
محمود الجاف
في الليل عندما نتحدث أحيانا عن الجِن . سنجد من يُؤكد لنا أنهُ سمعهُم يدقون الطبول . أو رآهُم على شكل حيوانات غريبة الشكل . يُصدّقهم البعض ويرى آخرون أنها مُجرد مزحة ثقيلة وانا اؤكد صحتها فالعقل الباطن يُنفذ ما يُفكر به الانسان ويتخيلهُ ويُحاول أن يُثبت أنهُ حقيقة رغم عدم وجوده . في الصباح وأنت في بيتك لاتشعر بالخوف مُطلقا . لكن حين تغيب الشمس تبدأ تلك الافكار تُراودك رغم أنه نفس المكان وهذا الامر مكَّن صُناع السينما من الاستفادة من إيمان الناس بوجود الجن؟ ولهذا اعتمدت أفلام الرعب على تحويل ما هو بديهي إلى مصدر خوف .
ما الذي يبدو مُخيفا أكثر بالنسبة إليك ؟ تدخين السكائر أم أفعى في مرحاضك أم سيارة فاخرة في مرآبك ؟... ما رايك ان الإحصائيات تؤكد إنّ معدلات الوفيات التي تسببها السيارات في العالم أكثر من التدخين ولدغات الأفاعي . فلماذا تخشى الأفعى والسيكارة أكثر مِن سيارتك ؟ لاحظ استاذ علم النفس مارفين زوكرمان ميل الأفراد لنيل الشعور بالإثارة من خلال عوامل صناعيّة تحاكي مخاوفهم مثل الأفعوانيات الخطيرة في مدن الملاهي وهو ما أسّس عليه نظريته (Sensation-Seeking) التي يعزو فيها سبب شيوع أفلام العنف إلى التعوّد ويمكن رؤية ذلك على هواة القفز بالمظلات الذين يسعون لإثارة أكبر من تلك التي يحصلون عليها جرّاء قفزهم من داخل طائرة فباتوا يستخدمون أماكن أكثر قربا للأرض مثل سفوح الجبال والسبب هو سعيهم للحصول على إثارة أكبر من خلال تقليل الزمن المتاح لهُم من أجل فتح المظلة التي إن لم يفتحها فمن المُؤكد أنهُ سوف يموت .
وصناعة السينما تستقي مثلًا من فكرة الملائكة والشياطين مفهوم الأشباح التي تستطيع مُطاردتك . وحولت الجسد البشري إلى مادة للرعب المُفرط مثل مصاصي الدماء او المُهرّج الذي كان عملهُ نشر السعادة أو دميّة تُسعد الأطفال إلى قاتل يتغذّى عليهم وهذا الأمر يجري عرضهُ دوما من خلال شخصيات تُمارس المجازر من وراء قناع ترتديه مثل شخصيّة اللعبة جاكي الشهيرة .
عندما نسمع كلمة زومبي ... يتبادر الى اذهاننا فورا ويقودنا جهلنا بتاريخ الشعوب الى الافلام المُخيفة البائسة التي عرضت الجثث التي تعود الى الحياة لتأخذ الناس الى عالمهُم المُظلم . الشخصية الخيالية التي اكتسبت زخمًا كبيرًا إثر استخدامها في أفلام هوليوود بدايةً عام 1968م . لكنّ الكثيرين ربما لا يعلمونَ أنه القائد المُسلم الذي فجر ثورة العبيد الأفارقة في البرازيل على المُستعمر البرتغالي ...
جانجا زومبا : هو أحد الابطال الذين خلدهم التاريخ . فقد أكدت الوثائق أن الذين جيء بهم كعبيد هم من جذور إسلامية وكانوا يتلون القرآن باللغة العربية . وصلت أفواجهم إلى البرازيل عام 1538م ونقل إليها 14 ألف مسلم والسكان لا يزيدون على 57 ألفًا وفي السنوات التالية أخذ البرتغاليون يزيدون من أعدادهم إذ جلبوا من دولة أنجولا وحدها 642 ألف مُسلم زنجي . حُمِلوا في قعر السفن بعد أن رُبطوا بالسلاسل الحديدية ومات منهم من مات وألقي في البحر من أصيب بوباء أو حاول المُقاومة . اقتلعوا بالقوة من مُحيطهم ليكونوا خدمًا مُسخرين كالآلات في هذه البلدان وظلوا ينقلون من أفريقيا إلى البرازيل وإلى أميركا مدة تزيد عن ثلاثة قرون . وقد استطاعوا أن يُعلِّموا البرازيليين الكثير من المهارات في الزراعة والهندسة المعمارية . وتحت وطأة الظلم الشديد لجأ بعضهم للهرب إلى الأدغال والغابات وأنشئوا مجتمعات خاصة بهم عام 1579 م .
