
نهاد الحديثي
اكد ممثل المرجعية الدينية العليا خلال خطبة صلاة الجمعة التي اقيمت في الصحن الحسيني الشريف ان الاصلاح الاخلاقي والتربوي عند الفرد والمجتمع يمثل من ابرز الاصلاحات المهمة التي اراد الامام الحسين عليه السلام ان يحققها من خلال ثورته ومبادئه وسيرته
وقال الشيخ عبد المهدي الكربلائي ان لدينا نقطة خلل ازاء تقيمنا واهتمامنا وعنايتنا بالعملية التربوية والاخلاقية - ولفت الى وجود عملية للتعليم الاكاديمي بمختلف الاختصاصات المتعددة الى جانب وجود عملية وصفها بالحساسة والخطرة تتمثل بالعملية التربوية والاخلاقية لدى المجتمع – واضاف ان الانسان لديه الكثير من الطاقات والامكانات والثروات وامور اخرى، الا انه في حال لم يتم توجيهها وفق الوجهة الاخلاقية والتربوية الصحيحة يتعذر عند ذلك الوصول بتلك الطاقات والامكانيات الى تحقيق الهدف في الحياة وهو السعادة والاستقرار والراحة والتفاؤل - وبين الكربلائي ان الجميع يمتلك تلك الطاقات والامكانات الا ان من الضروري التعرف على طرق توظيفها وتوجيهها واستعمالها للوصول الى البناء وتحقيق الخير والسعادة في المجتمع، مستدركا ان هذا لا يأتي من العلوم الصرفة البحتة ولا يتأتى من الطاقات والامكانات لوحدها مهما امتلك الانسان من علوم وثقافات وقدرات من دون ان تكون هنالك ضوابط اخلاقية وتربوية - واشار الى ان الكثير ممن يمتلك التقنيات والعلوم المتطورة والافكار والثقافات تراه مصدر شر ونقمة على المجتمع بدلا من ان يكون مصدر خير كونه لم يوجهها وفق الوجهة الاخلاقية والتربوية الصحيحة
واوضح ممثل المرجعية الدينية العليا ان الانسان اجتماعي بطبعه ولا يمكن ان يعيش بمفرده بل انه يحتاج الى الاجتماع والتعايش والاختلاط مع الاخرين من اجل ان يتمكن من أداء وظيفته في الحياة - وبين ان هذا الاجتماع والتعايش بين الفرد والاخرين تنشأ منه علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية، مبينا ان هذه العلائق ان لم تنضّم وفق اسس اخلاقية وتربوية صحيحة لا يمكن ان تكون منتظمة ومستقرة
ويرى الشيخ الكربلائي ان هذه العلاقات لابد ان تؤدي الى الانسجام والأُلفة والمودة والتعاون لتحقيق الاهداف المرجوة، وبخلاف ذلك تسودها العداوات والإحن والبغضاء والنزاع والصراع وتتحول حياة الانسان حينها الى شقاء وتعاسة، داعيا الى ضرورة وجود محددات وضوابط وقيود لهذه العلاقات لبناء الحياة الصحيحة للفرد والمجتمع.-وبين اننا نعيش الان في عصر ينتشر فيه الكذب والخداع والتضليل وبالخصوص التضليل والكذب الاعلامي والسياسي الذي وصفه بالخطر، فضلا عن انتشار الغش والتدليس والاستغلال وانعدام الامانة والاعتداء بالقتل والتهجير بين أبناء العشائر لأسباب تافهة وبيع المناصب وشراء الاصوات بالمال، الى جانب انتشار حالات الاختلاط المنحرفة بين طبقة الشباب والشابات كاقامة الاحتفالات في أماكن عامة يسود فيها الاختلاط وبعض الممارسات غير المقبولة اخلاقياً وبالعلن.
