سلطة الإعلام الاصلاحي الغائبة في عصر العولمة

د. خالد نعمة الجنابي

لم يعد خافيا تأثير سلطة الإعلام الفاعل في جميع مجالات الحياة سلبا أو إيجابا، إذ إنه يعد السلطة الأولى في الدول الديمقراطية والمتحضرة من حيث التأثير والرقابة .

والأمثلة والشواهد كثيرة على أسهام الاعلام في تغيير الحكومات وقلب معادلات سياسية وموازين القوى بتلك الدول .

كما أنه لاشك في أن الإعلام اليوم  يستطيع أن يؤثر كثيرا في الاتجاه الايجابي والاصلاحي للمجتمعات إذا تم استثماره بشكل علمي ومخطط له في ظل عصر العولمة والغزو الثقافي الموجه ضد الشعوب العربية التي أصبحت تستقبل وتتأثر بكثير من الأطروحات والبرامج الموجهة عبر الاعلام دون وعي بخطورة بعضها على قيم ابناءها وعاداتها الأصيلة التي بدأت تتلاشى يوما بعد اخر أمام هذا التوجيه المنظم .

ونحن بدورنا نلحظ ونلمس حجم التأثير السلبي للمحتوى الاعلامي والاتصالي الموجه إلى المنطقة العربية في ظل سكوت أو عجز حكومي ومجتمعي للتصدي لهذا التأثير أو حتى التخفيف من اثاره التي نستطيع وصفها بالكارثية التي بدأت جلية على معتقداتنا وقيمنا وتراثنا ، إذ أصبح أغلب الشباب العربي يهدر وقته في العلاقات الالكترونية . وعلى سبيل المثال لا الحصر أصبح شباب اليوم يشغل جل وقته بلعبة ( البوبجي) مستفيدا من وسائط الاتصال الحديثة التي أصبحت أدوات هدم وتضييع للأجيال بدلا من  الاستفادة من هذه الوسائط في التعليم والرقي والتطور ، الأمر الذي على أساسه تم صنعها وتطويرها خدمة للأمم والشعوب.

وأمام ذلك نرى أن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق الفاعلين الرئيسيين في الإعلام العربي من خلال تحملهملدورهم الوطني والشرعي في التوعية والاصلاح وتوجيه الشعوب للاستخدام الصحيح و الأمثل لوسائط الاعلام والاتصال من خلال تنظيم ندوات تثقيفية ومواد اعلانية وبرامج مكثفة يعدها خبراء ومختصون بالمجال الاعلامي والتربوي والنفسي ، كما يُتطلب من المؤسسات الرسمية للدولة استثمار مكاتبها الاعلامية بهذا الجانب خاصة المؤسسات التربوية والتعليمية والدينية ، بدلا من تسخيرها في الدعاية والتزويق للمسؤول أو توظيفها سياسيا واستخدامها للصراعات الحزبية والفئوية التي على أساسها تخصص موازنات مالية ضخمة .

وأخيرا علينا أن نقر بالحقيقة المرة بأن ما نراه و نلمسه من خلال الواقع الاعلامي المحلي والعربي ، وجود تقصير واضح لذلك الواقع في المجال التوعوي والاصلاحي والتصدي للاعلام المذكور الذي يمكن أن نصفه بالهجمة الشيطانية التي بدات تفسد عقول الشعوب العربية وتصنع من أفرادها جهلة مقلدين للغرب ليس بجانب التطور والرقي وإنما بجانب الرذيلة والتفكك الأسري والانحطاط الشامل .

وعليه صار لزاما من منطلق المسؤولية الوطنية والاخلاقية والشرعية على اللاعبين الكبار في الاعلام الوطني والعربي أن يضعوا استراتيجية فاعلة لإيجاد معالجات واقعية لتلك الممارسات العبثية للاستخدام السيء للتكنولوجيا الاتصالية والاعلامية ، من خلال جهد تشترك فيه الحكومات والمؤسسات الاعلامية والمنظمات المجتمعية والمثقفون والأكاديميون يهدف إلى إنقاذ المواطن العربي من الضياع الذي يمر به ، والذي ستمر به كثير من الأجيال القادمة  ، وكذلك مواجهة الأفكار الهدامة والغزو الثقافي الموجه لبلداننا وأصبحنا متأثرين به ومقلدين لأطروحاته السلبية ، بما يعرض هويتنا العربية والاسلامية لمهب الريح إذا استمرت تلك السموم الخبيثة بالتدفق إلينا دون تصدٍ لها ، ومعالجة واقعية وعلمية لاثارها المرضية .