
حسان الحديثي
المعاني كالطاقة لا تفنى ابداً ولكنها تُستحدث بلغة ومفهوم العصر التي قيلت فيه، وهي موجودة -اي المعاني- في ذاكرة الانسان/الشاعر، وان كانت نائمةً منسيةً فتحتاج لما يوقظها ولمن يعيدها الى الواجهة، والشعر احد الأشياء التي تنبش في الذاكرة لاستنهاض المعاني النائمة من جديد، وذكرها في موضع عند شاعرٍ متأخرٍ لا يعني بالضرورة انه أخذَها أو "سرقها" ممن تقدم ولكن هذا المتأخر لن يستطيع نفي السبق في وجودها لمن وجدها ووثّقها قبله.
والمعاني الجميلة والمدهشة التي ادركها الشعراء كثيرة جداً وفي عصور شتى وقد تأثر بعضهم بأقول بعض ولم يمنع ذلك عظماء الشعر من ان يتأثروا بكل كلام وكل معنى ولم يمنعهم ايضاً من الاقتباس من نور كلام الله ومعانيه، والامثلة موجودة في الشعر العربي ومنها فكرة السحاب المتكونٌ والمتصاعد من بخارِ ماء البحار ثم المتجمع غيوماً لتسوقها الرياح الى بلاد اخرى بعيدة.
وقد جسّد هذا المعنى شعراً أبو الطيب المتنبي بقصيدته الرائعة في عليّ بن منصور الحاجب والتي يقول في مطلعها:
بأبي الشموسُ الجانحاتُ غواربا ... اللابـسـاتُ مـن الحـريـر جـلابـبا
الى ان يقول فيه مادحاً:
كالـبَـدْرِ مـن حَيثُ الـتَفَـتَّ رَأيـْتَهُ ... يُهـْدي إلى عـَينَـيْـكَ نـُوراً ثاقبا
كالبَـحْرِ يَقذِفُ للـقَـريبِ جواهراً ... جُوداً ويَبعـَثُ للـبَـعـيـدِ سَحائِـبَا
كالشّمسِ في كَبِدِ السّماءِ وضَوْؤها ... يَغْشى البِلادَ مَشارِقاً ومَغارِبَا
ولو نظرنا الى قوله "ويَبْعَثُ للبَـعيدِ سَحائِبَا" نجد انه حاكى معنى قول الله تبارك وتعالى : الله الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
كذلك افاد الجواهري من فكرة فلسفية قديمة لأبي العلاء المعري فأخذ معناه في بيته الرائع بوصف الموت:
ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبِه ... دمُ إخوتي واحبتي وصحابي
أخذه من قول المعري:
كأنما العالم ضأنٌ غدتْ ... للرعي والموتْ ابو جعْدَه
وابو جعدة هو الذئب، والاختلاف هنا فقط في التحديث الذي طرأ على القول؛ فبيتا الشاعرين جاءا بلغة عصريهما ويستطيع المطلع البسيط ان يتوصل الى ان قول الجواهري متأخر من لغته وبنائه كما يستطيع تمييز لعة وعصر ابي العلاء من بيته. وان كانت الفكرة ذاتها والمعنى نفسه الا اننا ننظر الى هذين البيتين من ثلاث زوايا:
الأولى: من حيث ابتكار الفكرة فهي للمعري بلا شك لان محورها وارتكازها هو تشبيه الموت بالذئب وهي ذاتها في بيت المعري.
والثانية: من حيث المعنى فان بيت المعري فيه فلسفة بائنة وهو ما لم يُرده الجوإهري في بيته.
أما الثالثة: فهي من حيث البناء وبيت الجواهري أرصن واقرب للنفس من بيت المعري.
ومن أعجب التشبيه وأغربه قول ابن المعتزّ -وهو احسن مَن وصف الاشياء في الشعر العربي- في وصفه الشمس وقد غطتها الغيوم فيصفها قائلاً:
تظلّ الشـمسُ ترمُقنا بلحظٍ ... خفيٍِّ مُدَنفٍٍ من خلف سترِ
تاول فـتقَ غيمٍ وهو يأبى ... كـعـنِّـيـنٍ يحاولُ فضَّ بـِكـْرِ
والمُدْنَفٌ هو المريضُ الذي لا يقوى على شيء والعِنّين هو الرجل العاجز عن جماع النِّساء ومن هنا تأتي غرابة التشبيه واصل المعنى في هذا القول يرتكز على ضعف الشمس والذي حاوله معروف الرصافي ولكن ليس بوصفها ضعيفة كما فعل ابن المعتز انما بوصفها بالعاشق والعاشق ضعيف ايضا بعد ان أسقمه حبه وغرامه فقال :
نزلتْ تجرُّ الى الغروبِ ذيولا... صفراءَ تُشبه عاشقاً متبولا
والمتبول هو سقيم الحب والهوى وهذا البيت من أجمل ما قيل في وصف الشمس عند المتأخرين بل انني لم اجد مَن وصَفَها بهذه الصورة الشعرية الجميلة سيما في محاكاة اصفرارها غروباً باصفرار العاشق هوىً وغراماً.
