عادل عبد المهدي... ولادة من الخاصرة لكابينة وزارية هرمة.
أحمد صادق المندلاوي*

 

وأخيراً تشكلت الحكومة, إبتهج الكثير من العراقيين بولادة حكومة جديدة بعيدة عن المحاصصاتية والمصالح ولكن كابينة عبد المهدي فاجأت الجميع.........

إن المتابع لما حدث في جلسة مجلس النواب العراقي والتي كانت مخصصة لمنح الثقة لوزراء كابينة عادل عبد المهدي وتحديداً فيما يخص الأسماء التي تم التصويت عليها يرى بأنها كابينة مرتهلة يتزعمها كهول في الجوانب المجتمعية لا السياسية.

عادل عبد المهدي بعد أن طرح منهاجه الحكومي الذي لم يختلف عن ما ذكره سلفه حيدر العبادي , والذي يركز على نقاط أبرزها:

 

1- رفض الدولة العميقة.

2- إنهاء الفوضى وإنتشار السلاح.

3- لن يكون العراق ممراً للإعتداء على دول الجوار.

4- تقليل السيطرات الأمنية وفتح المنطقة الخضراء.

5- تعهد بتحسين الطاقة الكهربائية خلال عام 2019.

أي شخص يعيش في هذا البلد ويعي أوضاعه حينما يرى هذه الأمور يصاب بحالة هستيرية تشوبها نوبات دوار , هل رئيس الوزراء عراقي؟ وهل يعلم بما آلت إليه اوضاع البلد؟

لنأتي تباعا لما حاول التعهد به فقضية الدولة العميقة يقيناً رئيس الوزراء الجديد يجهل ماهيتها وإن كان قد يعرف أركان هذه الدولة, فيما يخص قضية انتشار الأسلحة فهذا الأمر خارج عن السيطرة تماماً ولا يستطيع اي شخص أن يقضي على هذه الظاهرة, وقضية العراق لن يكون ممراً  يقصد بها الجارة ايران في إشارة خجولة على ان الحكومة لا تريد خسارة الإثنين معاً, اما قضية فتح المنطقة الخضراء فهي قد اصابتني أنا بالدوار والدهشة هل حكومتنا قوية لدرجة مجابهة السفارة الأمريكية؟ التي ترفض بشكل قاطع فتح هذه المنطقة.

أما قضية تحسين الكهرباء فهي من أبرز الشعارات الفارغة لجميع رؤساء الوزراء في العراق.

 

كان أما عبد المهدي خيارت عدة قبل التمكن من تشكيل هذه الحكومة ولعل من أبرزها الحفاظ على التوازن بين رغبات الكتل السياسية ورغبات القوى الشعبية المتطلعة للإصلاح, هذا الخيار في حقيقة الأمر ليس هيناً والخروج بكابينة وزراية تلبي طموح الجميع يحتاج لتوافقات عدة وتنازلات عدة من جميع الأطراف.

 إذ إن تقديم كابينة كاملة دون تأخير، ومن خارج الكتل السياسية يعطي مؤشرا واضحا على اختياره طريق الإصلاح وتبينه خيار الشارع العراقي, وهذا ما كان يتوقعه الكثيرون بناءً على ماأكد عليه عبد المهدي مسبقا, ولكن ماحصل من خلال طرح أسماء بدى الكثير منها أختير على أساس محاصصاتي توافقي وبإملاءات من كتل كبيرة معروفة في البرلمان الجديد في مؤشر على إنه اراد أن يوازن في الخيار الذي بيناه مسبقاً حول إرضاء الكتل السياسية والقوى الشعبية, ويبدوا إن هذا الأمر قد نجح فعلا ومنحت الثقة لكابينة عبد المهدي التي تألفت من 14 وزيراً وبقاء باقي الوزرات لحين الاتفاق بين الكتل على أسماء معينة؟ مع العلم مسبقاً بأن عبد المهدي تعهد مسبقاً بأنه سيختار هذه الكابينة من اشخاص مستقلين بعيدا عن تأثير القوى السياسية. وتم تأدية القسم لكل وزير القسم الذي يعلم المواطن العراقي بأنه لن يتحقق منه شيء وكيف يمكن للمواطن أن يحصل على شيء من أناس خلقوا لكي يكونوا سراقاً أو مجبرين على هدر وسرقة المال العام ارضاءً للكتل التي رشحتهم.

