حديث الخميس: الميتون لا يظهرون في الصور

حسان الحديثي

أمسِ وانا اتجول في شوارع بغداد بسيارتي بعد فراق طويل لها لمحتُ صرحاً كبيراً في منطقة الوشاش وكأنه مركز جديد للتسوق.

أبهرني بناؤه وشدّني منظرُه من بعيد فانعطفت اليه حتى وصلته وبدأت أبحث عن موقف لأصفّ فيه سيارتي.

كانت مواقف السيارات خارج مركز التسوق وليس بداخله او تحته كما هو مألوف في بقية مراكز التسوق.

أوقفتها بعيداً لمّا لم أجد مواقفاً قريبةً منه وأنا أعلم مسبقاً انني طالما عانيت من مشكلة النسيان لمكان إيقافها سيما في المواقف الكبيرة.

هالني شكل المبنى من الداخل أيضاً فقد وجدته كبيراً طوليَ الشكل لا تكاد ترى نهايته، وحين نظرت الى الأعلى وجدته يتألف من طوابقَ مشرفةٍ على الباحة الوسطية، وعلى جوانبه سلالم مؤدية الى طابق سفلي ايضاً.

كان مليئاً بالناس فلا تكاد تجد لقدمك موضعاً ، ومحلات التسوق عن اليمين وعن الشمال كباقي مراكز التسوق التي رأيتها في دول ومدن كثيرة، لكن المختلف في هذا المركز انني كنت فيه وحيداً وغريباً ايضاً ، فأنا لم أزر بغداد منذ زمن طويل ولا أعرف احداً بين جموع الناس المزدحمة فيه من حولي مما جعلني أشعر بالوحشة والوحدة وعدم الارتياح.

وأنا في خضم انشغالي بما حولي، لاحَ لي من بعيد وجهٌ مألوف لي جداً وجهٌ أعرفه ولكن الغريب أني أعلم أن صاحب هذا الوجه قد مات منذ عدة اسابيع فكيف لي ان أجده هنا؟ سألت نفسي.

ادهشني ما رأيت فمشيتُ خلفه وتعقّبتُه بين الزحام كي لا يضيع مني محاولاً رصده من خلال الفرجات التي يُحدثها اختلاف حركة جموع الناس ، وبينما أنا على تلك الحال، توقف هو وكأنه شعَرَ أن أحداً ما يتعقبه، فالتفت يميناً، ثم التفت شمالاً، وبقي هكذا حتى حانت منه التفاتة الى الوراء فرآني....

أصابني شيءٌ من الحياء والحرج في أول وهلة، ثم ما لبثا أن تبددا حين رأيته يبتسم لي ويعود أدراجه ماشياً نحوي يقصدني.

سلّمنا على بعضنا وأنا أقول في نفسي بسعادة بالغة: ها هو يعرفني أيضاً كما أعرفه، كم كنت سعيداً ساعتها وأنا أردد في نفسي: ما أجمل هذا، ما أجمل أن تجد انساناً يعرفك وتعرفه في هذا الزحام الكبير، وأي انسان... إنّه عريان السيد خلف.

نسيت موته ولم أفكّر حينها إلا بشيء واحد؛ وهو أن أنفرد به من زحمة الناس وأهرب به من هذه الضوضاء، كنت أريد ان أسمعه وأناقشه واسأله اسئلة كثيرة. هو ايضاً أحسست ولمست عنده نفس الشعور حين كان ينحرف بي في المشي جانباً وكأنه يريد مكاناً منعزلاً هادئاً لنجلس فيه بعيداً عن الصخب من حولنا.

مشينا باتجاه السلالم المؤدية الى الطابق السفلي علّنا نجد مكاناً هادئاً فيه ولكن الغريب أن الطابق السفلي كان خالياً من المحلات التجارية وخاليا من الناس أيضاً الا من بعضهم وكأنه لم يكتمل بعد، فجلسنا على درجات السلم الكونكريتية العارية نتبادل أطراف الحديث.

كان هو يلبس بنطلونا داكناً وقميصاً فاتحاً ويرتدي -فوق القميص- سترةً بلا أردان مع جيوب كبيرة على الصدر وجيوب أكبر على الجانبين كتلك التي يلبسها الاعلاميون في مهامهم الصحيفة او تلك التي يلبسها الصيادون في مهمات الصيد البرية.

تحدثنا بإسهاب عن أشياء مختلفة وكثيرة.... الا الشِعْر لم نتكلم عنه أبداً وكأننا نسيناه ولم يخطر ببالنا، كان يشغلني موتُه عن أي أمر آخر وكلما هممت بسؤاله عن موته، منعني حيائي فأعود لأقول لنفسي: كيف اسأله عن موته وهو بادٍ أمامي بلحمه وشحمه وشاربه الأسود الفاحم؟

كيف ساتجرأ واسأله عن الموت ونبرة صوته تداول أذنيَّ أسمعها وأعيها؟

فأعدِل عن السؤال...