وأعود مرة اخرى الى ابن المعتز ومذهبه وطريقته الساحرة في وصف الاشياء وهو ابن القرن الثالث الهجري في وصفه للقُبْلة وتشبيهها بـ "نقر العصافير" ولكن ليس كل العصافير ، فهو يريد العصافير الفَزِعَةِ والمتوجسة من النواطير فيقول:
وكـم عـناقٍ لـنا وكـم قُـبَلٍ ... مختَلَساتٍ حِـذارَ مـرتقِبِ
نقْرَ العصافير وهي خائفةٌ ... من النَّواطير يانعَ الرُّطبِ
انه قول فاتن برقته وعذوبته يكاد يسلب القلوب ويرسم في العقل صورة للعناق والقُبل يعجز عنها عظماء الرسامين، لكن الجميل انه وبعد عشرة قرون يلتقط الشاعر عبدالقادر رشيد الناصري المعنى فيقول:
يا عديمَ الإنصافِ عربدتِ الكأسُ وضجَّ الظما وثارَ الُلهافُ
قـطـرةً قـطـرة ً؟ كما روّع الطيرَ على الـمـاءِ صـائدٌ هدافُ؟
والناصري شاعر عراقي كردي الأصل لم يأخذ حقه في الدراسة والتحليل، وأصل المعنى في القولين هو في خوف وارتعاد الطير من الصياد أو الناطور عند التقاطه للحَبِّ او شربه للماء شأن من يحذر الموت، فيلتقط الناصري ذات الصورة بقولٍ رائقٍ سيما عبارة "ضج الظما وثار اللهاف" ليناجي الساقي ويعاتبه حين يسقيه قطرة قطرة.
كذلك فعل الشاعر محمد سعيد الحبوبي في موشحه الرائع:
أعَلى الأبرقِ برقٌ لمعا؟ ... ام تُراها قد بدتْ ذاتُ الوشاح
حتى يقول
فانتظر حارسَها أنْ يهجعا ... ورعـاةَ الحي ان تـأتي المُـراح
وهـزيـعَ اللـيلِ أنْ ينـهزعا ... وتشوقَ الروضَ انفاسُ الرياح
فقد حاكى به الحبوبي ذات الحالة عند عمر ابن ابي ربيعة في قصيدته الخالدة "أمن آل نعم انت عاد فمبكِرُ؟" والتي يقول فيها:
فَلَمّا فَقَدتُ الصَوتَ مِنهُم وَأُطفِئَت
مَصابيحُ شُبَّـت في العِشاءِ وَأَنْـؤُرُ
وَغابَ قُـمَـيرٌ كُـنـتُ أهـوى غُيوبَهُ
وَرَوَّحَ رُعـــيـــانُ ، وَنَـــوَّمَ سُــمَّــرُ
وَخُفِّضَ عَنّي النَومُ أَقبَلتُ مِشيَةَ الـ
حُبابِ وَشَخْصِي خَشيَةَ الحَيِّ أَزوَرُ
فَـحَـيَّــيـتُ إِذ فـاجَـأتُـهـا فَـتَـوَلَّـهَـت
وَكادَت بِـمَـخـفـوضِ الـتَـحِـيَّةِ تَجهَرُ
وَقـالَت وَعَـضَّت بِالـبَـنانِ: فَضَحتَني
وَأَنتَ اِمــرُؤٌ مَـيـسـورُ أَمرِكَ أَعـسَــرُ
ولأن المعاني والصور ثابتة والمتغير هو القول واللغة والتركيب والبناء فيمكن للشاعر ان يصور ويشبه ذات التشبيه بلغته وان كانت اللغة ليست فصيحة وإن نظمها الشاعر بلغة المحكي من لهجته ، وللوقوف على هذا الامر أقدم هنا نموذجين شعريين بالشعر المحكي لصور ومعان قديمة، الصورة الاولى بين المتنبي ومظفر النواب، فإن من اجمل التشبيهات هو تشبيه الأيادي البيضاء -وهي كناية عن السماحة والعطاء والكرم- ببياض غرر الجياد وللمتنبي في مدح ابي ايوب احمد بن عمران في قصيدة مطلعها:
سربٌ محاسنه حُرِمت ذواتِها ... داني الصِفاتِ بعيدُ موصوفاتها
حتى يقول:
أقبَلْتَها غُررَ الجياد كأنّما ... أيدي بني عِمران في جَبَهاتِها
ولمظفر النواب تشبيهٌ رائع لذات الصورة ولكنه استبدل الايادي لدى المتنبي بمرايا "الِحْديْثات" والِحْديْثات في اللجهة المحكية العراقية تعني الصبايا فجعل لها بريقاً اي المرايا في "گصْتْها" اي في جبهات الخيل بقوله من الشعر الشعبي المحكي العراقي:
گَبلْ...
