
محمد السيد محسن
في صيف عام ١٩٩٨ عدت للعراق بعد غربة امتدت لعشر سنوات وزرت حبوبتي "جدتي لأبي" في الناصرية برفقة شقيقي الأكبر، وكانت السياقات أن نلتقيها في غرفتها حيث تمتنع عن الخروج، وكان الأمر يقلق عمي وحرض أخي أن يبقى في صالة المنزل، كي تأتي حبوبتي للصالة لكسر قرار اعتكافها، وبعد أن سمعت أني في الصالة خرجت مجبرة وقوس السنين كان رسم على ظهرها كهولتها،حيث بلغت من العمر عتياً، وكان مشهدًا مبكيًا بالنسبة لنا جميعاً، لكن الأنكى منه هو ما تحدثت به حيث قالت مبررة عزلتها: أنا عزيزة بنت سيد عبد الله لا أقبل لأحد أن يراني وبي "كبرة" وكانت تقصد انحناءة ظهرها.
ما زلت أذكر هذه الحادثة وأطبقها مع كل موقف عزة نفس يفترض أن يجسده البعض في مشاهد حياته.
وما زلت أندب حظي لضياع بعض القيم، وخصوصاً تلك التي تتعلق بالقيم المطلقة التي تعودنا على الإقتناع بها، والتي يفترض أن لا تصبح نسبية مثل قيم الشرف والنزاهة وغيرها من السمات التي شكلت الشخصية العربية على طول التأريخ.
لكننا اليوم نشهد تحول تلك "المطلقة" إلى "نسبية" في تبرير قبولها لممارسة العقل الجمعي.
منذ زمن ليس بعيداً إذا قيل لأحد أنت مرتشي أو لص يأخذه الخجل ويعد ذلك منقصة واعتداءً، أما الآن إذا قلت للبعض إنك لص فإنه يضحك ويجيبك "مو بس آني" في إشارة لشيوع اللصوصية في المجتمع وفق مسميات جديدة كلها تدل على اللصوصية مثل "شطارة" أو "مشي حالك" وما إلى ذلك من تعريفات جديدة للسرقة دون الأخذ بنظر الإعتبار المنظومة الأخلاقية والدينية المتقادمة منذ نعومة أظفارنا.
نحن إذاً في مشكلة مجتمعية متفاقمة، ربما هي ايديولوجية يحاول البعض من أصحاب القرار أن تصبح سائدة في المجتمع، كي يستمر هذا البعض من أصحاب القرار من مواصلة السرقات بفتح هامش له لعامة الشعب ومحاولات التغاضي عن الحد منه بالعقوبات المتعارفة وفق القوانين والقضاء والأعراف.
وأشد ما زاد من هذه المشكلة هو أن البعض من رجال الدين باتوا هم أبطال هذا المشهد. أولئك الذين يحظون بقيمة مجتمعية فيها الكثير من القداسة عند عامة الجمهور الذي اعتاد أن يقلد رجل الدين في تصرفاته وتصديق ما يقوله مثل "صك غفران" مقدس، فبات لنزول رجال الدين بزيهم المعتاد إلى واقع السياسة في العراق الأثر البالغ في تهشيم منظومة القيم الأخلاقية وتمييع الموانع الدينية التي كانت سدًا منيعًا لأي خطأ فردي.
وحينما يقبل رجل الدين السياسي أن يتمتع بمزايا على حساب المال العام، أو انتهاز فرصة وجوده ضمن المنظومة التشريعية الجديدة في العراق، فإن لذلك انعكاسًا سيئًا على المنظومة الأخلاقية العامة، خصوصًا وإن القوانين الجديدة التي أقرتها الطبقة السياسية لنفسها في ظرف استثنائي يفترض أن تتم مراجعتها، أولاً لإبداء حسن النية، وثانياً لإنصاف المرحلة التأريخية التي تمثلهم. بيد أن الأمور ما زالت تسير رغم اعوجاجها، ورغم أن المعطيات والمخرجات باتت تنبئ بأن العراق يمر بموجة "إلحاد" سببها تلك القوانين التي أعطت بجزالة غير معهودة، في وقت أن هذه الجزالة يفترض أن لا يتسم بها من يتحدثون بالتقوى والزهد والاستعداد لمقابلة الرب بعد الحياة بأيادٍ بيضاء وبعمل حسن.
ومن نافلة القول: أن بعض السياسيين من نتاج "الإسلام السياسي" في العراق وبغية خلط الأمور وإحاطتها بلباس الدين باتوا يستخدمون مفاهيم إسلاموية ودينية لتبرير حصولهم على امتيازات كبيرة في وقت يمر به العراق بأيام قحط وضياع هوية، حيث استخدموا لفظ "الجهاد" لفترة معارضتهم النظام السابق وأخذوا باسم "الجهاد" أموالاً على حساب المال العام، والحقيقة أن نضال المعارضين ومقارعتهم للنظام السابق ليس له علاقة مع لفظ "الجهاد"، فليس من حق المجاهد في سبيل الله أن يأخذ مالاً مقابل جهاده لأنه سيفقد امتيازاته وعلو كعبه على أقرانه من "القاعدين" حين يقابل ربه.