
تقارب فرنسي إيطالي بشأن ليبيا يمهد للعودة لاتفاق أبوظبي
روما – يعكس موقف روما الداعي إلى ضرورة وقف إطلاق النار في طرابلس واستئناف العملية السياسية دون الإشارة إلى مطالب حكومة “الوفاق” وميليشياتها بانسحاب الجيش من مواقعه، وهو نفس الموقف الذي تتبناه باريس، وجود تقارب فرنسي إيطالي بشأن الأزمة الليبية من شأنه التعجيل بالتوصل إلى تسوية سياسية على قاعدة اتفاق أبوظبي.
وقال رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي عقب لقائه بالقائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر الذي استمر ساعتين في روما “لقد دعوت إلى وقف إطلاق النار ونثق في أنه يمكن السير في طريق الحل السياسي”.
وأكدت الرئاسة الفرنسية أن إيمانويل ماكرون سيجتمع مع خلفية حفتر في باريس الأسبوع المقبل
وتبدد جولة حفتر في روما وباريس آمال رئيس حكومة “الوفاق” فايز السراج بإدانة العملية العسكرية للجيش لتحرير العاصمة من الميليشيات.
ويتوافق الموقف الإيطالي مع المقترح الذي قدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوقف إطلاق النار دون شروط، عقب لقائه بفايز السراج الأسبوع الماضي.
وقال المكتب الإعلامي للرئاسة الفرنسية حينئذ إن ماكرون شدد على ضرورة حماية السكان المدنيين، وقدم مقترحا لتحديد خط لوقف إطلاق النار تحت إشراف دولي.
كما اقترحت الرئاسة الفرنسية إجراء تقييم لسلوك المجموعات المسلحة في ليبيا بالتعاون الوثيق مع الأمم المتحدة وهو ما اعتبر خطوة تكتيكية من باريس لإثبات تخفي حكومة “الوفاق” خلف جماعات فوضوية ومتطرفة. وظهر نوع من التباين بين روما وباريس في طريقة التعامل مع التصعيد العسكري في طرابلس في بداية انطلاق المعارك في الـ4 من أبريل الماضي.
وعرقلت باريس في بداية المعركة مشروع قرار أوروبي، تتهم روما بالوقوف خلفه، يهدف إلى إدانة الجيش الليبي.
وقال نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني حينئذ “لن أقف متفرجا إن كان هناك من يمارس لعبة الحرب لأجل المصالح في ليبيا”. وأضاف قائلا “إنها مسألة ساعات لمعرفة ما إذا كانت فرنسا تدعم أحد الطرفين اللذين يتقاتلان أثناء هذه الساعات في ليبيا”.
واتهم الناطق باسم الجيش أحمد المسماري روما بدعم ميليشيات مصراتة قائلا “تقلع طائرات من قاعدة مصراتة العسكرية لتقصف قواتنا وتتسبب في سقوط ضحايا من بينهم مدنيون ونعتقد أن للإيطاليين دورا في تدريب الميليشيات. إنه ليس بالأمر الجيد، عليهم المغادرة”.
واحتدم الصراع بين إيطاليا وفرنسا بشأن ليبيا، في الآونة الأخيرة، وتحوّل إلى معركة ثنائية حول أحقية التدخّل في هذا البلد.
ويعترف الليبيون والبعثة الأممية والاتحاد الأوروبي بدور هذا التنافس في عرقلة التوصل إلى تسوية للأزمة العاصفة بالبلاد منذ سنوات.
ويشير دعم إيطاليا للمقترح الفرنسي بوقف إطلاق النار الذي لا يرضي الميليشيات، إلى تغيير في موقفها منها ومن حكومة “الوفاق” التي ساندتها بقوة خلال السنوات الماضية.
وأعربت حكومة “الوفاق” في أكثر من مناسبة عن رفضها لوقف الاقتتال والرجوع إلى طاولة المفاوضات قبل عودة الجيش إلى مواقعه مطالبة المنطقة الشرقية بتقديم شخصية أخرى للتفاوض معها، في محاولة لتصوير الصراع على أنه صراع جهوي وقبلي، متناسية أن الجيش وقائده يحظيان بدعم عدة مدن وقبائل في المنطقة الغربية ومناطق في العاصمة.
