
علي السوداني
أول فرجة على بنت الجيران سعدية ، من فوق سطح الدار . سعدية تحضن طشت الغسيل بفخذيها البيضاوين البضّين ، ومع كل عصرة مغسول ، تتناثر رغوة الصابون على الفخذين ، فيهتاج السيف ، ويصنع ثقباَ افتراضياَ على خاصرة حائط الستر !!
أول دخلة سينما .
كرسيٌّ رخيصٌ يكاد يلتصق بدكّة الشاشة . كلما قربت الكراسي من حافة الشاشة ، رخص سعرها وتهرّأ جسمها . كنا نجلس هناك غير خائفين من رصاصة تائهة ، أطلقها ترانس هيل أو بود سبنسر أو شبيهي جارلس برونسن ، صوب حشد رعاعٍ تائهين !!
أول ربع صمّونة طامسة في شيشة عمبة ، من عربانة عبد الله ، المزروعة بباب مدرسة ابن جبير الأبتدائية !!
أول سفرة مدرسية . ألصف الثالث الابتدائي . ملوية مدينة سامراء . تناهى الى مسمع مدير المدرسة ، أن التلميذ المشاكس طالب ، قد وصل الى اللفة الرابعة من مئذنة الملوية ، ثم هبط الى الأرض راكضاً ضاحكاً مزهواً بشجاعته . كان مدير المدرسة ينطر الفتى على الأرض ، ولما صار بين يديه ، أشبعه راشديات وجلاليق ولكمات وتفلات . كنا نسوّر المشهد وواحدنا يكاد يبلل بنطاله . منذ تلك الواقعة ، لم يتوفق التلميذ النجيب طالب ، في أجتياز درس التأريخ ، خاصة في جزئه العباسي !!
أول قبلة من فم معسول ، هدّمت مفهوم " ألجنس " في مخيالي البكر !!
أول هدف سجلته بمرمى الند ، بوساطة كرة معمولة من جورب عتيق ، محشو بخرق وحضائن فائضة .
أول عيدية عيد ، مقدارها ، صعدة بدولاب الهواء ومرجوحة ، وقطعة زلابية محروسة بذبابات الفرح .
أول " دار " مستلة من كتاب " القراءة الخلدونية " توفقت في رسم حروفها الجميلة فوق سبّورة سوداء . تمسيدة على الرأس من معلم القراءة مكي الأصلع ، وزخة تصفيق !!
أول جثة صرفت عليها نصف دمع العمر . أبي كان ممدداَ فوق دكة مغسل . ألعائلة تبكي وتلطم وتتناوح ، والغسّال الماهر يؤدي عمله بوجه مصحوب بنصف ابتسامة .
أول " عكسيّة " يدوية زرعها المصارع المبهر عدنان القيسي ، فوق ظهر الأسكتلندي الضخم كوريانكو . وقعت الواقعة في مفتتح سبعينيات القرن البائد . المكان : ملعب الشعب الدولي وفق ذاكرتي الآن .
أول قندرة محترمة من مصنع معمل " باتا " المشهور .
أول حانة دخلتها . حانة عشتار بصف سينما بابل ببغداد . بيميني باكيت سكائر من صنف رائج اسمه " روثمان " . ألبيع بالمفرد ، والسكارى كرماء . ثم العودة الى عربانة أبي مع جيب ، تخرخش فيه ، " خردة " الغزوة المبروكة ، والبقشيش .
أول فلم سينمائي بالأبيض والأسود ، ترك حسرة عملاقة في قلبي . فلم مصري عنوانه " نحن لا نزرع الشوك " وقد انعرض من على شاشة سينما بابل أول سبعينيات الدهر الفائت .
أيامها ولياليها ، فشلت مسالك ومجاري مياه شارع السعدون ببغداد في تصريف دموع الناس ، التي كانت تبكي على مناحة المطربة المدهشة شادية وهي تغني وتتناوح " والله يا زمن ، وألله يا زمن " !!
أول كأس عرق تقيأتُ بسببه كل مفردات معدتي ، وبعض هيبتي .
