الهدية ..بين الأخذ والمنع

المستقلة – القاهرة – بقلم الدكتور حسام خلف الصفيحى

من كرامة الانسان أن جعل الله حاجته الى مولاه فبيده وحده خزائن السموات والأرض يعطى ويمنع وهو على كل شىء قدير أزمة القلوب يجمعها اذا شاء وتتنافر اذا خالفت منهجه وأثرت على سبيله أهواءها وشهواتها التى لا يضبطها دين ولا عرف سليم.

ان الذى لا ريب فيه أن رسول الله- صلى ا لله عليه وسلم- كان يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة وفى هذا أخذ للانسان ان يقبل الهدية من الأخرين دون طلب أو استشراف ما ليس له بحق ويأتى هذا تحت عنوان : من لا يقبل الهدية لعلة وقال بعض العلماء كهدية المستقرض للمقرض وهبة الرجل لرجل يقضى حاجته عند أخيه أو لرجل يشفع له فى أمره.

ان الهدية فى عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- كما قال عمر بن عبد العزيز- : كانت هدية ولكنها اليوم رشوة والرشوة- بضم الراء وفتحها وكسرها- وهى ما يؤخذ بغير عوض ويذم أخذه وهى الموصلة الى الحاجة بالمصانعه وأصلها من الرشاء وهو الحبل الذى يتوصل به الى الماء فالراشى: الذى يعطى من يعينه على الباطل والمرتشى: الأخذ والرائش: الساعى بينهما ليستزيد لأحدهما وييستنقص لهذا أما ما يعطى توصيلا الى أخذ حق أو دفع ضر فليس داخلا فى الرشوة .

لقد اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد فى بيته شيئا يشترى به وهو فى طريقه تلقاه بعض الغلمان بأطباق تفاح فتناول واحدة فشقها ثم رد الأطباق فقال لا حاجة لى فيه فقال له الغلام : ألم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر- رضى الله عنهما- يقبلون الهدية؟ فقال: انها كانت لهؤلاء هدية وهى للعمال بعدهم رشوة.

كم هو عجيب ذلك الموقف وأعجب منه أن يصنع من التفاح بأيسر ما أتيح له من عطاء غلمان والتورع عن التضلع مما اشتهى حين يسر له وأعجب معى من الحوار الكريم الذى جرى بينه وبين الذين خرحوا معه وما ترك للناس فى كلمته المبصرة التى تلقى تراب المهانة فى وجوه الذين ارتكسوا فى مهادى الرشوة فى أقطار وديار وخروا الى الاذقان فى ثرى الثراء الذليل وسراب المتاع القليل .

وخوف الظلم انما يكون فى المجتمعان التى رق فيها الدين وخفت الخشية من الله وقام مقام العدل والرحمة وانصاف الأخرين فواشى الانانية والصوالح الخاصة فأن كانت الهدية بغير مصلحة تأخذ وان كانت لمصلحة فتمنع وترفض.