گهَوَه مسبوچه بمضيف مطرز الفنجان
گبْل الشمس، تشرگ كذلة المهرة
گذلتكْ حِنّه حِنّتْها
مِري حديْثاتْ گصْتها
گبل اي قبل وتشرگ اي تُشرق
"مِري حديْثاتْ گصتها" اي جبين الخيل ابيض لامع كمرايا الصبايا
وما يثبت ان بعض المعاني مختزنة في الذاكرة ان في بعض اشعار المتأخرين دلالات ذكرها الاولون ولكننا نعلم علم اليقين ان هؤلاء المتأخرين لم يقرأوا المعنى ولم يطلعوا عليه وانما جاءهم من واقع وحال الحياة التي يعيشونها، فحكمة العلو بالنفس على الخنوع ثم الحياد بها عن طريق الذل هي حكمة قديمة رآها الشنفرى قبل ما يزيد على 1500 عاماً، والجميل العجيب فيها ان القاعدة التي حددها الشنفرى لا تزال ذات القاعدة حتى اليوم ولم تتغير وهذا دليل على عقله وحسن ادراكه وبلوغه الحكمة ببلوغ اسبابها فهو القائل في لاميته العظيمة "لامية العرب":
وفي الأَرْضِ مَنْأَى لِلْكَرِيمِ عَنِ الأَذَى
وَفِيهَا لِمَنْ خـَافَ الـقِلَـى مُتَعَـزَّلُ
لَعَمْرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيقٌ على امْرِىءٍ
سـرَى -رَاغِبَـاً أَوْ رَاهِبَـاً- وَهْـوَ يَعْقِـلُ
فحدد السير والرحيل عن مكان الذل لأمرين لا ثالث لهما ابداً: فإما لرغبة او لرهبة، وقد ضاعفت المبالغة من روعة قوله وجمال معناه حين زادها بقوله "وهو يَعْقِلُ" ليقول ان من سار لغير هذين الامرين "الرغبة والرهبة" فهو احمق.
ثم بعد كل هذه القرون الطوال ياتي الشاعر البدوي سعدون العواجي وهو احد فحول شعراء البادية العربية واجمل شعراء الصحراء كتب اجمل القصائد البدوية في الحماسة والشكوى والرثاء وقد عاش ما بين عام 1750وعام 1830ميلادية اي بعد الشنفرى بما يزيد عن ثلاثة عشر قرنا ، يذكر في احدى اشهر قصائده الحماسية علوَّ همّته بتجنّب الضيم والحياد عن الذل بعد ان جرّده ابناءُ عمه عزّتَه وهيبتَه فيقول في قصيدة له وهي من القصيد النبطي البدوي:
لاصار ما توفيْ عميلك من الصاعْ...ما ينعقدلك عند حصن النواهيمْ
شبرٍ من البيدا يجنّـبْكَ الافزاعْ ... وسود الليالي يبْعدنَّك عن الضيمْ
فهو في البيت الاول يشير الى ان الانسان ان لم يكن كفؤاً لغريمه في رده الصاع بالصاع لن ينعقد له مجلسٌ عند "حصن النواهيم" وهي كناية عن اهل الحكمة والدراية الذين يكونون حصنا للناس من "النواهيم" اي اكلة الحقوق والاستعلاء وذل الآخرين بقوتهم وجبروتهم، وهو ذات المعني الذي اشار اليه الشنفرى في قوله آنف الذكر. ثم يؤكد معنى قول الشنفرى "وفي الأَرْضِ مَنْأَى لِلْكَرِيمِ عَنِ الأَذَى" بقوله: شبرٍ من البيدا يجنّبْكَ الافزاعْ
وهكذا تبقى المعاني مختزنة في البال والذاكرة تتداولها العقول ثم تعيدها بصياغة ولغة العصر فيكون لها طعم جديد ولون مستحدث يعتمد جماله ويتوقف على حسن البناء، وسلاسة اللغة، وقرب ذلك من النفس، وتأثيره على المتلقي.
لا يضر ذلك بالقول المتقدم ولا يقلل من شأن المتأخر.
.
.