الرهان
عبد الرازق أحمد الشاعر

 

يمكنك أن تمارس حريتك الحقة حي تتخلى طواعية عنها، وأن تصبح أكثر ثراء حي تزهد في حقك الشروع في مليي الدولارات حتى وإن جاءتك مصادفة أو على طاولة رهان. أما السنوات التي تقضيها بعيدا عن صرخات الجوار وأصوات الباعة الجائلي والوعود الكاذبة والثرثرة مع أصدقاء القهى أو في تجاذب أطراف الحديث مع رفاق الدراسة أو العمل، فل تأس عليها أبدا، إذ يمكنك استبدال التافهي من البشر

بالنابهي من الكتاب والثقفي على مر العصور وبمختلف

اللغات. فالناس تفكر في النهاية بالطريقة نفسها وإن كانوا يعبرون عن حاجاتهم بلغات مختلفة. كما يمكنك استبدال اللذات العابرة بلذات مستدامة مع أشخاص تختار تفاصيلهم بكل دقة في فضاء خيالك الواسع، كما باستطاعتك اختيار الماكن التي تقضي فيها بصحبتهم أطيب الوقات، فتأخذهم في رحلة غوص إلى الكاريبي أوتصعد معهم إلى قمم الهيماليا، وأنت وحدك القادر علىاتخاذ القرار بالنزول إلى السفح للتقاط الجوز أو تقديم السماك للطيور فوق باخرتك الخاصة. ل حاجة في سجنك الختياري لمرأة واحدة، إذ يمكنك اختيار امرأة لكل ليلة بتفاصيل تشتهيها دون أن تلومك إحداهن أو تضع لك السم في كأسك أخرى. يمكنك إذن أن ترهن حريتك الزعومة لتحظى بحرية حقة، حتى وإن على سبيل التجربة. تلكم

كانت رسالة الكاتب الروسي العظيم تشيكوف في قصته الرائعة "الرهان".في بداية القصة، يتحلق حفنة من الثقفي حول طاولة قمار يتجادلون فيما بينهم عن أحقية الدولة في انتزاع أرواح مواطنيها، وهي التي لم توفر لهم حياة كالحياة، كما لا تستطيع أن تمنح الرواح التي تستلها قبل أو بعد السلب، وفيما إذا كانت عقوبة السجن الؤبد أرحم من قص الرقاب دونما شفقة. صحيح أن الرواح تزهق في الحالتي، لكن

الوت السريع ربما يوفر على السجي مئونة انتظاره. كان صاحب صالة القمار ثريا متبجحا، ينظر إلى رفاقه الثقفي نظرة استعلء، لنهم - في نظره - ل يملكون إل الكلمات التافهة ليبرروا عجزهم البي عن تحقيق الثراء مثله. وكان الرجل يدافع عن رأيه بكل حرارة عن أفضلية الموت السريع، ولم يطق جدال صديقه الحامي الشاب الذي أقسم بوكيد اليمان أنه على استعداد للسجن بضع سني على أن يلتف

حبل الشنقة حول رقبته لثانية واحدة، فتحداه بمليوني روبل مقابل أن يبقى في السجن خمس سنوات فقط. لكن الحامي الشاب الواثق من قدرته على تحمل رطوبة الجدران قال في رعونة أنه مستعد لدفع خمسة عشر عاما من حياته مقابل هذا البلغ، ولن أحدا من الختصمي لم يرد أن يتنازل عن حقه في التبجح، وافق الطرفان في حضور ذلك الجمع على

وضع بنود الرهان. مليونا روبل إذن هي الرادف الادي لخمس عشرة سنة من الحبس النفرادي الختياري في غرفة معزولة ومراقبة في ساحة الثري الخلفية. على أن تدخل إلى السجن حاجياته من مأكل ومشرب ومسكر، ورفاهياته من أدوات للعزف والقراءة والكتابة. لكن تظل الصوات الدمية محظورة طوال

تلك الفترة. من حق السجي أن يكتب، لكن ليس من حقه تلقي الرسائل أو التصال بأحد. وفي نهاية الفترة الحددة، يخرج السجي من محبسه ليمارس حقه في مال صديقه، فيتزوج في الربعي، ويمتلك قصرا إن شاء مليئا بالخدم والحظيات. ووقع الطرفان على عريضة الرهان، ثم أخذ الرجل أدواته الخاصة، وذهب إلى ركن صديقه القصي ليجرب حرمانا قاسيا من الحياة التي لم ينل حقه فيها بغير رهان.

كان الحامي الشاب يعلم جيدا أن العمر ليس كلية يمكنك أن تراهن على شبيهتها في الجانب الخر من الجذع، وأن سنوات الوحدة أطول بكثير من عقود مشحونة بالحداث والصور، لكن الرجل لم يكن لديه ما يخسره على أية حال. فقد أمضى من عمره خمسة وعشرين عاما دون أن يحقق نجاحا يذكر. كما أنه لن يستطيع وإن عمل في نحت الجبال فوق الصخور الراسيات تلك الفترة دونما كلل أن يوفر مبلغا

كهذا. ثم أنه ل زوجة له ول ولد، ول صديق تطيب جلسته، وإل لا أهدر وقته مع هؤلء التنطعي من السكارى حول مائدة قمار ليتجادلوا حول أمور ل تسمن ول تغني من قهر. فإذا لم يكن لديك ما تبكي عليه خارج السوار، فأي مقامرة تلك التي يمكن أن تخشاها؟ وهكذا، بدأ الرجل ينظر في بلدة إلى أيام عمره التساقطة فوق بلط السجن البارد، فل يمد يدا ليحاول إنقاذ ما تبقى من سنوات مرهونة بصك يستطيع تمزيقه في أي وقت يشاء. امتنع الرجل عن شرب السكرات طواعية، لنها ستفسد أرادته وتوهن عزيمته. وتوقف عن شرب الدخان حتى ل يفسد

هواء غرفته وقفصه الصدري الذي سيضيق حتما بالوحدة.

