
دلمون ارض الخلود وقيثاراتها الدلمونية
قيثارة دلمون تمثل أقدم الاصوات الموسيقية الفنية في العالم
باحث بحريني يدشن كتابه ”قيثارة دلمون الوترية” ويدرس اللغة المسمارية
البحرين – خاص
دشن الباحث التاريخي محمود البقلاوة كتابه الاخير ”قيثارة دلمون الوترية”، قبل أيام، في جمعية البحرين للتاريخ والاثار تبعها ندوة حول تاريخ دلمون وحضارتها التي تمتد اكثر منذ 3000 سنة قبل الميلاد.
وقال ان اول دليل على صناعة وتصدير هذا النوع من القيثارات في البحرين هي ما اشارت اليه الكتابة المسمارية في بلاد الشام: "إن هناك شحنة تجارية آتية من دلمون، عبر بلاد الرافدين، محملة الى حضارة آبيلا في الشام ومن ضمن هذه الشحنة قيثارة دلمون".
واضاف أن الكتابة عن قيثارة دلمون الوترية – وهو اسم الكتاب – هي بمرتبة اعادة تراث قديم في محاولة تجريبية، حيث الأثر لقيثارات عديدة قديمة موجودة تجعلنا نحاكي الزمن، فلقد كان في البدء اللفظة، التي ترجمت الى الكلمة بتحولاتها، وكذلك الشيء نفسه بتحولاته ينطبق على الحس الموسيقي حيث الصوت والنغمة الطبيعية، فكانت الاصول هي التي تعيد مكانة الموسيقى ذات الصوت الطبيعي.
ويواصل: لذا نتسلح بآثار ما تبقى من تراث قيثارة قديمة والتي ليست هي آلة استعراضية وليست آلة تطريب، لكنها آلة رثاء اتخذت من اصوات الطبيعة الحانها واستعرضت بقدسية الفن الموسيقي لهذه الالة "صندوق الصوت" في المعبد الدلموني في باربار.
وقال ان الهدف من هذا البحث اعادة الروح الفنية الدلمونية القديمة من خلال استعراضها في الكتابة عنها والتعريف بها كتحفة ثقافية رائعة.
انها قصة حضارة وتاريخ ثقافة هذه الالة ذات الارث التاريخي والاثاري، انها تمثل اقدم الاصوات الموسيقية الفنية القديمة في العالم الانساني الحضاري.
وزاد: ويبقى راس قيثارة دلمون ”الثور” درة المتاحف في الشرق الاوسط، انه عمل عاش مع الانسان وبقي دوما منذ النشأة الولادة، وان لكل عمل فني دافع يحث على انتاجه وشكل يخرج به الى المجتمع ذي قصد وهدف ورسالة يتم ايصاله، وفي استمراره منذ ميلاده حتى زمانه، يكون كنزا من الاعماق متجدد العطاء للانسانية في ادوارها منذ انشأتها وتحللها حتى تاتي نهضة اخرى .
ويكون العمل باق تكمن من خلاله الاعجاز وسره لياتي في تلبية نازع اجمالي متأصل في نفس الانسانية يصاغ وفق نواظم جمالية في ظروفه التاريخية وفق بيئته الاجتماعية المتعددة الاطوار.
وعن استعمالاتها يقول البقلاوة: إن الثابت الان أنها تستخدم في الرثاء والعمل الجنائزي، “والسعي لاستحضار معاني الشجن الساكن في شغاف سرمدية رثائيات المعبد الدلموني، بوصفها معزوفات تلامس الانشغالات الجنائزية لحياة ما بعد الموت في العالم الاخر”، ولربما تستخدم للافراح ايضا، وكذلك احتفالات بقدوم الملوك للمعبد، ولكن الاهم هي ان العائلة تستخدمها في العزف .
وعن اعماله المستقبلية قال إنه منصرف إلى تأليف كتاب “دلمون في النصوص القديمة”، وانه يدرس الان اللغة المسمارية ويسعى إلى ترجمة اللوائح والاثار المكتوبة بالمسمارية في البحرين وهناك جهات من الممكن أن تمول مشروعه في هذا الجانب من بينها (تمكين) .
يذكر أن البقلاوة سافر الى جامعة اكسفورد لدراسة هذه اللغة، ونسج تعاون مع اعضاء الفريق المتخصص في اللغة المسمارية بالجامعة، وقال لقد تمكنت البشرية من البقاء على الحياة بفضل الاله ”انكي” وحكيم دلمون الذي انقدهم من الفيضان.
