المنظور الإداري للاختلاف

المستقلة – القاهرة – دكتورة هاجر عبد الحكيم

معظم الناس يفضلون النسخة المتكررة من أفكارهم ومكونات شخصياتهم ويكرهون بل قد يعادون من يختلف عنهم، غير أن الإداري الناجح المؤمن بمقومات علم الإدارة، له نظرة مغايرة تماماً لذلك، فهو يرى الاختلاف نعمة يجب الاستفادة القصوى منها.

مع فهمه العميق للفرق بين:- نعمة الاختلاف وآفة الخلاف

أن غذاء العقل فضلا عن غذاء الروح مثل غذاء البدن، فما يسهل هضمه على إنسان قد يكون عسير الهضم على إنسان أخر ومضراً له وهناك معدة لا يصلحها سوى الطعام الدسم ولا تسكن بسواه وفى المقابل معدة أخرى لا تستطيع سوى هضم الطعام المسلوق السهل, هذا من جانب ومن جانب أخر فان ما تستطيع المعدة هضمه والتلذذ به في عمر معين ترفضه وتأباه وتتألم منه في عمر لاحق, فلا ينبغي إنكار طبائع البعض على البعض من حيث الخلقة والخليقة, وكذلك لا ينبغي إغفال المراحل العمرية لكل إنسان وما يناسبها, فما ينطبق على غذاء البدن ينطبق أيضاً على غذاء العقل، بل يتفوق عليه تعقيداً, ويتفوق على هذا وذاك غذاء الروح…..,ولذلك قال العلماء العارفون في هذا المقام: (ليس كل ما يدرك يقال, وليس كل ما يقال حضر أهله, وليس كل ما حضر أهله حضر زمانه)0

لهذا يجب التركيز على مسلمات الاختلاف بين الناس والتذكير بها من حين لآخر, وعدم الخلط بين الخلاف والاختلاف , ليرحم بعضنا بعضا في فهم شتى العلوم وخاصة العلوم الدينية ليتقلص الخلاف وتتغير النظرة للاختلاف وذلك لحتميته وأهميته , ويعترف الكل بالقدرات التكوينية والوجدانية المختلفة لكل إنسان والتي يمكن تمثيلها بمنحنى أو خط بياني, احد طرفيه يهتم بالمبنى والظاهر والطرف الأخرى يهتم بالمعنى والباطن , وبين الطرفين عدد لا حصر له من البشر كل منهم له طبيعته الخاصة في تناول وفهم الحياة الدنيا وإدارة شؤونها، والآخرة وفلسفة الوجود تبعاً لنسب المزج المختلفة للظاهر والباطن, وحول وسط المنحنى تتمركز الأغلبية العظمى من البشر وهى خامات جاهزة لاعتناق ما يدين به كلا الطرفين حسب تأثير أدوات كل طرف سواء المادية أو المعنوية ,غير انه من خصائص هذه الأغلبية استهجان التعمق والفلسفة والمعنى الحقيقي للأشياء الأمر الذي يجعلها وليمة شبه جاهزة للانحياز لطرف المنحنى الذي يهتم بظاهر الأشياء بأقل وسائل الإقناع …

هذا فضلا عن الإنكار التام من قادة أصحاب الظاهر للتعمق و الفلسفة والوجدان وتأثيرها المتداخل على الإنسان وهم يقبعون على احد طرفي المنحنى….., وقادة أهل المعنى على الطرف الآخر حياتهم كلها تعمق وفلسفة ووجدان ومشاعر وربما طغى عند بعضهم الباطن على الظاهر وجعل منهم محل انتقاد .

والعامة من الطرفين وهم كثير يتوجسون خيفة من الآخرين و ينكرون عليهم ما هم فيه , ومن هنا يبدأ الخلاف والتناحر.

فهل يمكن بقليل من المعرفة العلمية المجردة والتركيز على أهمية الاختلاف بين الإنسان في كل شيء الألوان والأجسام واللغات والوجدان,000 فلولا اختلاف الألوان ما كان هناك تباين ولا تنسيق للزهور فلا يجب تحويل الاختلاف الهام والضروري لحياة الإنسان إلى خلاف بين الإنسان نفسه يبدد طاقته وينمى العداوة والبغضاء لدية تجاه الآخرين، بارك الله في علم الإدارة الذي هو ذروة العلوم الإنسانية .