أول رسالة حب تركت فوق عيني اليمنى ، كدمة زرقاء تهلهل بشماتة ولسان سليط .
أول وقوف متقنفذ لشعر الرأس ، بسبب عوية مباغتة من كلب أسود اسمه المنغّل " لاسي " بزقاق معتم . كلب ابن سطعش كلب ، عاقبته العناية الإلهية ، بقطعة لحم مسمومة نزلت اليه من يمين موظف حكومة أجهم ، لا يقطع وجهه سيف .
أول خمس قطط بعتها للحكومة بنصف دينار ، خلال الحملة الوطنية الشاملة للقضاء على تلك المخلوقات المسالمة الوديعة بشباط سبعينيات القرن اللبّاط .
أول صورة بالأبيض والأسود في حديقة الأمة برصافة بغداد . قميص جوزي وياقة بطول أذن فيل هندي كسول ، ومن تحت بجامة مقلّمة ونعال أبو إصبع ، طال عمره بدنبوس شيلة .
أما الخلفية ، فكانت جدارية خشبية ضخمة للعندليب الأسمرعبد الحليم حافظ . ظلّ حليم الرائع ، يرن في رأسي حتى الآن .
أول رواية قرأتها عشر مرات . " في بيتنا رجل " لأحسان عبد القدوس . صارت الرواية فلماً سينمائياً من بطولة عمر الشريف وأم العيون الزرق ، زبيدة ثروت . كلما أعادت شاشة ما عرضه ، أشاهده بنفس اللهفة القديمة النقية والتوجع والحماسة .
أول محاولة لمسك رأس مال خاص وسمين . دكان فلافل وعمبة وصمون بحجم زنزانة ، ينولد من بناء " جامع المدلل " في منطقة العطيفية الأولى بكرخ بغداد العباسية . كنت إستأجرت الدكان من رجل اسمه أحمد ، وتسميه الناس الضحّاكة هناك ، أحمد ريكا بطل أمريكا .
بعد سنة فشل الدكان بسبب سكرات سعد عجيمي !!
أول مساهمة في حملة " تبرع من أجل فلسطين الحبيبة " . باكيت تايت وصابونة رقّي وشيشة معجون طماطة وأنشودة وطنية .
أول فائدة من فعالية " معونة الشتاء " في مدرسة ابن جبير الأبتدائية . قمصلة وبنطرون وقندرة نايلون تجعل رائحة القدم مثل مشمّة تسع فطائس ، وقميص أزرق بمقاس جسم أخي الأكبر .
السنة المرقمة 1987 :
كنت جندياً كسولاً في منطقة الأثل بالبصرة . لم أستجب لصفارة رئيس عرفاء الوحدة . بقيت نائماً متمارضاً . سحلني العريف صوب غرفة آمر الوحدة المرعب منزوع النطاق ، ومنه الى سجن الجينكو القريب من مرحاض الجند . حلاقة رأس لحمية من درجة صفر ، وإنصات منتظم لبولات الصحب وضرطاتهم المهينة ، ونهوض صباحي لشطف المرحاض .
أول تكليف بصبحية رفعة العلم وتحيته . تقدمت نحو السارية العالية . فككت الحبل الخشن وسحبته بقوة كي يرتفع العلم بالتقسيط المريح . حدث عطب تقني سببه سوء الحظ فقط .
إلتفّ الحبل كما أفعى أم رأسين على وسط العلم . أعدت المحاولة ففشلت .
تقدم صوبي مرشد ومعلم الصف العصبي رزاق الوسيم ، وعاونني على فك اشتباك الحبل بالعلم المقدس فنجح . سعدت بالأمر ونويت إكمال الجزء المتبقي من الفعالية ، الذي هو أداء التحية ، للعلم العالي الغالي المرفرف وقراءة القطعة الطيبة :
عش هكذا في علوّ أيها العلمُ ... فأننا بك بعد الله نعتصمُ .
رفض المعلّم الغاضب أن أكمل الأمر . نهرني بهمس قائلاَ : عد الى الإصطفاف يا غبي يا أثول يا حيوان .
