زوال الطبقة الوسطى من المجتمع / الحلقة الثانية
                                        

عمر سعد سلمان 

        

يبدو ان الغرب الصناعي متجه الى الانقسام الى مجتمع ثنائي يتألف من طبقتين اثنين هما الطبقة العليا صغيرة الحجم والمتصفة بالثراء الفاحش والطبقة الدنيا الفقيرة التي تضم باقي افراد المجتمع، دون ان يكون بينهما خط وسطي، كانت تشغله الطبقة الوسطى من قبل. 

ويجمع كثير من الكتاب في الغرب على ان الطبقة الوسطى للقرن الواحد والعشرين باتت ترزح تحت أعباء مادية، وتعيش في مستويات قريبة من مستوى الافراد في المجتمعات النامية. اذ ان دخل العمل لديها يكاد لا يكفي لسد مطالبها الضرورية، كما ان أوضاعها المالية لا تبتعد كثيراً عن مستوى الفقر. 

ويلاحظ الخبراء الاقتصاديون الغربيون ان المجتمع الأمريكي ينقسم اليوم الى طبقتين هما الطبقة العليا والطبقة الدنيا، وهو في ذلك يشبه بلدان أمريكا اللاتينية. وفي الاقتصاد الجديد تصبح الطبقة العليا هي الطبقة الرابحة التي تعمل عمداً لتحويل الطبقة الوسطى والفقيرة في مجتمعها الى شكل من اشكال الجماعات المعدومة والمقهورة في بلدان العالم الثالث. كما يراد إعادة تشكيل الدولة وفق نموذج جمهوريات الموز في أمريكا الوسطى. ويبدو ان هذا الامر مستمر على هذا النحو في المجتمع الأمريكي وسيؤدي الى انقسامه الى طبقتين: الطبقة العليا المسيطرة على المال والسلطة السياسية، اما بقية السكان فيحتلون المستوى الأدنى، بما في ذلك الطبقة الوسطى التي تنهار وتكاد تزول من المجتمع. 

وليس ادل على هذا الامر من ملاحظة المستوى المعيشي الراهن لرب اسرة من الطبقة الوسطى، كان في الماضي يكتفي بممارسة عمل واحد يضمن له ولأسرته دخلاً مادياً معقولاً يكفي لتلبية جميع المتطلبات مع تخصيص مبلغ معين للادخار.

لقد ألقت العولمة أعباء كثيرة على عاتق الطبقة الوسطى التي يعتبرها معظم علماء الاقتصاد في الغرب العمود الفقري للديمقراطية السياسية. وقد أفادت العولمة بحدود ضئيلة جداً الطبقة الفقيرة بما اتاحته من خدمات تعليمية وصحية. اما الغنيمة الكبرى فقد كانت من نصيب الطبقة الغنية، بما وفرته لها من فرص مكنتها من تكديس الثروات الطائلة، اما الطبقة الوسطى فلم تحظ بنصيب عادل من تلك الفوائد، بل انها على العكس من ذلك واجهت صعوبات كبرى، وأدى ذلك الى تدهور دورها الاقتصادي والاجتماعي.  

يثير تراجع الطبقة الوسطى قلق المجتمع المعاصر، وذلك بسبب الدور الذي تلعبه تلك الجماعة في المحافظة على التوازن بين مكونات المجتمع الحديث الذي يتألف من 3 طبقات اجتماعية (الغنية والوسطى والفقيرة). وعند فقدان عنصر التوازن هذا لا بد من إعادة البحث في التيارات الاقتصادية والاجتماعية التي حملتها رياح العولمة الى العالم. 

ولكن هل زالت الطبقة الوسطى من الوجود تماماً على ما تذهب اليه بعض الآراء؟ ام ان هناك املاً في ان تسترد الطبقة الوسطى ما فقدته، وذلك بعد حين من الوقت. نعتقد ان الامر يتطلب تغييرات جوهرية في بناء مجتمع الغد، لأن أي مجتمع غير مبني على المساواة والعدالة هو مجتمع معرض للسقوط حتماً. ويعتقد الكثير من المراقبين ان تراجع دور الطبقة الوسطى مؤقت وعابر بسبب اعتمادها على مستوى عال من التعليم والثقافة، ولأن الدخل المادي وحده ليس هو العامل الأبرز في تطور الطبقات والمجتمعات.