ومر العام الول بطيئا ممل، تعالت فيه زفراته الحارة

وصرخاته الكتومة، وأصوات جيتار كان يجيد العزف عليه. لكن تلك الصوات جميعا بدأت تخفت في العام الثاني قليل، فل تسمع للسجي أو للته إل همسا. وفي عامه السادس، انكب الرجل على دراسة اللغات والتاريخ والفلسفة حتى وأن صاحب السجن كان ينفق على كتب سجينه أكثر مما ينفق على شرابه هو. وبعد أربع سنوات، كتب إلى صديقه رسالة خطية بست لغات مختلفة يستعطفه فيها أن يطلع متخصصي من أهل اللغات على ما كتب، فإن لم يجد خطأ

لغويا في أي من تلك الرسائل، فليطلق النار في حديقته مرتي ليعلمه بأن أيامه داخل السجن لم تذهب سدى.

وبالفعل حدث ما تمنى، فطابت سريرته وشعر بالنجاز مما هون عليه غربة السجن وأهله لتخطي ما تبقى من حياة منزوعة الفرحة.

وفي العام الحادي عشر، لم يقرأ صاحبنا سوى الكتاب

القدس، ولم يطلب غيره، لكنه انكب بعدها على قراءة كافة أنواع الكتب في شتى العلوم والداب، فصادف أن يطلب من صاحب النزل رواية لشاكسبير ومعها كتابا في علوم الديان وكتابا في الفيزياء في نفس الرسالة. وهكذا، استطاع الرجل أن ينفق العوام التبقية في ثقافة موسوعية مذهلة جعلت منه

عالا موسوعيا في شتى الجالت. ولكن اليام التي تركت بصمتها القاسية على ملمح الحامي

الشاب، تركت تصدعات بالغة في حياة صاحب الليي

القامر. إذ فقد الرجل ثروته أو كاد في مغامرات غير

محسوبة في سوق الوراق الالية، وصار يحصي ديونه كما كان يحصي ثرواته من قبل. وحي جاء اليوم الوعود، قرر الرابي أن يستل روح سجينه مرة أخرى، فذهب إلى غرفته القصية في جنح الليل، وكانت السماء تهطل فوق رأسه الصلع وكرشه التهدل، لكنه لم يكن ليترك الحامي الشاب يتقلب في نعمائه، بينما يقضي هو ما تبقى من حياته بائسا فقيرا. كان عليه أن يضع حدا لحياة لم تكن كالحياة، عله يستطيع أن يظل واقفا على قدمي من بجاحة حتى آخر رمق. ولا اقترب من زنزانة الرجل وفتحها، لم يحرك الحامي

الشاب ساكنا. كان هزيل حد البؤس، كث الشعر وكأنه

أنثى، أما لحيته التي لم يكن يعتني بتهذيبها، فكانت تتدلى أسفل صدره لتعلن أنه تحمل تكاليف القامة الختيارية بكل تفاصيلها الزعجة، وأنه صار أهل لنيل حريته ومبلغ الرهان. قرر الرابي الجشع أن يجهز على أسيره، لكن فضوله دفعه لقراءة آخر ما كتب. في تؤدة، قرأ صاحبنا رسالة الحامي الشاب التي يعلن فيها تخليه عن حقه في الال، وعدم رغبته في مواصلة الحياة بي أناس لم يعد يرى أنهم أهل لصحبته.

فقد تعلم الرجل في محبسه الختياري أن الوحدة خير من رفقاء طاولة القمار، وأن أوراق الكتب أثمن بكثير من نقود ذلك العجوز. وفي الرسالة قرأ الرجل عن نيه ضيفه في الهروب قبل الوعد الحدد بخمس دقائق حتى ل يضطره إلى دفع البلغ التفق عليه.

أغلق الرابي باب الزنزانة وعاد إلى زنزانته الرحب، وهو يبكي جشعه الذي ذهب به كل مذهب حتى دفعه إلى إعدام الرجل مرتي. وفي الصباح، أخبر حارس السجن أنه رأى السجي يتسلق أسوار سجنه قبل دقائق من موعد استلم الرهان. وعندها أغلق العجوز عينيه وأطلق زفرة حارقة كادت أن تذهب معها روحه الضالة الحائرة.

الفرار من الحياة كان السبيل الوحيد إلى الحياة في عرف الحامي الشاب، والتعالي فوق حاجات الجسد والرغبات الدنيوية التافهة كان قراره الخير. وهكذا انتصر الشاب مرتي، مرة حي اختلى بنفسه، وقرر ترويضها عن طريق المتناع عن التدخي والسكرات، وثانية حي تسامى وتنازل عن حقه الكفول بورقة موثقة بأختام مغلظة وشهود عيان. الفرار من الحياة هو السبيل الوحد للحياة، تلك هي الرسالة القتضبة التي أراد أن يتركها لنا تشيكوف العظيم. وأن بإمكاننا أن نقامر وأن ننتصر في معركتنا الخالدة مع الشهوات والنزوات، وأننا قادرون حي نقرر أن نترك ما في

أيدينا طواعية من حرية ومادة، أن نحرر أرواحنا الضالة من أسرها التقليدي، فنرى ما ل يراه الناظرون. هي رسالة من رجل عرك الحياة حتى ألفها، وعلم منها ما لا يعلمه التلفون حول طاولتها المستديرة، فهرب منها إلى عزلة جعلته مفكر عصره، بل وفيلسوفا لكل العصور.

 

 

 Shaer129@me.com