخديعة نظام الطائفية الكليبتوقراطي، ولجرائمه من نسبة الفقر والبطالة إلى التهجير والنزوح والتغيير الديموغرافي وحتى إفساد وجودهم الإنساني؛ وهذا وغيره من جرائم جرى ارتكابه مرةً بالتضليل ومنهج الخرافة وغسقاط القدسية المزيفة عليها، وفي مرات أخرى بالبلطجة الميليشياوية.. فكيف يتحقق التغيير المنشود إذن؟
إنّ اللعبة الانتخابية المشوهة والمفرغة من معانيها وهي البعيدة عما يجري في بلدان التقدم يمكن استثمارها منصة احتجاجية من داخل النظام، شريطة ألا يجري تشويه قوى البديل الديموقراطي بتحالفات تضع الناخب في حيص بيص خلط الأوراق وتشويه البديل وشريطة إدراك متطلبات المرحلة من وحدة قوى الديموقراطية كافة ومن حركة احتجاج تُمارَس بصواب خطتيها الاستراتيجية والتكتيكية وتتنامى في خطاها بعيداً عما تجابهه من ألاعيب احتواء مثلما جرى يوم نزل جناح طائفي كان أثره البعيد فصم الجمهور عن الالتحاق بقوى التنوير والإبقاء عليه مأسورا محجورا بين فكي الظلاميين الطائفيين ونشر الاحباط والتيئيس ….
الأمر الآخر يكمن في كسب التضامن الدولي الأممي لتغيير التشريعات واستكمالها بسلامة وضمان الأداء بما يتقدم خطى نحو نزاهة العملية، أي بما يحمي أصوات الناخبين من السرقة أو التجيير لمآرب قوى الطائفية…
لكن بجميع الأحوال تبقى الحركة الاحتجاجية ونضالاتها هي المعول الأساس في الوصول لتلك المكاسب التي لن تُمنح هدية من قوى الاستغلال الطائفية المافيوية..
وهذا يتطلب:
كسر صنمية المرجعيات المزيفة من الكهنوت الديني السياسي..
فضح لا منطق الخرافة ودجلها وتحرير العقل الجمعي من أسرها.
الامتناع عن إيهام الشعب بأن اللعبة الانتخابية الراهنة المشوهة يمكن أن تكون طريق التغيير في ظل تشوهاتها.
اختيار تحالف قوى التنوير بعناية ودقة وسلامة وتجنب أي شكل للتنسيق والتحالف مع أجنحة الطائفية كافة بلا استثناء.
تعريف الجمهور بقوى التنوير عبر وحدتها وبرنامجها وشعاراتها.
إيصال رسالة قوى التنوير واضحة بأنّ الانتخابات الراهنة ليست سوى منصة لا يُخشى من عدم صعود حجم مناسب لقوى التنوير، فهي قوى تدرك أسس رسم اللعبة وتزييفها…
إن لم تأخذ قوى التنوير من الجمهور المضلَّل فليس صحيحا توريط الجمهور الذي أدرك طابع اللعبة بتجربة السنوات العجاف.. وليس سليماً أبداً، ابتزاز هذا الجمهور وتخويفه من أي قرار يتخذه من قبيل المقاطعة على سبيل المثال.