لم يكن المُستعمر ليسكت على ما فعلهُ هؤلاء فقامت العديد من الحُروب بينهم كانت الغلبة في أكثرها للمُستعمر الذي كان يمتلك سلاحا مُتطوِّرا ومع ذلك لم تستطع القضاء على تجمعاتهم بشكل كامل . كان مع هؤلاء العبيد شيوخهم الذين يعلمونهم القرآن ومبادئ الشريعة الإسلامية وبعد أن ازداد عددهم وقويت عزيمتهم قاموا بعدة ثورات تحررية كان من أهمها تجمعهم في منطقة بالميرس شمال البرازيل في القرن السابع عشر وبالتحديد عام 1605م . واستطاعوا بعد عناء شديد تأسيس كيان خاص بهم وصل عدد سكانه 30 ألفا اطلقوا عليه اسم (بالماريس) واستطاعوا أن يكونوا لهم جيشا يُدافع عنهم فما هي هذه الـدولة ؟ ومن هم قادتها ؟
تأسس هذا الكيان عام 1605م من مجموع مستوطنات استطاعت أن تحقق اكتفاءً ذاتيًّا وفيما بعد تمّ اختيار جانجا زومبا ملكًا لهم من قبل قادة المستوطنات التسع المنضوية تحت لوائها . بقيت تحت لواء بالماريس وكانت تُحكم من قبل إخوته وأبنائه وابن أخته القائد الشجاع زومبي وأخيه . وبعد صراع طويل عرض الحاكم البرتغالي بيدرو ألميدا عليه مُعاهدة صلح تقضي بإعطاء الحرية لجميع العبيد الهاربين إذا أعلنوا انضواءهم تحت السلطة البرتغالية . وافق زومبا ولكنّ القائد الشاب زومبي لم يوافق لأنه رأى أنها مُجحفةً . وأعلن انقلابًا على خالهِ زومبا الذي تمّ تسميمهُ بعد ذلك وقاد المعارك ضدّ البرتغاليين منذ عام 1678م وحتى سقوط بالماريس تمامًا عام 1694م . أصيب زومبي في إحدى قدميه ورغمًا عن ذلك أكمل ثورتهُ على المُستعمر إلا أنهم استطاعوا أن يعثروا على مخبأهُ بسبب خيانة أحد أتباعه الذي ساومُوه على حياتِهِ مُقابل أن يدلَّهم عليه . وبعد القبض عليه قُتل على الفور في 20 نوفمبر 1695م .
قُطع رأسه وأعضاؤه التناسلية ومثَّلوا بجثته قبل عرضها على الجمهور في إحدى المُدن الكبرى تخويفًا لأي قائد أو عبد يفكِّر في الثَّورة على البرتغال . كما تمّ بيع الأسرى الى أقصى شمال البرازيل حتى لا يتجمَّع رفاق السلاح من جديد . وأُلقي القبض على الناجين الذين فرُّوا من بالماريس عام 1713 م .
في عام 1960 م بدأ الاحتفال بيوم الوعي الأفرو برازيلي وهو تاريخ إلغاء العبودية ولكنّ البرازيليين ذوي الأصل الإفريقي طلبوا أن يكون في يوم إعدام القائد زومبي في 20 نوفمبر من كل عام . أصبح بطلًا للحركة السياسية بينما تعتبره البرازيل بطلًا قوميًّا لأنه حارب العبودية والمستعمر ونالَ تمجيدًا لا يزال قائمًا حتى اليوم بعد أن دفع حياته نظير الحرية .
زومبا هو حفيد ملك الكونغو الذي قاد معركة كبيرة ضد البرتغاليين لكنهُ هُزم في النهاية . وانتهت حياته بيد احد أتباعه .