في ذكرى الصديق حميد المطبعي

في ذكرى الصديق حميد المطبعي  

عبدالستار الراوي

رحل حميد المطبعي وأغلق عينيه على آخرة الأسفار، وهو يقبض بروحه على مبدأ الفقه السادس، (الفقه الوطني)، فقه العراق الأول والآخر ولاشيء سواه، فقه العقل والحرية والمواطنة، والإبداع والانتصار للحياة، وعاش وقضى وهو لم يتخل عن إيمانه بعراق مزدهر بهيج ينهض من رماد فجيعة التاسع من نيسان 2003، هذه حقيقة وادي الرافدين كان في البدء وسيبقى إلى الأبد واحداً متماسكاً قادراً على إعادة الاعتبار لهويته واسمه وحضارته ..

في شيخوخته، كما في مطلع شبابه، بقي عقل المطبعي يقظاً نابهاً، وكأنه يدشن الطريق من أوله، وهو يسعى لأن يدوّن تاريخ العراق الحديث والمعاصر بمبدعيه ورواده من العلماء والأعلام، فكانت موسوعته الكبرى: (أعلام العراق في القرن العشرين) عملاً علمياً مجيداً متفرداً في بابه، تعجز عن تقديمه فرق بحثية ومراكز دراسات، فشرّع الأبواب أمام أجيال الوطن الصاعدة والآتية ليتعرفوا على الكون العراقي بـ مفكريه وعلمائه، الذين أسهموا في إعلاء العلم والمعرفة في حاضرة الرافدين على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين.

الموسوعة، كما أعمال المطبعي التوثيقية الأخرى، تعد وطبقاً لآراء الخبراء وأصحاب الرأي عملاً بنيوياً فريداً قدم المؤلف فيه جهداً حضارياً مكيناً توفرت فيه الشروط الموضوعية كلها فكراً ومعرفة، واستخدم في بناء الشخصيات وفي تحليل المفاهيم والمصطلحات منهجاً ابستمولوجياً تفوّق فيه على ما ألفناه في الأنماط المعجمية الشائعة، متجاوزاً في بناء مادته وتحريرها المساطر الأكاديمية والأسفار الجافة.

واختار المطبعي أن يكون حراً في رأيه، طليق القلم في قصائده المتأججة، كما في كتاباته النقدية وأعماله الموسوعية الكبرى سواء بسواء، وتحمل لوحده بمسؤولية الباحث المحقق، كل حرف وكلمة أو نتيجة، قابضاً على ناصية العقل النقدي، مذكّراً قراءه وأصدقاءه بقانون الصيرورة وبحركة التاريخ في جريانه اللامتناهي .

وحميد المطبعي، منذ أن أنشأ (مجلة الكلمة) مع الراحل موسى كريدي، أبى أن يكون تابعاً، فوقف في ساحة الفكر، كما الألف حراً في رأيه ملكاً لإرادته فكان صادقاً مع نفسه نبيلاً مع أصدقائه ــ وهي سجايا المناضل الحقيقي العامل على تقدم المجتمع وسعادة الإنسان وحين تفاجئه العواصف العمياء، فلا سلاح يرفعه بوجه خصومه سوى الحجة البيضاء إذ لا ينتظر عوناً من أحد أو دعماً من بيت المال.

حميد منذ 1963 وحتى لحظة الرحيل لم تنل من عزمه أسلحة البلداء، فالحرية، التي آمن بها، هي حرية العقل معيارها الحجاج المتكافئ واشتراطات الواقع، لذلك لم يقع المطبعي تحت تأثير شعارات السياسة أو المناطقية الصناعية، أو المذهبية الذميمة، بل بقي أبو خنساء كما ألفناه الشاعر المبدع منذ العام 1963، باحثاً جاداً ومجتهداً مدققاً، منقباً في الوقائع المنسية والزوايا القصية، شغوفاً بجمع الجزئيات المتناثرة واختبارها ليشكل منها صورة الواقع، وقد يقتضيه البحث أن ينزل إلى قاع المدينة، يفتش عما تدخره دروبها ورفوفها العالية من حروف أو كلمات، لذلك لم يحرر حميد كتبه أو يدون ملاحظاته عبر الأدوات البيروقراطية أو المكتبية التقليدية، بل آثر أن يجري دراسته في الفضاء المفتوح، فغلب على منجزه الثقافي، منهج التقويم النقدي والتحقق الميداني، وهو الطابع المميز، الذي نجده ونلمس أثره في غالبية أعماله .

الرحيل

في رسالته إلى صديقه عبدالستار الراوي: يقول المطبعي في ختامها: انزلْ إلى قبري، الذي تباركه الجن أيام الصلوات، وشمّ رائحة الكافور في سفري الطويل، فكم رأيتك تصلي والقبور زواهر، وكم في جبهتك عذاب آدم يترنح على جلود الخطاة، نحن خطاة آدم، لأننا لسنا من طيور القيق، تفبركنا آلهة العماء، ويهلس ريشنا الغول، الغول، غول هذا العصر، من فبرك هذا العصر، غداة انتشينا بالسقوط، أو غداة أن العبيد صاروا سادة الأمراء، وكلك الأمير، أجئت بالنفير أم جئت بالعويل، تبارك فمك الذي تعالى على لسانك، السيد الباهر العلوي، تباركت في مقامي أو في مقام الدعاة، يا بذرة تشتهى في كل مائدة المواسم يا قمر الكرخ أنر كل زاوية في جراحي. [*]

تحية فيها سلام لروح الصديق حميد المطبعي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[*] حميد المطبعي: إلى عبدالستار الراوي.. القائم في وردة الرياح 1999ـ