ولا يريد الإسلاميون من خلال رفضهم وقف إطلاق النار، منح الجيش فرصة للتفاوض من موقع قوة، ذلك أنهم يدركون أن وقف القتال سيضع الجيش في قلب طرابلس بشكل سلمي.
وتدعم فرنسا منذ 2014 الجيش الليبي في محاربته للمجموعات المتطرفة في مختلف أنحاء البلاد، وتراهن على خليفة حفتر كشخصية قوية بإمكانها إرجاع الاستقرار إلى ليبيا.
ويربط مراقبون تغير الموقف الإيطالي ببروز دعم أميركي للجيش بعد المكالمة التي جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وخليفة حفتر في 19 أبريل الماضي. وأكد ترامب على دور حفتر في محاربة الإرهاب وتأمين قطاع النفط.
وبدأت ملامح التقارب الإيطالي الفرنسي تتبلور منذ اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الإيطالي إينزو موافيرو ميلانيزي، مساء الاثنين، بنظيره الفرنسي جان إيف لودريان، حيث بحثا مستجدات التطورات العسكرية في طرابلس.
وأشارت تغريدة للبعثة الدبلوماسية الدائمة لإيطاليا لدى الاتحاد الأوروبي إلى أن “اللقاء شهد تقاربا واسعا في وجهات النظر حول ليبيا”.
والأربعاء، ناشدت فرنسا أطراف النزاع في لیبیا تنفیذ التزاماتهم التي توصلوا إليها في مؤتمرات باریس وبالیرمو وأبوظبي. وأعربت الناطقة باسم وزارة الخارجیة الفرنسیة أغنیس فون دیر مول في مؤتمر صحافي بباريس عن أسفها “لعدم استكمال اتفاق أبوظبي في مارس الماضي”.
ويتهم الجيش وداعموه السياسيون حكومة الوفاق بالتراجع عن تطبيق ما جاء في اتفاق أبوظبي. ويقول هؤلاء إن حفتر اضطر للتحرك عسكريا بعد أن تراجع السراج عن اتفاق دخول الجيش إلى طرابلس سلميا.
وكشف فتحي المجبري عضو المجلس الرئاسي اللیبي حقیقة مخالفة بنود اتفاق أبوظبي الذي جرى بین المشیر خلیفة حفتر وفايز السراج. وأكد المجبري أن عملیة الجیش اللیبي في طرابلس لا تعد إخلالا باتفاق أبوظبي، وأن فايز السراج هو من أخل بالتزامات أبوظبي.
وأضاف أن السراج لم یذهب إلى اللقاء الذي كان مرتقبا في جنیف لاستكمال هذه الاتفاقات، وأن نتیجة عدم التزامه بعهوده أكثر من مرة، لم یكن أمام الجیش سوى الدخول إلى العاصمة بهذه الطریقة.
واتفق السراج وحفتر خلال لقاء في أبوظبي نهاية فبراير الماضي على إنهاء المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. وتضمن الاتفاق بين الطرفين بنودا لم تنشر لكن بعض المطلعين عليه يؤكدون أنه جرى الاتفاق على دخول الجيش سلميا إلى طرابلس وهو ما لقي معارضة شرسة من قبل الميليشيات في طرابلس ومصراتة ما يبدو أنه دفع السراج للتراجع عن اتفاق أبوظبي.
وأمام هذا الوضع لم يكن أمام حفتر سوى التحرك العسكري لمنع التوصل لأي صفقة سياسية خلال المؤتمر الجامع الذي كان المبعوث الأممي غسان سلامة يستعد لعقده في 14 أبريل الماضي، قبل دخول طرابلس.
ويقول المحلل السياسي محمد الجارح إن “إصرار حفتر على دخول قواته إلى طرابلس نابع من رفض الدخول في أي صفقة سياسية أو اتفاق سياسي قد تتبلور في ملتقى غدامس دون أن يكون له تواجد عسكري على الأرض في طرابلس لحماية المؤسسة العسكرية ولممارسة نوع من السلطة في طرابلس، وخلق توازن في القوة مع المجموعات المسلحة المسيطرة على طرابلس”.