
جغرافية تنفذ بالتقسيط
د. قيس النوري
إنهم يريدون لسلسة التاريخ أن تنقطع، إذ كثر الحديث عن مؤتمر البحرين وكأنه حدث جديد، وما هو بجديد، حقيقته لا تعدو كونه حلقة أخرى من سلسلة مترابطة من مشروع تفكيك المنطقة جغرافياً وبشرياً، وإعادة تركيبها على وفق متطلبات المشروع الأميركي ــ الصهيوني، فقد سبق مؤتمر البحرين، هذا، عديد مؤتمرات، ابتدأت بمؤتمر مدريد العام 1991، ثم مروراً بعديد آخر من الاجتماعات، في السياق والغرض نفسيهما، أسفرت عن اتفاقية (غزه ـ أريحا) العام 1993، ومؤتمر الدار البيضاء الاقتصادي في 1994، ثم الاتفاقية (الأردنية ـ الإسرائيلية) في العام نفسه سعيا إلى بناء نظام إقليمي متكامل لا تنحصر أبعاده بالاقتصاد فقط.
ينطلق مشروع إعادة بناء المشرق العربي، بعد تفكيكه بالقوة، من خلال الحرب والحصار والحروب الأهلية وتشجيع الأقليات الاثنية والعرقية على التمرد ودفعها إليه، وهو ذو أبعاد متعددة، سياسية وجغرافية واقتصادية ومجتمعية، وحتى ترتيبات سياحية (نموذجه منتجع شرم الشيخ في خليج العقبة)، في أطار مشروع أمني مرتكزه الأساس جرّ النظم العربية للاعتراف بالمشروع الاستيطاني الصهيوني كعضو مقبول ومن ثم تعشيق وجوده بمفاصل دول المنطقة كلها.
هكذا يرسمون في أذهانهم الحل للأزمة المحتدمة، مذ زرعوا الكيان الصهيوني في الأرض العربية، هذا المشروع، الذي ابتدأت أولى إجراءاته التنفيذية، منذ منتصف عقد ثلاثينيات القرن الماضي بالهجرة اليهودية المنظمة والمدعومة من الغرب لم يكتمل بعد، حيث يسعى الغرب وكيانه الاستيطاني، طبقا للعقيدة الصهيونية ونظرية الأمن لهذا الكيان إلى أحكام السيطرة الاقتصادية والأمنية على المشرق العربي بعد إضعاف الجيوش العربي وتفتيتها، فمن دون هذه السيطرة سوف تبقى (إسرائيل) دولة عاجزة تتهددها الأخطار المحتملة في الأفق المستقبلي ما دامت هي مرفوضة كعضو طبيعي في الإقليم على المستوى الشعبي، ذلك أن قبولها عبر اتفاقات مع النظم السياسية العربية الرسمية أمر لا يضمن لها استمرارية هذه الاتفاقات وصدقيتها وفاعليتها، وهو أمر مفهوم لفقدان النظم العربية، من دون استثناء، شرعيتها السياسية ومن ثم احتمالات سقوطها، من هنا يسعى الغرب إلى إجراء سلسلة من التغييرات على بنية النظم العربية وهياكلها، بعد أن عمل على نزع عناصر القوة العسكرية والاقتصادية منها وعبر ارتهانها الأمني البنيوي بالغرب، وهذا ما تم ويتم استكمال مفرداته في مشهد اليوم .
بقي المشرق العربي محط اهتمام خاص، ليس في المنظور الغربي حصرا، فمن المثير للدهشة وما يدعو إلى الاستغراب، أن لا يختلف هذا الاهتمام ووضع التصورات بشأنها على الدوائر الاستعمارية الغربية مع تلك التصورات التي قدمتها (لجنة العلوم السوفيتية للأمن الدولي) في مارس/ آذار 1991 عن تلك التي بحثها مؤتمرا (مؤسسة كوكير) السويسرية في مايو/ أيار وسبتمبر/ أيلول 1991، ولا تلك التي رسم ملامحها العامة وعناصرها الرئيسة (معهد السياسة الخارجية) التابع لجامعة (جون هوبكنز) الأميركية العام 1991، وهذا كله يتوافق مع التصور، الذي قدمه شيمون بيرز في كتابه (ماذا بعد عاصفة الصحراء.. رؤية مستقبلية للشرق الأوسط)، وكان مركز يافيه التابع لجامعة تل أبيب قد نظم حلقة دراسية حول السيطرة على الأسلحة في الشرق الأوسط في ديسمبر/ كانون أول 1989، لم تبتعد بحوثها عن التصورات، التي قدمتها المؤسسات المشار إليها آنفا، مع ملاحظة أن جميع هذه التصورات النظرية وضعت قبل ضرب العراق عام 1991 وبعده، وهكذا نجد أن الرؤية الإسرائيلية هي النمط الموحى لمجمل هذه التصورات، بل هي المرجع النظري للرؤى الغربية والشرقية على حد سواء.
في ضوء ما تقدم، ليس صحيحاً أن مؤتمر البحرين يستهدف تصفية القضية الفلسطينية ويتوقف عندها، الاستهداف أعمق وأشمل وأوسع من البؤرة الفلسطينية، أنه يشمل المشرق العربي كله، كون الكيان الصهيوني، كيان توسعي جغرافيته الأمنية تتجاوز الأرض الفلسطينية حتى تصل إلى تخوم الحدود الشرقية للعراق، ومن هنا أيضا أخطأت القيادات العربية الرسمية في مؤتمر قمة الرباط عندما اعتمدت منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل (الشرعي) و(الوحيد) للقضية الفلسطينية بتجريد الصراع من أبعاده الحقيقية، وبهذا الوصف أتاحت للكيان الصهيوني فرصة مضافة لاختراق الأمن القومي العربي باتفاقية أوسلو مع الممثل (الشرعي) و(الوحيد) متجاهلين أن تهديدات الأمن الإسرائيلي أوسع وأعمق وأشمل.
لم يأت الناتو العام 1991 ليضرب العراق من أجل تأمين توريدات النفط، أو من أجل كيلومترات من الأرض، بل جاء بعاصفته النارية كخطوة افتتاحية لشرق أوسط بخارطة جديدة ممزقة الأوصال جغرافيا وبشريا لضمان أمن النفايات الأوربية والشرقية وكيانها الاستيطاني.