طعم أول نشر لخاطرة سخيفة ، في زاوية مظلمة من مجلة الطليعة الأدبية .
أول عصا شتائية موجعة على قفا الكف . كانت عصا معلم الحساب . لم أعد أذكر السبب ، لكنني أحدس الليلة ، أنه وقع على خلفية ضربي الرقم ثلاثة بالرقم ستة ، وكان الناتج صبحيتها الباردة أربع عشرة برتقالة افتراضية .
أول تظاهرة عفوية أساهم في زيادة حشدها كعازف منفرد . كنت أركض خلف أخي الأكبر . أخي كان شيوعياً قح . ثمة هتافات تتردد لم أفهم نصوصها ومغازيها ، لكنني كنت ألوّح بيميني المنتشية بقوة . كانت ليلة تأميم نفط بلاد الرافدين ، بصوت الرئيس أحمد حسن البكر في سبعينيات بغداد الحلوة .
أول تطريب ووجد خاشع . سورة يوسف مجوّدة ومسلطنة بصوت عبد الباسط محمد عبد الصمد " وإني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون "
حزنٌ كاسرٌ على يوسف وأبيه ، ورائحة الدم الكذب المرشوش فوق قميص يقين ، كان قُدّ من دبر ، حتى حصحص الحق بباب الغرفة وبانت البائنة .
أول حرشة بالغة . عرس شعبيّ بمدينة الثورة . صوت المغني المجيد مثل صوت سلمان المنكوب . ثمة راقصة مذهلة هيّجت الجمهور ، وعاونت العريس الغض ، على سفك دم البكارة في أول عشر ثوان من ليلة الدخلة العظيمة . كان بالمقدور ملاحظة الساقية المميتة النازلة بين ثدييها . تركتْ الراقصة الرعّاشة الحشد كله ، وقامت برمي وشاحها الأحمر اللماع صوب وجهي الملتهب . سعدتُ بهذا الإنتقاء المبهج الذي سيرفع رأسي بين صحبي الحاسدين ، لكنني فشلت في فك الشفرة . لم تكن الراقصة إمرأة . كانت رجلاً مخنثاً يسمّونه " زبيري "
أول فهم لمعنى الطير الشارد من محبسه ، المرسوم أسفل جدارية فائق حسن ببوابة حديقة الأمّة من جهة ساحة الطيران .
أول فهم لمعنى المرأة السعيدة المنحوتة على نصب الحرية لجواد سليم - بوابة حديقة الأمة من وجهة جسر الجمهورية - طارت المرأة بقوة الفرح ففقدت ساقيها .
أول فراق طويل لبغداد ، والهجيج صوب عمّان . كنت اشتريت من الصديق سمير الخالدي ، صاحب تسجيلات أنغام التراث بساحة معروف عبد الغني الرصافي ، شريطاً لقارىء المقام المجيد عبد الرحمن خضر ، وهو يؤدي رائعة ابن زريق البغدادي ، الشهيد المخذول بباب السلطان ، ومنها تلك الآهة :
أستودعُ الله في بغداد لي قمــراً بـالـكــرخ مـن فـلك الأزرار مـطـلـعُـــهُ
ودّعـتــهُ وبــودّي لــو يــوُدّعُـنـي صـفـوُ الـحـيـــاة وإنـــي لا أودّعُــــهُ
أول تقليد أعمى وفطير وماسخ لا يخلو من حمق ورقاعة . ساندويجة شاورما صحبة كأس كبيرة من شراب بيرة درافت . كان المطعم بشارع سينما سميراميس ، الذاهب الى شارع أبي نؤاس . عضضت اللفّة عضّة أولى ، وتبعتها بشفطة عظمى من قدح البيرة التي أظن أن اسمها كان " فريدة " . لم استسغ طعم تلك الخلطة المنفرة . وددت وقتها لو أن الشيطان يهبط في كأسي ، فيشرب بقيا ماء الشعير المر . كان المطعم مكتظاً بزبائن الظهيرة .
