
المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد
ارتحلت مع زوجها إلى عمله الجديد والكائن في صحراء موحشة، فضاقت ذرعاً بمعيشتها، وهَمَّت بترك رَجُلها وحده والعودة إلى أهلها، ولكنَّها تَلَقَّت خطاباً من والدها في سطرين اثنين فقط، ظلت تذكرهما طيلة حياتها، ذلك أنهما قد غيرا مجرى حياتها إلى الأبد، وهما: “من خلف قضبان السجن تَطَلَّع إلى الأفق اثنان من المساجين، فاتجه أحدُهما ببصره إلى وَحْلِ الطريق، أما الآخر فقد تَطَلَّع إلى نجوم السماء“. وظلت الزوجة تعيد قراءة الرسالة مراراً وتكراراً؛ فخجلت من نفسها، وعزمت أن تنظر إلى نجوم السماء.
إن كثيراً من الناس يضيق بالظروف التي تمر به، ويضاعف ما فيها من نقص وحرمان، مع أن المتاعب والآلام هي الأرض الخصبة التي تُنبت الرجال الذين حملوا المسؤولية على أكتافهم، ولم يلقوها وراء ظهورهم. ولو تفقدت مواهب العظام من البشر لوجدتهم لم يبدعوا إلا وسط ركام المشقات، وتكاليف المجاهدة، وكلما تأملت إنجازات النوابغ من الأمم لوجدت كثيراً منها قد أُنجز بدافع الشعور بالنقص الذي كان الحافز والملهم للقيام بها واجتناء ثمارها. فلربما كان طه حسين رجلاً عادياً لو كان مبصراً، أو كان بيتهوفن موسيقياً تقليدياً لو لم يكن أصماً. وهؤلاء وغيرهما، لم يجسموا مصائبهم باكين منتحبين، ولم يطلقوا ألسنتهم تلعن الظروف وتتهم الواقع، وإنما تعاملوا بحكمة مع واقعهم، ثم أطلقوا العنان لمواهبهم تُحوّل المحن إلى منح، وبرك الماء الكدر إلى أنهار من عسل لذة للشاربين، وقد وَعَوا أنه من الحكمة أن نتعامل مع ما هو قائم، ومن الذكاء أن نتكيف معه، ولكن العبقرية الحقيقية أن نحقق ما نصبو إليه من آمال رغم المصاعب والعقبات.
لاشك أننا نتفاوت في الإفادة من الشدائد التي تمر بنا، وقدرتنا على تحقيق الربح منها يختلف من شخص لآخر، ولا أظن أن أهم شيء في الحياة أن نستثمر أرباحنا في الأحوال العادية، فكلنا قادر على ذلك، ولكن التحدي في الحياة أن نُحيل الخسائر إلى مكاسب، والمكروه إلى ربح ذي جدوى؛ فهذا الأمر يتطلب فطنة وحذقاً ومهارة.
ولنعلم أن عُشاق السخط، ومدمني الشكوى، سيواصلون الرثاء لأنفسهم مهما بدت حياتهم رغدة هانئة، يلبسون فيها الحرير ويتقلَّبون في النعيم المقيم، فلن تعرف السعادة طريقاً لهم، فهم منها محرومون؛ فلا عبيرها يشمون، ولا بحياتهم يستمتعون، فالقدر لا يأتي دائماً وفق ما يشتهون.
أما أصحاب اليقين وأولو العزم من البَشَر؛ ففي صدورهمرحابة، كما تفرز نفوسهم عصارة تقاوم الاكتئاب، فيتعاملون مع المواقف والأحداث بمعطيات جديدة، ومسالك فريدة جعلت منهم علامات يخلدها الزمان.