
خفايا من حياة علي الوردي
سامي مهدي
أسعدتم صباحاً ..
هذا عنوان كتاب صدرت طبعته الأولى عام 2015 ولم أطلع عليه إلا في الأيام الأخيرة ، أما مؤلفه فهو صاحب الوردي والعارف بالكثير من شؤونه الخاصة الكاتب والصحفي سلام الشماع .
والكتاب مسعى صادق ومخلص لكتابة سيرة هذا المفكر كما عرفها المؤلف من مرافقته إياه ، ومما سمعه منه ومن بعض أقاربه وأصدقائه ومعارفه وتلاميذه ونقاده ، وأخيراً مما تيسر له من وثائق قليلة معنية به ، ولذا كان عنصر ( الرواية ) هو الغالب عليها .
يكتشف القارئ ، من خلال ما قدمه الشماع من معلومات ، أن الوردي إنسان بسيط كسائر الناس في حياته ، له أسراره ومعتقداته وعاداته وشؤونه الخاصة التي قد لا تروق لبعضنا ، عدا ما نعرف عنه وعن فكره من مؤلفاته المنشورة . ويبدو أنه كان يشعر بالإحباط والمرارة واليأس رغم ما حظي به من مكانة أكاديمية وشهرة علمية بين الخاصة والعامة ، ذلك لأنه لم يكن يتمتع بكامل حريته الفكرية ، ولم يكن لديه أمل في تغير الحال . فهو في نظر السلطات المتعاقبة شخصية مقرونة بعلامات الاستفهام ، وهو في نظر رجال الدين ، أو بعضهم في أحسن الأحوال ، شخص مارق مشكوك في إبمانه أو لغز غير مفهوم ، وكثير من العوام كان يذهب فيه مذهب رجال الدين . وقد اتهم في حياته بمختلف التهم السياسية والفكرية ، وتعرض لكثير من المضايقات ، حتى بات يخشى على نفسه ,
والدليل على شعوره بالإحباط والمرارة قول سلام الشماع في ( ص 14 ) : سألت الوردي مرة بعفوية :
- كيف حالك يا دكتور ؟
فرد عليّ :
- فاخرة ، لا دنيا ولا آخرة !
ولعل أبلغ ما عبر به عن شعوره بالإحباط أنه لما أقيمت احتفالية لتكريمه وهو على فراش المرض أرسل إلى القائمين بالإحتفال بيتاً من الشعر وطلب منهم قراءته على المحتفلين . والبيت هو :
أتت وحياضُ الموتِ بيني وبينها / وجادت بوصلٍ حيث لا ينفعُ الوصلُ
كان الوردي يشعر بأنه مفكر متنور مقيد ، ومغبون ، وغير مفهوم ، وكان لديه الكثير من الأفكار التي كتمها واحتفظ بها لنفسه ، أو أفضى ببعضها لخاصته ، أو ألمح إليها إلماحاً غامضاً .
ويذكر الشماع ( ص54 ) أن الوردي كان يردد في سنواته الأخيرة " إدفنوني في مقبرة الغرباء " وهذه في ظني ذروة ذلك الشعور .
وأود ألاّ أصدق ما ذكره الشماع في ( ص 33 ) من كتابه . فقد روى أن الدكتور علي الوردي و الدكتور علي جواد الطاهر دفنا متجاورين في مقبرة واحدة ( أظنها المقبرة الملحقة بجامع براثى في الكرخ ) وأن الشيخ جلال الدين الصغير أوعز بجرف قبريهما لتبنى على أرضهما قاعة , ونسب الشماع هذه الرواية للأكاديمي المعروف الدكتور كامل مصطفى الشيبي !
وبعد ، إذا صحت هذا فما أضيع العلم والعلماء والأدب والأدباء في بلادنا !