دلمون هي جزيرة الارض المقدسة وارض الفردوس وارض مشرق الشمس وارض العبور وجزيرة زهرة الخلود وارض سر الحياة الابدية وجنة عدن السومرية وحلقة وصل لتاريخ الحضارات .
وكان المعتقد الديني الدلموني هو ”الالهى القائم على عبادة الاله، مبني على علاقة اعتقاد بشئ ما، خضوعا واعترافا بمحدودية الكائن البشرى امام ما هو اشد واعلى منه".
وبجانب تعدد الوظائف في المجتمع الدلموني كالكاهن الديني والحرفي المدني والفلاح والصياد، بجانب الكتبة والتجار وبذلك كان في دلمون روح مشتركة وثقافة موحدة في مواءمة الواقع والوجود.
هذا ما بدأ به الباحث محمود البقلاوة في كتابه ” قيثارة دلمون الوترية” ، ويقول ان الدلمونيين يؤمنون بوجود الخالق الاله، لذا ان معرفة دلمون تبقى مقرونة من خلال الادب السومري الذي كتبت بالخط المسماري الذي اشار الى دلمون .
وصوّر الادب المسماري السماء والارض في وحدة متحدة الاصل الا انهما فصلتا فكانت، السماء للاله ”آن” والارض للاله ”كي”، وبقي الاله آنو مجسد للسماء وكل عنصر من عناصر الكون ويمتلك كينونة متحركة ولها مجموعة من المقومات النشطة وارادة خاصة بها .
وان الاله ياتي بعد ذلك ليتجسد ويتجسم في هذه القوى المتأصلة في الطبيعة فتكون المادة جاءة بعد خلق الاله “انو” وبعد ما انجز ”آنو” السماء .
"أنو” سبق السماء وانه هو الذي قام بخلقها، انه الفكر الديني جعل من الاله هو من قام ببث الطاقة والحركة فيها وهو الذي جعل منها مصدرا للعوامل الجوية والظاهرات الطبيعية .
لقد تميز ”آنو” بانه اعلى قوة في الكون وكان ملكا وابا لكل الالهات الاخرى، لذا عبادة السماء عبدت على اساس وجود اله قام بخلقها وانه القوة الكامنة والمحركة لها، وكانت له السيطرة والعلو فوق الالهات وكل البشر.
وتميز ”انكى” بعطفه على البشر ووقوفه الى جانبهم كما جاء في اسطورة الطوفان، وأرشد زيويسرا إلى صنع سفينة الابحار للنجاة من الطوفان .
الوثائق والنصوص السومرية التي كتبت بالخط المسماري تقسم العالم الى عصرين :
عصر ما قبل الطوفان العظيم ”ما قبل التاريخ ”
وعصر ما بعد الطوفان العظيم ”ما بعد التاريخ ”
” … تمكنت البشرية من البقاء على الحياة بفضل الاله ”انكي” الذي انقدهم من الفيضان من خلال مساعدته الى (زيوسدرا) حكيم دلمون، وتعليمه كيفية بناء سفينة له ولاهله ولحيواناته، ان انكي الهم وعلم (زيوسدرا) والذي بدوره علم ابناء الجنس البشري الاوائل، ولعب دورا رئيسا في انقاذ البشرية الاولى من الطوفان".
” نظرية التفويض الالهي وهي ان ألهة السماء ”آنو” هي التي اوعزت الى الاله “انكي” ان يلهم “زيوسدرا” بصناعة السفينة للنجاة وجعلت الاله انزاك حامي دلمون والى الملك ”اوبيري” وابنه الملك ايكي ايل التمثيل في ارض دلمون في شؤون العبادة وراية الزراعة والحصاد “
وتالياً تكون ارض دلمون ”البحرين” الموطن الالهي الاصلي الذي احتضنت البشرية قبل الطوفان وبعده، وان ”انكى” انحدر منه الاله ”انزاك”، حامي دلمون ومنشئها وهي الارض الناجية من الطوفان، استوطنها الانسان قبل الطوفان وبعده، لذا ارتبط الاعتقاد الالهي التعددي بالحياة العملية والدينية في دلمون ”البحرين” منذ القدم.
علما أن حضارة دلمون كانت في الفترة منتصف الالفية الثانية قبل الميلاد، وقصة سفينة نوح جاءت بعد ذلك في الكتب السماوية.