لكني لم استطعْ مقاومة نفسي بتوثيق هذا اللقاء العجيب فأخرجت هاتفي ذا الكاميرة العالية الدقة والتقطت لنا صورة "سيلفي" ، كنت خائفاً متوجساً من التقاط الصورة في أول وهلة فلعله لا يحبّ الصور وليس من هواة توثيق الذكريات، ولكن انشراحه كان يقول غير ذلك، أمّا ابتسامته للكاميرة ونظرته المتركزة الى عينِها كانتا تدفعاني أكثر الى تكرار الامر وأخذ صورة أخرى وأخرى كلما غيّرنا جلستنا او تمشينا في نواحي هذا المكان.

لكن هناك أمراً غريباً حيّرني جداً وأثار في نفسي التساؤل -وان بعث في خاطري كثيراً من الارتياح- وهو أن أحداً لا يعرفه من بين هذه الالاف من البشر المتواجدين في هذا الـمبنى الغريب.

وأنا أسائل نفسي كل حين: كيف لهولاء الناس لا يعرفون عريان؟

لكني سرعان ما أشعر بالأرتياح فأجيب نفسي : حسناً يفعلون والا لما استطعت أن أنفرد به فلا يقطعُ حديثَنا احدٌ من هذه الجموع ولا يعكّر صفوَ مشيتنا أحد.

كنت اسأل نفسي ونحن نتمشى كم صورة أخذت معه لحد الآن؟ وعقلي الباطن يجيب لعلها سبع صور.

فاقول لعقلي: سبع صور فقط؟ إنها قليلة احتاج لأكثر، ليتها كانت أكثر لأن حيائي منه مانعي من الزيادة وأنا ما زلت غير مكتف من الصور.

ثم أعود واقول محاولاً إقناع نفسي: زيارتي لبغداد ليست متاحة في كل حين، فكيف برؤية عريان السيد خلف ومقابلته فيها وهو ميت؟

بالتأكيد ان هذا الأمر لا يحدث الا مرة واحدة ولا اظن انه سيتكرر.

في نهاية المطاف سلّمت أمري لحيائي فلم أكن جريئاً الى الحد الذي استزيد من الصور فاكتفيت على غير قناعة وكان عزائي انني سأتحدث معه وسأقضي بقية يومي برفقته، ولكن رغم ذلك كله كنت منشغلاً بمكان السيارة وكيف سأجدها وقد تركتها في زحمة المواقف، كيف سأستدل عليها بين هذا العدد الهائل من السيارات إذ لم تكن المواقف مرقمةً ولا أدري كيف سيهتدي كل هؤلاء الناس الى سياراتهم، كنت أشعر بالأسى عليهم كشعوري بالأسى لحالي.

أشرف النهار على الانتهاء ولا مناص من الافتراق ، كان لابدّ لهذا اللقاء من نهاية ككل لقاء، لكنه كان فراقاً مختلفاً عن غيره بلحظاتٍ ثقيلة وبنظرات جامدة، كانت يدُه باردةً حين سلّمت عليه وكانت هشةً أيضاً بالكاد شعرت بها وكأني اصافح نتفاً من قطن بارد، حتى أني لم اشعر بأصابعه عندما سحبها مني عند انتهاء المصافحة وكأنه استلّها من كفي استلالاًً ناعماً دون ان اشعر.

ذهب عريان لحال سبيله وغاب بين جموع البشر وبقيت أنا واقفاً اعيش شعورين متضادين في ذات اللحظة؛ شعورَ الأسى من انتهاء اللقاء العجيب والصدفة الغريبة، وشعورَ الفرح انني انتهيت للتو من لقاء عريان السيد خلف وتحدثت معه وأخذت معه مجموعة من الصور إذ طالما تمنيت ذلك.

اوووووووه .... قلت لنفسي حين تذكرت صور "السيلفي" فأخرجت هاتفي من جيبي على الفور لأتمعن بها وأطمئن على نوعيتها ووضوحها وربما أرسلت بعضها لمن أحب من اصدقائي فأنا متأكد اني سافاجئهم بها.

فتحت جهازي وذهبت مباشرةً الى ملفّ الصور وما ان بدأتُ بتصفح صورنا حتى كانت المفاجأة الأغرب والأعجب من كل الذي مرّ وفات، لقد كانت كل الصور موجودة وواضحة ويظهر فيها كل شيء الا عريان السيد خلف.

