
الأكاديمي علي المرهج: الصهرُ والقهرُ مهمة المُستبدٍين
الأكاديمي علي المرهج: الصهرُ والقهرُ مهمة الحاكم المُستبدٍ لا الحاكم العادل
* كلُّ أمةٍ لا مُصلحين ولا فلاسفة فيها مصيرها الفناء
* مفهوم العقد الاجتماعيّ يحمِل في طيَاته سعي أصحاب السلطة إلى الهيمنة والتحكُّم بمصير الأفراد والجماعات
الفلاسفة يسعون إلى تخليص المُجتمع من سطوة رجال الدِّين
(الكهنوتيين )
حاورهُ: هاشم الشمّاع
الفكرُ الإنسانيّ غنيٌ بالعديد من الفلسفات، التي تُنظِّر من جهة، وتُثير الشكوك والتساؤلات من جهة أخرى لتنتهي بالنتيجة إلى تثبيتِ مجموعةِ مبادئٍ وأفكار من الممكن أن تكون دستوراً مصغَّراً للانطلاق نحو أُفق العمل بالمقدار الذي يُحاول جمع المشتركات لتهذيب المختلفات .
والسياسة هي جزءٌ من الفكر الفلسفيّ، وهي تسعى إلى إصلاح شؤون الناس وتستفيد من عقل الفيلسوف لتنظيم القوانين وتأسيس المبادئ التي تنهض بالدولة عامةً.
وإذا ما تعمّقنا بمفهوم السياسة سنجد أنه مفهوم عميق يشمل الناس والمؤسسات وفن الإدارة والحكم والصناعة والتجارة وغيرها من التفرُّعات، التي لا محلّ لسردها هنا.
ولعلّ السياسة هي الجزء الأكثر بروزاً ومزاولةً من بنات الفلسفة العديدات.
يرى الدكتور علي عبد الهادي المرهج أستاذ الفلسفة في كلية الآداب - الجامعة المستنصرية وهو من مواليد ذي قار قلعة سكر العام 1970، وحاصلٌ على شهادتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة، وتخصصه الدقيق الفكر الفلسفيّ العربيّ المعاصر، أن الفلسفة لم تُولَد مع ولادة الإنسان، ولكن السؤال الفلسفيّ مُضمرٌ في الوعي الإنسانيّ منذ وجوده، ففي الفكر الأسطوريّ تساؤلٌ عن أسباب الوجود، ولكن الإجابات عن هذا التساؤل بحكم المنظومة المعرفيّة المُهيمِنة في بدايات الخليقة كانت تنتظمُ وفق الرؤية الأسطوريّة التي يشتغلُ فيها العقل مُنسجماً معها على المستوى العام، لكنه بفردانيته عقلٌ فاعلٌ مُبدع.
يقول الفيلسوف هيدجر إن "الفيلسوف يُفكِّر آنياً وداخلياً مع نفسه، ثم ينتقل إلى التفكير بالآخر"، والتفكير آنياً بالذات بالنسبة لهيدجر هو وجود أنا مع آخر، فلا معنى للتفكير، الذي يسبق الوجود، لأن الوجود البشريّ إنّما هو "وجود في العالم" وبمعنى آخر هو "وجود مع آخرين"، والآخرون عند هيدجر يُشكِّلون جوهر الوجود الأصيل للفرد.
لكن المرهج يعتقد أنَّ فكرة العقد الاجتماعيّ ظهرت مع توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، وأن لها بُعدين، الأول اجتماعيّ، والثاني سياسيّ، والأخير هو الغاية، والقصد منه ضبط علاقة السلطة بالفرد والمُجتمع، مشيراً إلى أن مفهوم العقد الإجتماعيّ يحمِل في طيَاته سعي أصحاب السلطة إلى الهيمنة والتحكُّم بمصير الأفراد والجماعات، لكن الفلاسفة يعملون بسعيٍ جاد إلى تخليص المُجتمع من سطوة رجال الدِّين (الكهنوتيين) عبر التنظير للفصل بين السلطات للإيقاع بالجماهير ليكونوا أداة طيعة بيد الساسة.
إلا أن الأمر مُختلف مع هيدجر، إذ لم يكن مشغولاً بالدفاع عن فكرة العقد الاجتماعي أو مفهومه بقدر ما كان شغوفاً بإيجاد حلول لمشكلة الحُرية، حلول بعيدة عن أشكال الهيمنة كلِّها، سواء كانت دينية أم سياسية. وما يهتم به هيدجر هو الوجود الحرّ للأفراد حتى داخل المنظومة المُجتمعيّة السائدة.