من خلال الإطلاع على أسماء الكابينة الوزارية التي تم التصويت على جزء منها، والسير الذاتية وعلاقة تلك الأسماء بالكتل السياسية، أتضح أن تنازل تلك الكتل عن استحقاقها الانتخابي في إعطاء الحرية لإختيار الوزراء من قبل عادل عبد المهدي مجرد شعارات، وأتضح أيضا إصرار الكتل على فرض مرشحيها في الكابينة الوزارية, كذلك فإن اختيار عبد المهدي لعناصر كبيرة في السن واهمال فئة الشباب في هذه الكابينة وإختيار اشخاص قد لا تتناسب اختصاصاتهم مع الوزارة التي اوكلت لهم, في حين إن هناك الكثير من الطاقات الشبابية والتي تحمل شهادات عليا وذات كفاءة كبيرة ورغم ذلك لم يعمد إلى تمكين هذه الفئة المهمة التي تستثمر في الإنتخابات فقط في مشهد يكرس حجم الاستغلال لهذه الفئة المغبونة.

كما أن التأخر في إعلان ملامح الخارطة الوزارية وعدم الكشف عن مسار المفاوضات وتسمية الشخصيات وطريقة الترشيح الإلكتروني التي قدم عليها الالاف من الكفاءات والتي لم تكن إلا واجهة دعائية، تشير بأن السيد رئيس الوزراء سيواجه واقع سياسي معقد، إذ كان من الأفضل أن يأخذ وقته ليتعامل مع هذه الإشكاليات الحساسة مع القوى السياسية بمهنية وجدية لإقناعها بضرورة مصالح القوى الشعبية وتقديم كابينة كفوءة ورصينة، لأن الأمر يتعلق بأختيار شخصيات وزارية يكون على عاتقها خدمة الصالح العام، لكنه أضطر إلى إرضاء الكتل السياسية. هذا الإرضاء الإضطراري يقدم للرأي العام انطباع حول الجدل الحاصل في الأوساط السياسية، والذي قد يؤشر علامات ضعف وأزمة بين رئيس الوزراء ومجلس النواب في هذه الدورة التي ستتجسد بالضغط المتبادل لفتح ملفات فساد أو سوء إدارة أو مؤشرات نزاهة ومساءلة وعدالة لكل طرف ضد الطرف الآخر. 

كيفما كانت الأسباب التي تقف وراء هذه الإشكاليات التي حصلت بجلسة منح الثقة للحكومة، فإنها تعكس بحسب الأوضاع نوعية الصعوبات التي بدأ عبد المهدي يواجهها، وتكشف هشاشة القاعدة السياسية التي تدعمه بالرغم من وجود أغلبية ساحقة في البرلمان أيدت تكليفه، ويؤشر أيضا إلى أن سحر البداية الذي أحاط بأجواء تكليفه سيتبخر لاحقا وسيفقده من القدرة على الاستقطاب الحزبي إذا لم يؤمن مصالح الأحزاب، والذي سيؤثر على النجاح في تطبيق برنامجه ورؤيته في رئاسة الحكومة، مما يؤثر سلبا على الاستقطاب الشعبي, إذ كان من المؤمل تقديم كابينة وزارية تحمل في طياتها معايير الكفاءة والإستقلالية ولكن ما حصل ينذر بأن هذه الحكومة لن تكون كما حلم بها الكثيرين ممن يسيرون وفق رؤية شعبوية ( بلكت ) والحقيقة بأن هذه الخلافات وسياسة الإملاء من الكتل الكبيرة ينذر بأن هذه الحكومة ولدت من الخاصرة ولادة متعسرة مترهلة سيكون عملها بائساً وضعيفاً في تحقيق ما يصبوا له المواطن العراقي وبالتالي ستخلق ازمات عدة وضعف في العمل الوزاري وضعف العمل الرقابي وبالتالي قد تصل هذه الحكومة لمرحلة تجعل المواطن العراقي يتمنى العودة لزمن الحكومة السابقة.

وبالتالي نرى بأن المحاصصة السياسية إستراتيجية مألوفة عند الكتل السياسية في العراق، من أجل إحكام القبضة على السلطة، ولهذا تعمل على استمرار غياب الديمقراطية وعدم تجديد وصناعة النخب الوطنية، الأمر الذي يتنافى مع المطالبة بالإصلاح الذي لن يتحقق إلا بالإعتماد على المنطق الحداثي لإسناد الوزارات والمناصب العليا والمسؤوليات والمهام للكفاءات، وليس على أساس الهويات والإنتماءات السياسية.

 

*أحمد صادق المندلاوي

ماجستير حقوق الإنسان والحريات العامة