يا إلهي... ما الذي حدث أين هو؟ لماذا اختفى من الصور لقد كان يجلس حدّي ويمشي بجانبي حين التقطتُها وها هي الاشياء والتفاصيل كلها موجودة في الصور فلماذا لا توجد صورته؟

لماذا يظهر مكانه فارغاً وكأنه كان شيئاً شفافاً تمر به عين الكاميرة وأشعة الضوء فتخترقه وتتجاوزه لترى ما وراءه ولا تراه؟

احسست برعشة تدب في مفاصلي ثم ما تلبث ان تزداد وتزداد حتى تنفضني نفضاً كما يصاب المرء منا بصعقة كهربائية، ثم شعرت بعضلات وجهي تتقلص حتى تصطك منها اسناني، ثم بدأ وجهي بالتوهج شأن من أصابته حمى بالغةُ الحرارة.

لم ينته الحال عند هذا الحد، فتطور الى حالة من التوجس ثم الاحساس بخوف شديد يصل الى حالة الرعب من هول ما رأيت كنت أريد أن امشيَ باتجاه سيارتي لأهرب مبتعداً عن هذا المكان ولكي أستتر بداخلها علّي أجد فيها بعض الراحة والأمان وقد أتعبني ما جرى وأتعبني ايضا التفكير في ايجادها.

ولكنني -وانا في تلك الحال المزرية- قادتني قدماي مرة أخرى -متحدياً نفسي- الى داخل المبنى، دخلته ثم ذهبت الى نفس الأمكنة التي كنت فيها مع عريان لعلني أجد تعليلاً لما جرى ويجري او ربما لأجده فلعله لم يغادر المبنى فأتيقن من وجوده وأقفُ على ما حدث.

كنت امشي في نواحي المكان واخترق الناس على غير هدى وبلا سبيل غير مبال بمن حوالي وكأني أبحث عن....

أبحث عن.....

أبحث عن لا شئ...

هل مر احدكم بهذه التجربة حينما يسير منهمكاً بالبحث عن لا شيء؟

أنا كنت بهذا الشعور أمشي بحالة مزرية من الضياع بلا غاية او هدف.

لم ينتشلْني مما أنا فيه الا رؤية "عامر عاصي" وجدته داخل المبنى بين الناس وقد تأخر الوقت وبدأ الناس يغادرون وقد أشرفتْ محلاتُه على وقت الاغلاق.

فذهبت فوراً باتجاه عامر، كنت مسرعاً ومرتبكاً حتى نسيت أنني لم أره لبضع سنين ، لم أكن آبهاً حينها بالسلام او بحرارة اللقاء فبادرته بلفظ متلجلج قائلاً: عامر التقيت اليوم بعريان وحدثته وجلست اليه وتمشيت معه وأخذت معه صوراً بهاتفي هذا....... ولوحت بالهاتف أمام وجهه.

كان عامر ساكتاً لا يتكلم ووجهه بلا أي تعابير لقد حيّرني أمره لكنه كان يُصغي لي باهتمام وكان سكوتُه سكوتَ مَن يدرك ما يحدث ويعلم ما يدور في خَلَدي ويفهم ما أقول بلا كثير شرحٍ وتفصيل.

فتحت هاتفي وبدأت أعرض له الصور وكيف أن كل شيء في الصور كان موجوداً وواضحاً إلا عريان السيد خلف.

كان عامر يتابع عرضي للصور بتأن لكنه لم ينبس ببنت شفة حتى سألته اين ذهبت صورته؟ اين هو؟ لماذا لم يظهر عريان فيها؟

فاجابني بهدوء: الميتون لا يظهرون في الصور يا صديقي... الميتون لا يظهرون في الصور....

الميتون لا يظهرون في الصور....

كررها عدة مرات وظل يكررها وانا اشعر بانزعاج وضجر من سماعها بل وأتألم منها، حتى امسكت بيده وتمنيت عليه ان يسكتَ.... فسكت.

وسكتُّ أنا ايضاً .....

بعد لحظات سكن حالي قليلا وعدت لعقلي فقلت له: انت محق يا صديقي ....

الميتون يظهرون في كل شيء؛ في صفحات الكتب وساحات اللعب وجدران المدارس.

في المقاهي والاسواق والازقة القديمة

نراهم في وجوه الاطفال وتجاعيد الشيوخ وعيون الامهات

نقرأهم في قلوب البعيدين وعقول المتغربين وربما في احلامهم ايضاً.... ولكنهم لا يظهرون في الصور.

تذكرت سيارتي فمشيت اليها وتركت عامر عاصي واقفاً وفي وجهه الف عبارة ساكتة.

كل ما اذكره في تلك اللحظة انني حين حانت مني آخر التفاتة اليه لمحت دهشته قد جرت من عيونه.