
الكاتبة نسرين ولها
الجزء الأوّل
لا مانع عندي في أن أكون نوتة موسيقيّة، يا عزيزي! كلّ ما أريد هو أن أعرف أيّكما أقدر على الإبداع أنتَ أم النّوتة لمّا تخرج من حنجرة البيانو وتنفلت من بين أصابعك؟ المُعادلة صعبة، أليس كذلك! فضحك كثيرًا ثمّ تنهّد قليلاً وأضاف: -حسبتك تبحثين عن شيء آخر! شيء أبعد من الإبداع عينه! -ماذا؟! -لا عليكِ، ستدركين ذلك لاحقًا، ليس اليوم رُبّما غدًا أو في المستقبل القريب! ثُمّ انصرف كلّ منَّا إلى شؤونه. كانت لي رغبة في استنباط الحقيقة من باطنه ولكنّه كان يحترفُ الغموض ويُحرّك بيده الخفيّة حيرة بالغة في أرجائي. إنّه المايسترو " ياسر " الصّديق الصّدوق للبيانو، صاحب الأنامل الذّهبيّة، والذّوق الموسيقيّ الرّفيع. لا جرم أنّ النّوتات تعشقه عشقًا شاهقًا بمثل العنفوان العنيف الّذي يهوي به على لوحة المفاتيح أثناء العزف. وما حدث في ذلك الصّباح الصّاخب بألوان الحياة، بُعيد توهّج الشّمس في كبد السّماء، لا يُنسى ويُطوى بسهولة في ذاكرتي. فقد كنتُ أراقبه عن قُربٍ بعينين شاخصتين بل بكلّ ما أتيتُ من حوّاسٍ، فيما كان المكان يعجّ بأصوات الآلات الموسيقيّة المتأتيّة من هنا وهناك. ولكن بعيدًا عن جلّ تلك الجلبة، ومنفردًا بذاته تمامًا، فيما وراء البيانو، كان ياسر منغمسًا مع نشوته الرّوحيّة يتدرّب. كان يطير بجسده عبر أعلى نوتة إلى السّماء العُليا وكان ينحني ويتساقط بكامل كتفيه حتى يكاد يعزف بهما بدلاً عن أصابعه حينما ينخفض إلى أدنى نوتة ويُلامس بذلك الأرض بقلبه، فيُقبّل تلك التّربة الّتي منحته مفهومًا آخر للاحتواء. وهكذا يُغمض عينيه بين الفينة والأخرى، ويكتم أنفاسه، ويترك نفسه لحضرة البيانو. وبينما كان يبتعد شيئًا فشيئًا عن سطح الأرض بكلتا جوارحه، فوق الموسيقى وفي امتزاج حميم بين اللّحن وأحاسيسه، رأيتُ دموعًا تبرق في أحداقه حينًا وتترقرق على وجنتيه حينًا آخر. أَكان ذلك بُكاءً أم خُشوعًا !! هل كان يتلوّى من الوجع؟ أم أنّ مشاعره قد فاضت على جسده من شدّة تأثّره بأصوات البيانو العذبة والحزينة على حدّ السّواءِ؟ ثُمّ، أَثمّةَ ما هو أعظم من الإبداع معنًى ووزنًا! تُرى إلامَ كان يُلمّح؟ ومن ذلك اليوم فصاعدًا، صرتُ أحوم حوله كطائرٍ يبحثُ عن فتاتِ خبزٍ يقتات به. لقد أصبح اكتشافه هو الهدف، والقربُ من تفاصيله هو الغذاء! لم أع وقتها أنّني كنتُ أسير وراء يد القدر غير المرئيّة! فقد كنت أرى بعينيّ لا ببصيرتي وأحلّل المفاهيم انطلاقًا من المدارك العقلية السّطحيّة، فيما أترك عقلي الباطنيّ في حالة سُباتٍ. لا بأس بقليلٍ من الغفلة في رحاب الحياة الدّنيا، فلا أحد يُطيق أن يكون دائم الإدراك! إدراك العظمة المتناهية من أقصى الشّرق إلى أقصى الغرب. والأهمّ، ألاَّ نترك ذواتنا عارية في عالم الخيال، ألاَّ نهيم طوال الوقت هنالك، وأن نرجع إلى حقيقتنا كُلّمَا خِفنا على أنفسنا من الضّياع! إنّ هذا المايسترو الشّاب أحسبه تلميذًا مُجتهدًا، اِحترف العزف على البيانو حدّ النّخاع، وصار مُعلّمًا ممتازًا يكادُ يكون نسخة كاملة عن الإبداع نفسه. بغتةً، لا أدري كيف ذلك، لمحني فلوّح بيده لي بينما كنت أسرف في الاختباء. لعلّه ظلّي الذي فضحني، أو رُبّما عطري وما فاح منه في أرجاء القاعة؛ وعلى الأغلب، إنّه القدر قد قال كلمته. ثمّ تقدّمتُ نحوه بخطوات متأرجحة مضطربة حتّى بلغتُ حافّة البيانو فتوقّفتُ وثبَتُّ. ألقيتُ التّحيّة عليه فردّ عليّ بصوتٍ يكادُ يجهشُ بالضّحك: -مرحبًا بالرّائعة والخجولة! فضحكتُ وحرّكتُ خصلات شعري التي شعرت بالخجل أيضًا، فانسدلت على وجهي. هو كان يرمقني بنظرات تُشبه تلك التي يهبها للنّوتات الموسيقيّة حينما تعلو من صدر البيانو وتتسرّب إلى سمعه، نظرات مشبعة بالشّغف والرّقة وفيها شيء من النّعاس حينما يصفق جفنيه فجأةً. ثُمّ قطع حبل المزاح وأضاف: -منذ متى وأنتِ تعشقين البيانو؟ - من؟ أنا؟ -كلاّ ..أنا ههههه!! -هههههه! - طبعًا أنتِ. -كيف عرفت ذلك؟ - ذلك العشق واضحٌ وضوح الشمس في عينيك. فتبسّمتُ واكتفيتُ بذلك فيما تابع كلامه قائلاً: -تتقرّبين منّي لتكوني أقرب ما أمكن لك من البيانو ولكي أعلّمك. أليس كذلك أيّتها الحاذقة! -ههههههه! -كلّ عشق لا نعيشه يُبقينا أسرى لديه ..تمامًا مثل عشقك للعزف على البيانو كبرَ معك ، و استوطن أعماقك ، و يودّ حقه في الحياة . - أصبتَ. - أعلمّك بشرطٍ واحدٍ؟ -ما هو؟ -أن أكون حبيبك. -كيف ذلك وأنت صديقي العزيز؟ -كوني حبيبتي وسأعلّمك أسرارًا يطير بها عقلك في عالم الموسيقى؟ - أخافُ! -من ماذا؟ - أخافُ من التّعلق، أخافُ من تقلّب المشاعر، أخافُ على قلبي كثيرًا !! -انظري إليّ بل و أمعني النّظر ..ثقي في الله ، لن أخيّب ظنّك أبدًا ..ارمي كلّ ماضيك وراء ظهرك و عيشي الحاضر معي ومع السّعادة العارمة، أعدك.
الجزء الثاني
متوتّرًا وضجرًا، دفع المايسترو نفسه بعيدًا عن لوح البيانو وركض باتّجاه الحديقة يسحبُ ما انحبس من دخانٍ في لفافة سيجارته ويزفره بكلّ ما امتلأ من ثنائي أكسيد الكربون في رئتيه. لقد اِنتهينا من دروس الموسيقى ورفرفنا بجناحينا بعيدًا عن وجه الأرض نحو قممٍ عالية من عذب التّرانيم طيلة أسابيع معدودة. وقد حان الوقت لنضع قدمينا على سطح الواقع. إنّ عالم الموسيقى، لمن لا يعرف غير قشره، هو عالم من عوالم الطّبيعة؛ يختزل كلّ أصوات الكائنات وما تجود به من صدى. وذلك التّناغم الغريب والرّهيب للأصوات يولّد مقطوعات ممتعة غايةً في الجاذبيّة. إنّه صوت الكون لمّا يتنفّس الحياة، وصوت الكون لمّا يضحك، وصوت الكون لمّا يبكي. إنّه عالم روحيّ يضجّ بمشاعر الإنسان. لم يوفّق ياسر في التقاط ذلك الضّوء اللاّمع الذي يتلألأ على عينيّ، فكأنّما قد بلغت ذروة النّجاح أو تحقّقت لي أمنية ما ، والحقّ أنّ الإنسان كُلّما لامس هدفًا من أهدافه السّامية ، غمرته أنوار سماويّة من هنا وهناك حتّى يغدو كائنًا مُشعًّا على نحو ملفت. وتلك هي جائزة النّجاح الحقيقيّ، أن يخرج المرء من الظّلام إلى النّور. هو كان يُفكّر في علاقة عاطفيّة عابرة يعبّئ بها رفوفه القلبيّة الشّاغرة، وكان يُسمّيها حُبًّا، فيما كنتُ أفكّر في نفس المفهوم "الحبّ" و لكن من نوعٍ آخر.. الحُبّ في مفهومه المترفّع عن المألوف والسّهل الممتنع. إنّه حُبّ الإبداع، وحُبّ جمال الإبداع. إنّ وعدي له بأن أكون حبيبته قد صار نسيًا منسيًّا، فالحبّ المشروط لا يُعمّر أبدًا. فإمّا أن يوهب من تلقاء القلب أو تكون عاقبته الفناء بمجرّد زوال الشّرط. ومع ذلك لم أشعر بالذّنب لأنّي قد أخلفتُ بالالتزام بالوعد، فمثل تلك الوعود المٌقيّدة بمصلحة ما تصلح فقط لمن يتقبّل العادي والمألوف. أمّا من لامس مساحة التّفوق بعقله في تعليمه وارتفع بمستوى تفكيره في عالم الحقيقة العميق فلا حاجة له بمثل هذه الوعود الزّائفة.