وحذر ممثل السيد السيستاني من حصول الانهيار الاخلاقي وموت القيم والمبادئ السامية والضمير الانساني نتيجة انتشار هذه الممارسات وفي ظل غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومع انقلاب المعروف منكراً والمنكر معروفاً والحق باطلاً والباطلُ حقاً، الى جانب عدم وجود تحرك سريع وفاعل لتدارك هذه المخاطر- وانتقد حال البلد الذي تتقاذفه موجات الفساد المالي والاداري وسوء الادارة وانتشار ظواهر الفساد الاخلاقي بين شبابه وشاباته بسبب سوء الاستغلال لمنظومات التواصل الاجتماعي وغيرها، فضلا عن اضطرار المواطن في الكثير من الاحيان دفع المال لانجاز اموره ومعاملاته في الكثير من دوائر الدولة
ولفت ممثل المرجعية العليا الى ان عملية التعليم في مدارسنا وجامعاتنا لا ترافقها ولا يتزامن معها عملية الاهتمام بالعملية التربوية والاخلاقية، منوها الى ان الاهتمام والعناية بتعليم العلوم الاكاديمية التخصصية مطلوب لانه من دون تلك العلوم لا يمكن للحياة ان تتطور وتزدهر- واوضح ان الخلل في عدم التزامن والترافق بين الاهتمام والعناية الكبيرة بالعلوم الاكاديمية التخصصية وبين الاهتمام والعناية بالعملية التربوية والاخلاقية لأطفالنا وشبابنا وشاباتنا، وغياب هذا الاهتمام والعناية عن ساحة المدارس والجامعات والمؤسسات وغير ذلك من الجهات المعنية بهذه الامور- واكد ان من المهم جداً اذا اُريد لكل شعب ان يستقر ويتطوّر ويكون مجتمعه انسانياً بكل ما للإنسانية من معنى ان يحقق التزامن بين العملية التعليمية الاكاديمية التخصصية والعملية التربوية الاخلاقية
ويرى خطيب جمعة كربلاء ان الاهتمام والعناية بتعلّم العلوم والثقافات والمعارف يجب ان يماثلها اهتمام بنفس القدر او ربما اكثر منه بالعملية التربوية الاخلاقية للفرد والمجتمع-وحذر من اهمال العملية التربوية والاخلاقية كونها تتسبب بالانهيار الاخلاقي للمجتمع -ودعا الى ضرورة وجود تحرك مجتمعي وحكومي واعلامي واسع وفاعل وتحشيد كل الطاقات والامكانات لحفظ قيم المجتمع العراقي الاصيلة وصيانتها من الانحرافات الاخلاقية التي تنذر بعواقب حالية ومستقبلية خطيرة
ماحدث في العراق ولا زال يحدث هو مخطط مدروس من قبل جهات كثيرة تريد تفتيت وتخريب المجتمع العراقي بكل مكوناته ومرتكزاته وبجهات مختلفة ومنها المرتكز الاخلاقي، فما أن تم احتل العراق حتى بدأت تظهر في الشارع العراقي الكثير من الأمور التي لا نبالغ أن نقول أنها كانت قليلة أو معدومة ومنها على سبيل المثال المخدرات والتي كانت غير موجودة في المجتمع العراقي بل يكاد يكون المجتمع العراقي قبل الاحتلال ينفرد بنظافته من المخدرات التي غزت وانتشرت في الكثير من المجتمعات العربية --- ومن صور الفساد الأخلاقي التي نشرها الاحتلال وذيوله هو وجود كثير من الصور الفوتوغرافية التي تدعو للتحلل الأخلاقي والفساد منتشرة على أرصفة الشوارع وخاصة في منطقة البتاوين ومنطقة الباب الشرقي وسط وشرق العاصمة بغداد إضافة إلى مجلات وافلام واقراص تدعو لإثارة الفساد والرذيلة بين صفوف الشعب - أما خطف البنات والنساء في عراق ما بعد الاحتلال فأصبح يشكل خطرا كبيرا على المرأة والعائلة العراقية وتوجد لهذا الغرض عصابات مخصصة ومدربة لهذا الغرض فقد أعلنت (منظمة حرية المرأة العراقية) أن أكثر من 3000 امرأة خطفن في العراق منذ الاحتلال /نيسان 2003هذه الاختطافات التي يهدف مرتكبوها إلى إحدى هدفين إما الفدية التي تطلب من الأهل أو الزوج، أو الاتجار بالمرأة وتحويلها إلى سلعة جنسية رخيصة. فقد انتشر في أنحاء العراق ظاهرة ما يسمى بـ"الاتجار بالرقيق الأبيض أو الاتجار بالجنس" وقد قال أحد المهربين لصحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية إن تجارة الرقيق الأبيض تشهد رواجا على الحدود العراقية، مشيرة إلى أن بين الضحايا خريجات جامعيات. حيث تقوم شبكات غاية في التعقيد بترغيب البنات وإيهامهن بالعمل في دول الخليج والحصول لهن على تأشيرة وعقد عمل أو عن طريق الزواج والسفر بهن إلى هناك ليتم الضغط عليهن في ديار الغربة وإجبارهن على الانصياع لغاياتهم، وهذا حدث مع الكثير من الفتيات العراقيات " وتقوم تلك العصابات بخطف النساء والفتيات والأطفال حيث يتم اغتصاب بعضهن، ويتم بيع الشابة العذراء بـ (10000) دولار للواحدة أما غير العذراء فتباع بمبلغ أقل، ومقر هذه الشبكة التي تستلم الضحية قبرص ومن هناك تتم عملية التوزيع حسب الطلب. لقد فرض هؤلاء سيطرتهم على الكثير من فتيات ونساء العراق اللواتي يمررن بوضع اقتصادي سيء، وذلك بعد أن أغلقت جميع الأبواب