ويقول المرهج إن الفيلسوف، منذ نشوء الفلسفة مع طاليس وتطوِّرها مع أفلاطون وتلميذه أرسطو، لم يكن بعيداً عن المُجتمع، فطاليس فيلسوف الطبيعة كان مهموماً بالبحث عن حلٍّ لمشكلة الوجود، وهي مشكلة تبدو أنها ذات طبيعة (ميتافيزيقية) إلاّ أنها - وبنظرةٍ مُنصفةٍ - حلٌّ لمشكلة علاقة الإنسان بالطبيعة والوجود، وعلاقة الإنسان مع الآلهة في وقتها وزمانها، فقد أوجدَت تفسيراً مُستمداً من المُلاحظة لا من الأسطرة لعلة الوجود يعتمد الرؤية العقلانيّة، ضارباً مثلاً أننا لو أخذنا فلسفة أفلاطون المثاليّة، التي يؤاخذهُ عليها كثير من الواقعيين كونها تصنعُ عوالم في المُخيلة، لكنّها لم تكن بعيدة كُلّ البُعد عن الواقع، ويستعير المرهج جملة يكررها دائماً لأستاذه (مدني صالح) وهي: إن "المثال هو المُتمنى. ما إن يتحقّق المُتمنى حتى يصبح واقعاً، فلا فرق بين ما هو مثاليّ وواقعيّ إلاّ من جهة التحقُّق".
لكننا لو أخذنا الفلسفة السفسطائيّة لوجدناها فلسفة إنسانية بامتياز، وعلى وفق آراء فلاسفتها نشأت أغلب الفلسفات الواقعيّة المُعاصرة، والفيلسوف مهمته الأساس هي القبول بالآخر والتأسيس لمنظومةٍ يتعايش بها الجميع من الذين يختلفون في الرأي لا في مُمارسة العُنف وقسر الآخرين على تبني رأيٍّ واحد.
وفي رأي المرهج أن عبارة التفكير الصحيح عبارة مُفخخة، فكلُّ أُمةٍ بما لديها فرِحَة، وكلُّ جماعةٍ تدَّعي أن ما تتبنّاه من فكرٍ هو الصحيح، ومشكلة مُجتمعاتنا بنمط انتماءاتها العقائديّة والآيديولوجيّة ونزوعها "الدوغمائيّ" أو "الأرثذوكسيّ" بعبارة محمد أركون، فلا تجد في مُجتمعاتنا فرقة إلاّ ويدَّعي أصحابها أنهم "سفينة النجاة" من ركبها فقد نجا، وحديث الفرقة الناجية معروف، وكلُّ فرقةٍ تدَّعي أنها هي المقصودة به.
إن ما يُميِّز أهل الفلسفة أنهم يطرحون رؤاهم بالحُجة والدليل، ولكنّ هذه الحُجة والأدلة ليست مُسدَّدة بإرادةٍ ربانية، فلا حساب لمن لا يأخذ بها، لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة، لذا يقولُ المرهج إن في الفلسفة فسحة من الدعوة للتفكُّر بحرية خارج هيمنة المُقدّس المُفارق أو سطوته، وتالياً، يقول المرهج، إن التفكير الصحيح بلغة أهل الفلسفة هو في مرونة التعقُّل لا في انغلاقه، وبالتخلي عن ادّعاء العصمة الفكريّة لبني البشر، فمهمةُ الفلاسفة البحث عن الحقيقة لا ادّعاء إمتلاكها.
