ماذا نريد ولماذا نريد؟

ماذا نريد ولماذا نريد؟

هيفاء صفوق

يتسابق الكل في حالة الركض الدائم من دون توقف معتبرين ذلك انجازا، لكنهم بعد تحقيق هذا الإنجاز يشعرون بخيبة الأمل أو بفراغ كبير.. «هل هذا هو كل شيء؟». ما يجعلنا نطرح سؤالا: ماذا نريد فعلا؟

الأهداف الطموح، الجداول، الاستراتيجيات، العمل، العلاقات، المال، المنصب.. سلسلة طويلة لا تنتهي من رغبات الإنسان في تحقيق ذاته جميعها مهمة وجيدة لنا لكن.. كيف نحقق ذلك بـ «توازن»؟

الإنسان خلق وجبل لأن يكون رقما مهما وروحا تسعى لأن تكون حاضرة وخيرة ومتواجدة ولها بصمة كبيرة في الحياة هذا الجميع يشترك فيه في رحلتنا في الحياة.

هل حالة «الركض» هي الطريقة المثلى الاستمتاع بالحياة؟

الركض دون توقف يغيّب عنا حقيقة مهمة «من نحن؟» و«ماذا نريد؟»، نضع هدفا ونحاول جاهدين لتحقيقه وننسى أنفسنا وصحتنا وتفكيرنا، ننسى ما حولنا من أدوار ومهام أخرى، يصبح شغلنا الشاغل هو الوصول لـ «الهدف».. مكانة مرموقة وظيفة مهمة، بيت العمر، رصيد في البنك.. كل ذلك مهم، لكن كيف يتم ذلك؟

البعض عند الوصول يفاجأ بأنه خسر كثيرا أثناء سيره في الحياة، لم يستمتع مع أبنائه، ربما وفّر المال والمكان الجيد، لكنه كان بعيدا عنهم، وعندما انتهت مهمته وحقق ما يريد تفاجأ بألا أحد حوله.. تفاجأ بأن الأبناء ينظرون له «كصراف مالي فقط، كم فردا تألم لذلك، وكم فردا أسقط غضبه على أبنائه بألا يوجد فيهم خير وأنهم خذلوه.

مهم لتحقيق ما نرغب فيه أن نعيش «التوازن» بين ما نرغب فيه وبين ما يوجد من حولنا، كحال الأبناء مثلا، يحتاجون القرب والدفء والمشاركة وليس فقط الماديات التي تحجم العلاقة بين الاثنين، «التوازن» يجعلنا نعمل ونجتهد، وفي الوقت نفسه لدينا مسؤوليات أخرى مع من نحب أيضا.. أن نستمتع.. أن نفرح مع بعضنا ولا ننتظر الغد لكي نفرح.

هناك من يفاجأ في غربته مع ذاته ومع نفسه، تكبر المسافة بينهما فلم يعد يعرف نفسه، وهذ أشد أنواع الاغتراب عندما يحيط به كل ما تمنى لكنه فقد الشعور بذاته، «من هو» و«من يكون»، وهذا هو الخواء الروحي والفراغ النفسي الذي يشعره بحالة العطش لشيء ما.

كل ما نقوم به من أجل إسعاد أنفسنا ومن حولنا؛ فلماذا لا نشعر به الآن ونعيشه الآن ونستمتع بكل ما هو موجود الآن؟ لماذا لا نشعر بكل ما لدينا صحة وعافية وأهل وأبناء وعمل، نشعر بجمال الأشياء من حولنا ونستمتع بأحبابنا طالما هم بقربنا؟ لماذا نؤجل ذلك إلى بعد أو إلى أوقات أخرى؟

مهم أن نعرف نحن «ماذا نريد؟» و«لماذا نريد؟»، وكيف نوازن بين الرغبة والاحتياجات والاستمتاع، نوازن بين تحقيق الهدف والحياة، نوازن بين العمل وإعطاء أنفسنا ومن حولنا حب وسلام واحتواء وقرب؟

الحياة ليست قلما ومسطرة وجدولا فقط نركض كالألة من دون شعور ومن دون حب، نحن بشر فينا جوانب عدة تحتاج منا الالتفات لها بحب واحتواء، تضجر النفس من كثرة الصخب والركض والطلبات التي لا تنتهي حتى تضجر أنفسنا من الرهق والتعب ثم نلوم الحظ والظروف والناس والعمل أيضا، والاشكال ليس بكل هؤلاء، بل في أنفسنا أننا لم نعد ندرك من نحن، وماذا نريد فعلا؟ ولا كيف نوازن ونتوازن في حياتنا؟

جميل أن ندرك حقيقة السعادة أنها رحلة كاملة لا تنحصر بشيء معين ولا تتوقف في مكان معين، السعادة عندما نعرف كيف نعيش كل لحظة في حياتنا ونحن في حالة امتنان لله عز وجل من دون اشتراط.. السعادة عندما نحتوي ذواتنا كما هي فلا نحملها فوق طاقتها.. السعادة حينما نحسن الظن بالآخرين فلا يرهقنا عتب أو لوم أو غضب.. السعادة عندما نزرع ونعطي ونتبادل قسمات الحياة مع بعضنا كروح واحدة خالية من الغيرة والتنافس.. السعادة حينما نعطي الوقت الكافي لآبائنا وأبنائنا من دون منة ومن دون أن نشعرهم أننا نتفضل عليهم، كل ذلك جميل أن نشعر فيه الآن وليس بعد سنوات.

لنتخيل الآن أننا حققنا هدفا ما، بماذا سنشعر الآن؟ كيف سنعيشه؟ ماذا سيضيف لحياتنا؟ نستشعر هذه المشاعر ونعيشها الآن قبل الوصول للهدف، وهنا سنحقق:

أولا: استشعارنا للحظة الراهنة وتقبل أنفسنا وحياتنا الآن كما هي، أي لا يوجد مقاومة لواقع معين أو الشعور بالعجز لعدم تحقيق ما نرغب فيه.

ثانيا: هذا الشعور سيزيد مساحة كبيرة من الراحة الداخلية والهدوء النفسي، أي القبول والتقبل والرضا، ما يجعلنا نستمتع بكل ما لدينا في الوقت الحالي، وهذا يبعدنا عن التذمر والخوف والقلق.

ثالثاً: يجعلنا لا نقلق من المستقبل، نعمل ونجتهد ونعيش مع من نحب الآن، ونسير في تحقيق رسالتنا وهدفنا وطموحا بهدوء وتأن وسلام، ما يبعدنا عن حالة الركض الفوضوية ويعيدنا إلى إنسانيتنا وسلامنا واستمتاعنا أيضا.