بعض معاني العلمانية

بعض معاني العلمانية

د. قيس النوري

يقال إن العلمانية، مصطلحاً وممارسة، ظهرت، أول الأمر، في أوربا نتيجة لأضرار تحالف الكنيسة مع الإقطاع، وانعكاسات ذلك التحالف على المجتمعات الاوربية الرازحة، آنذاك، تحت سطوة غاشمة لا حدود لنهبها للإنتاج الزراعي والحرفي البسيط، واستغلالها البشع للإنسان في الإقطاعيات الأوروبية على حساب العاملين من الفلاحين الخاضعين لسلطة (الأمير النبيل) وقوانينه الخاصة في إطار إقطاعية.

ولدت اتجاهات العلمانية الأوروبية في ظل تلك الظروف، فهي إذاً ناتج حالة ونموذج خاص اتسم بالنزوع نحو التحرر من سلطة ثنائية الكنيسة والإقطاع، لكنها لم تلغ الكنيسة بصفتها شأناً دينياً، وإنما ركزت على تحييد سلطة الاقطاع وفك تحالفه المصلحي مع الكنيسة لصالح المنتجين. العلمانية، اتجاهاً سياسياً، يتعلق بإدارة الدولة، أولا، وكيفية ممارسة السياسة العامة بمعزل عن سطوة من كان يدعي وكالة الله في الأرض وغلوّه، ومن ثم مشروعية تحكمه بالناس كون رجال الدين هم الوكلاء المكلفون من المطلق، وبتخويل غيبي لا أساس له يقوم على الاستغلال وتوظيف الجهل السائد في أغلب مكونات المجتمع، آنذاك، (نموذجه المعاصر ولاية الفقيه) حيث لا يمكن لعاقل أن يقبل الخنوع لسلطة مستمدة من وهم التوكيل وزيفه.

ممارسة السلطة من الشعب، بمعزل عن سطوة وكلاء المطلق، ليست ابتكاراً أوروبياً محضاً، فاتجاهات الفلسفة السياسية في الإرث الإنساني أعمق بما لا يقاس من النموذج الأوربي العلماني المعاصر، حيث دعا فلاسفة ما قبل المسيحية إلى تحرير العقل من القبول بسلطة تلغي العقل الإنساني وتخويل الآخر، بالإنابة عنه، في تواصله في البحث عن الحقيقة ومن ثم ضمان خلاصه.

 العلمانية، سياسة، وهي بالجوهر ممارسة السياسة العامة للدولة من دون تأثيرات ملزمة لطبقة رجال الدين وإصرارهم على امتلاكهم وحدهم الطريق إلى الله.

الدين، أي دين، قناعات راسخة ارتفعت إلى العقيدية في الضمير الإنساني، وهي بذلك مكونات من الصعب مناقشة صوابها أو خطئها، فهذه المساحة من السجال ليس فيها منتصر في أي حوار مهما طال وامتلك الحجة، لذلك فإن العلمانية لا تناصب الدين العداء، أو تناقش صوابتيه، بل إنها، على وجه الدقة، تقف بحيادية تجاه الدين، أي دين، ما دامت ممارسة السياسة لإدارة شؤون الأمة تستوجب تحقيق العدل بين أفراد الأمة بصرف النظر عن انتماءاتهم وإيماناتهم العقيدية، فليس من المنطق تغييب الحق لصالح جهة ما على حساب أخرى بالانحياز لمجرد توافق الحاكم عقيدياً مع الخصم.

الجوهر القرآني خاطب (المؤمنون) وهو مصطلح يعني كل من (آمن) بوحدانية الله، بصرف النظر عن شكل الإيمان وإطاره ومرجعياته، لذلك نجد أن في الموروث العربي، على صعيد ممارسة السلطة، الكثير من شواهد الممارسة انتصار القضاء لصالح غير المسلم في نزاعه في قضية ما، وهي ممارسة علمانية، في تقديرنا بممارسة السلطة، هذه الحالة لم تكن فردية أو استثنائية، وإنما كانت منهج عمل اتسمت به السلطة القضائية العربية، وربما يكون خير شواهدها المؤكدة ذلك النمط، الذي كان سائداً في الدولة العربية في الأندلس، مثالاً واضحاً، اتضحت أشكاله بالموقف من اليهود في ظل الدولة العربية، إلى درجة أن اليهود نزحوا مع العرب في خروجهم القسري من شبه الجزيرة الايبيرية جنوباً نحو شمال المغرب العربي، وهي دلالة عن قناعة هؤلاء باقتران العدل في الممارسة السياسية للنظام العربي، وخشيتهم المحقة من احتمالات الاضطهاد في ظل الدولة المسيحية الكهنوتية بعد طرد السلطة العربية، وعندما وظفت اليهودية في عصرنا الراهن باستغلال سياسي مضلل ولدت عنها نزعة عدوانية عنصرية تقتل الآخر وترفض التعايش معه.

موقع الدين، في نموذجه العربي، يتلخص بالمعاملة، والمعاملة تعني الإدارة، والإدارة المتزنة تعني سلمية المجتمع من خلال النظر إلى الفرد بصفته جزءاً من الأمة بمختلف تلاوينها، ليس فقط بإيماناتها العقيدية، وإنما حتى بالأصول، فالأصل يعني الانتماء إلى الأمة والتزام مصلحة مجتمعها.

المجتمع العربي، بامتداداته الجغرافية الواسعة وتكويناته المتعددة من الايمانات، يتطلب استحضار النموذج الكفيل بوحدة المجتمع، ويرسخها لصالح دولة قوية يتلمس فيها مواطنها العدل من خلال ممارسة سياسة متساوية هي الضمان الوحيد والأكيد لوحدة وتماسك المجتمع.

يقال إن الدول تسقط من الداخل، أولاً، قبل سقوطها على يد الغزاة ، وربما يكون سبب سقوطها غياب التجانس المتماسك لمجتمعها بغياب العدل والمساواة مما يشكل ويستثمر نافذة للتدخل، وخبرة المشاهد التاريخية وتراكمها خير شاهد على أقول دول وإمبراطوريات امتدت إلى أقاصي الأرض عندما ضعفت نتيجة لتحول المجتمع من وحدته ليكون جزراً صغيرة منعزلة تتقاطع مع بعضها نحو العزلة والتخندق الأعمى.

 باحث أكاديمي عراقي