أمامهن "حيث عمدت أكثر الدول الأجنبية إلى منع منح تأشيرات الدخول للعراقيين بحجة أن العراق أصبح حراً الآن بعد سقوط النظام "، واللاتي يلجئن إلى إحدى العصابات المستترة وراء إعلانات للعمل في المجال الفني أو عارضات أزياء، ويتم إيداعهن الشفق المفروشة أو حبسهن في الفنادق ويتم بعد ذلك استغلالهن لإغراض غير شريفة , ومن يقف وراء ذلك هو من له مصلحة في تدمير بنية المجتمع العراقي بكل نواحيه
ومنذ 2015 صار مصطلح (الاصلاح) يجوب مساحات واسعة في بلادنا، بكثير من اللقاءات والفعاليات السياسية داخل البرلمان، في الاحزاب كافة، في مظاهرات ساحة التحرير وشوارع المحافظات ، في مجلس الوزراء، في الصحافة بأصنافها جميعاً. لكن هذا المصطلح ظل بمثابة علّة سياسية فوق اجسام العلل الكثيرة الناتجة عن فوضى السياسة العراقية اوالفوضى الخلاقة بعد الغزو الامريكي عام 2003 ، عصفت وتعصف بكل شيء في بلادنا. مما جعل جميع دعاة الاصلاح او الاعمار يحسون بالفراغ ويدركون فضاء واسعاً يواجهون فيه حالة من الهلع والضياع ، خاصة وان الهلع يأتي من درجات الخراب الكبير في المؤسسات الحكومية ، في المعامل والمزارع والحقول والجسور والسدود والانهار والمدارس والجامعات والسكن والطرق والمواصلات . اضافة الى ذلك عظم الخراب والفساد المالي والاخلاقي والنفساني، الذي اصاب شخصيات موظفي الدولة، كبيرهم وصغيرهم ، حتى صار البؤس واليأس ، بغاية العظمة، في اعماق حياة الجماهير الكادحة خصوصاً والمتوسطة عموماً
الفوضى عصفت وتعصف بكل شيء في بلادنا.. من اعمار البنايات والمدن والطرق والمؤسسات المهدمة الى تعديل الدستور واعادة النظر بتقويم السلطة القضائية.. والمشاكل المتفاقمة بين مجالس المحافظات والحكومة الاتحادية و معالجة العلاقة المتهاوية بين السلطة الاتحادية وسلطة اقليم كردستان و تحسين اساليب اختيار الوزراء والسفراء والمدراء والقناصل وقادة الجيش العراقي والشرطة الاتحادية و حماية اسس المال العام ونظام الميزانية العامة للدولة وانظمة الضرائب وغيرها.
بصراحة يمكن القول ان (الاصلاح) لا يتم بالكلام المنمق والخطب الرنانة بظل توتر بالغ المستوى بالشارع العراقي وبعلاقات السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، التي تحوّلت عواطفها وقراراتها واجراءاتها الى اساس نموذجي في التوتر العام والى منصات لإطلاق قاذفات التوتر في الكيان السياسي العراقي كله
من الصعب جدا الحديث عن علم الإصلاح وعمّا يمكن أن يقوم به (المصلح) عندما لا يستطيع فهم حقيقة العمل الاصلاحي وعندما لا يمتلك (المصلح) غاية مثلى، غاية بنيوية لما يريد ان يفعله من اجراءات اصلاحية ، يجد نفسه جالساً في قصر فخم ويشعر ان الجو المحيط به صاعق يحيله لقائد عاطل عن العمل - الخليفة المأمون لم ينتظر أحداً ولا شيئاً، لكنه وجد أن إصلاح أمر البلاد والعباد يعتمد البدء بتغيير نظرة الانسان ببغداد إلى حركة التغيير وعمل على ترجمة افكار وعلوم وفلسفة الناس الآخرين في بلدان أخرى وقد حقق خلال فترة قصيرة معجزة اصلاحية كبرى وطفرة واسعة بترجمة اعمال اليونان والسريان
الشخص الذي اخترع العجلة في العراق قبل ستة الاف سنة لم (ينتظر) شيئا او موقفا او رأيا من إله او ملك او مجموعة كتلوية ، لكن (فعله) بصنع العجلة اصلح كل شيء صناعي و زراعي . استطاع أن (يغيّر) كل فعل من افعال الصناعة والزراعة من ذلك اليوم حتى الآن وإلى الازل ، لأن هذا المخترع كان وثيق الصلة بإصلاح الواقع - والشخص الذي اخترع الساعة المائية قبل 800 سنة لم (ينتظر) توجيهاً أو دعماً أو موافقة ، لكنه (فعل) ما ينبغي فعله بالتغيير والتحسين بنظر الانسان الى الوقت والزمان حتى صارت الساعة موجودة بكل يد وفي كل غرفة وإلى الأزل ، أيضاً --- ونحن نبكي اطلالنا وفقدنا قيمنا واخلاقياتنا بين مطرقة المصالح الخاصة و سندان الفساد