ويرفض المرهج القول إن العلاقة الجدليّة بين الفلسفة كنظامٍ تفكيريٍّ باختلاف اتجاهاتها وبين السياسة التي لها أيضاً اتجاهات وتعاريف متعددة، فهو يرى أن السياسة هي من أقسام الفلسفة العمليّة، وأن جُلُّ الفلاسفة نظَّروا في السياسة، لأنهم يعتقدون أنهم الأصلح لإدارة الدولة منذ أفلاطون في جمهوريته مروراً بالفاربيّ في مدينته الفاضلة، وأوغسطين في "مدينة الله" وصولاً إلى مكيافيلي في كتابه "الأمير"، من دوت إغفال فلاسفة التنوير منذ كانط في رسالته "ما هو التنوير؟" و"السلام الدائم"، وكذلك توماس هوبز في رؤيته للعقد الاجتماعيّ في كتابه "اللفيثيان" وجون لوك في "الحُكم المدنيّ" و"رسالة في التسامح" وجان جاك روسو في كتابه "العقد الإجتماعيّ" ومنتسكيو في كتابه "روح القوانين" أو "روح الشرائع"، كما أن هناك أمثلة لعلاقة الفلسفة بالسياسة في الفلسفة الإسلاميّة عبرت عنها كتابات ابن خلدون في مقدِّمته والماوردي، ولم يستطع مفكّرو السياسة تجاوز رؤى الفلاسفة واتجاهاتهم، فكلُّها تدور في فلك الفلسفة، إن كانت مثالية أم واقعية، وبقي الصراع في الفكر المعاصر على أشُدَّه بين الرأسماليين والاشتراكيين، وكلّ منهم يختط رؤيته على وفق منهج فلسفي، إمّا أن تكون الليبرالية وتأسيسها الفلسفيّ في الدفاع عن الحرية الفرديّة، أو الماركسيّة وتأسيسها الفلسفيّ في الدفاع عن حقوق الجماعة التي تُمثّلها "البروليتاريا" أو "الشغيلة"، وفي كلا اتجاهي الفلسفة هذين وجدليّة الصراع بينهما التي لا زالت تحكم العقل الغربيّ، بل وحتى الشرقيّ، فنحنُ أُسرى لهما إمّا بالرفض أو القبول أو التوفيق الذي يقتضي التلفيق.
يصف المرهج أن عبارة "الفيلسوف يتفلسف من أجل السياسة" بأنها عبارة مُبهمة، فإنّ كان المقصود أن لكلِّ فيلسوفٍ من الفلاسفة النسقيين رؤية في السياسة، فالجواب نعم، فتلك كانت ولا زالت من موروثاتنا ومأثوراتنا عن الفلاسفة التقليديين، بل وحتى فلاسفة الحداثة، مشيراً إلى أن الفلاسفة لم يتخلَوا يوماً عن شعورهم بأنهم الأصلح للقيادة، وأن القيادة من مُستلزمات السياسة، لكن أن يكون السياسيّ سياسياً من أجل تنفيذ الأطر والتنظير الفلسفيين، فذلك غير معروف عن ساسة المُجتمعات العربيّة والإسلاميّة، لأن أغلب السياسيين إنّما يحكمون على وفق أهوائهم الشخصيّة ونزوعهم النرجسيّ بأنهم "مُختارو العصر" فلا فلسفة عندهم للقيادة ولا للسياسة، وإن كان بين حاشيتهم بعضٌ من الذين يتفكّرون فمصيرهم الإقصاء والإبعاد.
في تاريخنا العربيّ الإسلاميّ توافرت في الخليفة العباسي (المأمون) بعضٌ من وعيٍ في الفلسفة ووعيٌ في السياسة يمكن أن تذكر على تحفُّظ!.
ولكن هل نجح الفلاسفة في بناء دولةٍ فكريةٍ يتسامى فيها الجميع، وينصهرون فيها على اختلاف توجهاتهم؟
يقول المرهج: إن كلُّ قارئٍ بسيط يعرف أن الفلاسفة ينظِّرون إلى كيفية بناء الدولة، ولكنّهم ليسوا قادة ولا كلمة لهم تُسمع حتى يتسنى لهم بناء دولة فكرية يتسامى فيها الجميع، مبدياً تمنيه بأن تكون للفلاسفة القُدرة على جذب الجماهير إلى منطقة تفكيرهم في تبني الرؤية العقلانيّة النقديّة لا صهر المُختلفين، لأن في الصهر تغييب للتنوّع، وتلك ليست من مهمات الفيلسوف، وإنما الصهرُ والقهرُ من مهمات حاكمٍ مُستبدٍ لا حاكمٍ عادل ألا وهو الفيلسوف.
وأخيراً فإن الأُمة التي ليس فيها فلاسفة فإنها كالأرض القاحلة لا نبت فيها ولا زرع، ولا يصلُح حال أمة تبغي النهوض من دون وجودٍ لفلاسفةٍ ومفكّرين يُرمِّمون يباب الأرض ويُعمِّرون الهدم الذي في العقول قبل أن يُرمّموا الهدم في العُمران، فالتغيير من مهمات الأنبياء والمُصلحين والفلاسفة، وكلُّ أمةٍ لا مُصلحين ولا فلاسفة فيها إنّما مصيرها الفناء.