ربما شعر النادل المخلوق وجهه ، من رحمة ونور ، بورطتي التي رحت اليها برجلي . تجرعتُ الأمر خوفاً من إزدراء الناظرين ، وحيث صرت على مبعدة ضحكة من باب المطعم ، كان عليّ أن أزرع رأسي في سطل زبالة بائتة .
أول طردة من دار أبي العتيقة . ذهبت الى الملاذ الممكن لولد غضّ يخيّم بباب الحب الابتدائي اللذيذ . بيت خالي الطيب الرحيم الضحّاك ، وهو من المؤمنين بعقيدة أنّ " ثلثين الولد على الخال " . مكثت هناك عشرة أيام . لخالي إبنة جميلة إسمها ايمان . إيمان الآن ، هي زوجتي العزيزة منذ ثلاثين سنة وربع نيّف .
أول حضنة في صدر أمي المبخرة ، بعد أن جرفتني الحشود المطوفة حول مرقد رجل صالح . كنت أصرخ بقوة كتيبة من أطفال تائهين ، وكانت يدي الغضّة تتعرّق بيمين رجل من أهل الله ، ما انفك ينادي : رحم الله والديه من يدلّ هذا الطفل المسكين على أمّه .
بلادي التي جارت عليًّ ، ثم أبكتني على ظهر منحوتة مذهلة من عبد الرزاق عبد الواحد ، مستلة قدحتها من مسموع شعبيّ يفيد ، أنّ مخرزاً قد نُسي تحت حمل جمل سيّار .
ليلتها تصوّف أبو خالد وتدروش وناح وناحت معه الناس :
قالوا وظلَّ ولم تشعر به الإبلُ
يمشي وحاديهِ يحدو وهو يحتملُ
ومخرزُ الموتِ في جنبيه ينشتلُ
حتى أناخ َ ببابِ الدار إذ وصلوا
وعندما أبصروا فيضَ الدما جَفلوا
صبرَ العراق صبورٌ أنت يا جملُ
أول فلم روسي عشقته - من أيام الإتحاد السوفيتي - أسم الفلم كان " ديرسو أوزالا " وقد عرض من على شاشة سينما بابل ببغداد - إسبوع الفلم السوفيتي - . كان الجمهور - جلّه - من شيوعيين وشيوعيات حلوات من النوع الذي تغزّل به المطرب العظيم سعدي الحلي فقال للحبيب إنَّ خدودك شيوعيات . أيضاً من زمان الميني جوب والجارلس والكعب العالي ومشط الخشب . كنتُ وكانت عربانة أبي هناك ، تبيع الثلاثية الطيبة الذائعة : حَب سكائر علك ، على حافة منتصف السبعينيات الجميلة .
سليمة الخياطة البيضاء الفارعة ، ظهرية جيء لها بجثة رجلها عِسَل . كان منظرها مهيباً مذهلاً وقد خرجت الى الزقاق وشقّت زيقها ، وردحت ودقّت الأرض بقدميها وصاحت فرددت معها نسوة الطرف :
البين يهدِّم بضلوعي .
العلويّة حلوة أُم صالح التي كانت تبكي طوال الليل ، أكان ابنها الطيب صالح بجبهة الحرب ، أم كان داحساً رأسه الضئيل بحضنها وهي تفلّي شعره وتنشد بشجنٍ مبين :
يمّة يتلولح يريد يطيح گلبي .
أحمد الطويل رجل صبيحة الذي شفته وهو يدقُّ كعبَ القدمِ بالأرض ويرتفع ، فتضرب يدُهُ مروحةَ السقفِ ، فتتكسر أصابعهُ ، لكنه ظلَّ منتشياً على تراتيل نشيدٍ وطنيٍّ عتيق .
قيس الراويّ الذي قصَّ عليَّ حكاية العجوز التي تقطف وريقات الخبّيزة النابتات قدّام سياجه .
قال إنَّ وجهها الموشّم الحميم يشبه وجهَ امّهِ . راح اليها وباسها وزاد على القولِ فعلاً عظيماً ، فصاغَ لها من مالهِ الحلال حقّاً من غيرِ منّةٍ .