
كريم محمود صالح الدليمي
معادلة الدولة والصراع في مشروع الشرق الأوسط الكبير .....
الحقيقة العقلانية تنفي وجود العداء والكراهيّة بين الشعوب والأمم , وغالبا ما تنشب الحروب بتدبير من الحكومات خصوصا الطامحة للتوسع وفرض الهيمنة . كما أن التاريخ يشهد على حالة إنسانيّة لم ينتبه إليها إلا القليل جدا من فقهاء التاريخ ومفكري السياسة ؟ وهي أن الإمبراطوريات الكبرى تشكلت على حساب فساد أنظمة الحكم وتعدديّة الدول ضمن إقليم واحد بما يضعفها جميعا , وبما تشكل حالة التشضي من عوامل سيئة وسلبية على الشعوب المتعايشة وتمنع تبادل المنافع والتعاطي الثقافي بينها , بمعنى أن فتوحات الدول الكبرى كانت تسحق الفساد والاستبداد لصالح الشعوب , وتضع عن كاهل المواطن ما كان يدفع من ضرائب متنوعة وقيود تكبّل حريته واستعباده بما كان يعتبر تمهيدا لتقبل الفتح , ذلك ما حصل تاريخيّا في حكم دولة الملك النبي سليمان , وفتوحات الأسكندر المقدوني أو توسع إمبراطورية الأكاسرة المشهورة بعدل ملوكها , ثم ظهور الدولة الإسلاميّة في فتوحاتها الكبرى التي قوّضت حصون الروم وأنهت وجود إمبراطورية كسرى الفارسيّة . مقابل هذا , شهد تاريخ البشريّة أنواع أخرى من الفتوحات الإمبريالية التي تدمر كل شيء وتستهدف البشر والحجر والشجر , مثال الفتح المغولي التتري والغزو الأمريكي في الأجندة الشموليّة بضمنها أدوات الإرهاب والتخريب على اختلاف مشاربها .. مسألة أخرى مهمة أيضا توجب أخذها بنظر الإعتبار تخص تحديد ملامح الأنظمة التقدمية وتفريقها عن الأنظمة الرجعيّة , بدون تحديد طبيعة نمط نظام الحكم سواء كان ملكيا دستوريا أو جمهوريا ؟ الموضوع لا يحتاج الى تسويق أفكار وشعارات خادعة , فالنظام التقدمي يجنح دائما للوحدة بتجاوز العصبيات والخلافات الفكرية والمذهبية ولا يضع معيارا بين الحاكم والمحكوم سوى معيار حدود مسؤولية المواطنة , وهو بذلك يُعد نظاما منفتحا لا يقيّد الحريات ويقيّم البشر حسب دورهم في الخدمة العامة وكفاءتهم العلمية وقدر انجازهم في بناء المجتمع , وهذا النظام يطلق العنان للتطور والبناء وتحقيق العدل والرفاهيّة الاجتماعية وتزدهر في ظله الآداب والفنون والشواهد العمرانيّة . أما الأنظمة الرجعيّة فهي جامدة غوغائيّة تروّج للتطرف والانغلاق , وتفرض على العقول البشريّة قيود فكريّة غالبا ما تكون بالية ومشحونة بالأساطير والأكاذيب التي تمجّد رموز طوطميّة صنميه , ثم تفرض على المجتمعات أن يعبدوها بالتعظيم والتسبيح بذكر الزعماء , وهذه الأنظمة غالبيتها استبدادية تمارس القمع والتنكيل وتصادر الحريات ولا تسمح بالرأي الآخر الى مستوى تأليه الحاكم بوصفه مفوضا من السماء وينوب عن الخالق في إدارة شؤون الخليقة , حتى أن الكنيسة لفترة قريبة كانت تعتبر طينة ودماء الملوك ليست كباقي البشر وتمنحهم الشرعية المطلقة , كذلك كانت بعض المذاهب الدينيّة الإسلامية ولا تزال تروّج لنظريّة السلطان ونائب الله في حكم رقاب العباد ؟ وهي لا تختلف بذلك عن الصهيونيّة في تمهيدها لظهور المسيح المنتظر الذي يعيد بناء الهيكل ليتربع على تخت العرش الإلهي في حكم البشرية ,, الحقيقة إن هذه الترهات لا تزال فاعلة ومؤثرة في دفع أحداث الشرق الأوسط الى الهاوية ؟ ولا يغيب عن ذهن القارئ بأن بوش الصغير في اتخاذ قراره بغزو العراق وحرق مئات آلاف البشر كان يدعي التفويض الإلهي بإعلان حرب صليبية مستغلا حالة فقدان توازن الوعي في عقل المواطن الأمريكي على أثر صدمة 11 سبتمبر , هذا الحادث المدبّر الذي فتح أبواب الجحيم على المسلمين , ورغم تفاهة خطاباته لكنها كانت تعبّر عن تيار المحافظين الجدد ( إسم الدلع الصهيوني ) . وبين المفاهيم التقدميّة والرجعيّة تدور سجال الأفكار والحروب في الشرق الأوسط . هنا تتقاطع الأجندات والمشاريع , خرائط المفكر الصهيوني برنارد لويس البديلة عن سايكس بيكو زائد خطة جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي السابق بشأن تقسيم العراق, التي جرى تنفيذها حرفيّا على أرض الواقع ولم يتبقى سوى إقرار حيثياتها رسميّا ؟ وبلمحة بسيطة نقيّم الغزو الأمريكي في رجعيّة ديمقراطيّة الفوضى التدميريّة , دمرت العراق كله ومزقت نسيج المجتمع العراقي , قتلت وتسببت في مقتل مئات آلاف البشر , وضعت دستور مليء بالألغام التي تُذكي الخلافات والصراعات الطائفيّة , شكلت نظام طائفي أسوء من نظام لبنان وفق عملية سياسية تعتمد على المال السياسي وعكازة التزوير , فتحت أبواب العراق لتحيله الى منطقة استقطاب للإرهاب والفساد بجميع الوانهما , محقت غالبية المعالم الأثرية لحضارة وادي الرافدين وسمحت لعصابات سرقة الآثار أن تسرح وتمرح بكامل حريتها , لكن السؤال الأهم , لماذا كل هذا التدمير المنهجي ؟ هل كان ذلك جزء من المخطط الصهيوني في الثأر التاريخي عن حادثة السبي البابلي ؟ وماذا بعد .... لا شك بأن الصراع في الشرق الأوسط لم يحسم لصالح أي أجندة من الأجندات التي تتقاطع عليه , والعراق بحكم موقعه الإستراتيجي والكم الهائل من الثروة التي يختزنها خاصة البترول والغاز الطبيعي , إضافة لعوامل أخرى جيوسياسية وإستراتيجيّة فلن تنسحب منه أمريكا ولا أي أجندة طامعة أخرى . بإيضاح صريح , لن تستقر منطقة الشرق الأوسط برمتها مالم تتصادم عليها أجندات القوى المتوغلة فيها , الصراع قائم حاليا بأشكال متعددة , بالوكالة على الأرض و الأجندات الإستخبارية والإعلاميّة أو من خلال العقوبات الإقتصادية وغير ذلك . التفاصيل متشعبة جدا سواء في العراق وسوريا أو اليمن وفي ليبيا ومصر ولبنان . المنطقة على كفّ عفريت كما يقول المثل المصري , وإذا وضعنا في الاعتبار أزمة اليمين الصهيوني باستقالة وزير دفاع اسرائيل المتطرف ليبرمان مع تداعيات أحداث غزة , وأزمة استثمار قضيّة المغدور الصحفي جمال خاشقجي, إضافة لتعثر إتمام تشكيل الحكومتين العراقية واللبنانية , كل هذه وغيرها ممكن أن تتولد عنها شرارة صاعق التفجير لحرب إقليميّة ؟ عنوان الحرب لن يكون عاصفة الصحراء لأنها تحولت الى ربيع من الأشلاء المزهرة في خيال الديمقراطية الدمويّة ؟ قطعا هنا لم يعد وجود في حسابات العقل الأمريكي للإنسان , فقط حكومات دول لإنظمة مستهلكة أخلاقيّا وحضاريّا , ولن تستطيع البقاء والاستمرار بتجنب مخاض الصراع ودخول الحرب , أما إسرائيل فهي التي تتربص لبسط توسعها الإقليمي على حساب أي نتيجة تنتهي بها الحرب بغض البصر عن أطرافها المتقاتلة , بالمفيد المختصر , سيناريو الحرب الإقليميّة سيكون الحصاد الذي تتغيّر بموجبه ملامح الشرق الأوسط ,, هذا إذا لم تتوسع لتكون حربا عالميّة ....