مقالات مشابهة
.
د. خالد نعمة الجنابي
كاتب واعلامي

أصبح للدراما في العصر الحديث الأثر الفاعل في تشكيل الصورة الذهنية لدى الشعوب سلبا أو إيجابا ؛ لما لها من تأثير في أفكار واراء وثقافات المجتمعات ؛ لسعة انتشارها وقدرتها البالغة على الاستقطاب والابهار مستفيدة من التطور التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم الذي له الأثر الناجز في الأعمال الدرامية ونستطيع وصف العصر الذي نعيشه – دون مبالغة- بـ(عصر الدراما) ؛ لضخامة الأعمال الدرامية وتكلفتها المادية وتأثيرها البالغ في أفكار ومعتقدات الشعوب كما بينا .
أصبحت الدراما تُوظف في المجال السياسي والاجتماعي والأمني بشكل واسع وبدأت تلقى دعما كبيرا من الحكومات بصورة مباشرة أو غير مباشرة ؛ لتمرير أهداف وسياسات معينة من خلال ما تتناوله بعض الأعمال الدرامية ويساعدها في ذلك أن نسب كبيرة من الشعوب بصورة عامة والعربية بصورة خاصة تعاني من ضعف القراءة والمطالعة في ظل عولمة العصر وما يرافقها من تعدد وسائل الترفيه والتسلية التي أصبح الاقبال عليها بشكل مفرط ومهدر للوقت ، وتحولت إلى منافس غير نزيه للقراءة والمطالعة والثقافة .
إن الصورة الذهنية تترسخ بشكل عام بطريقة تراكمية ، وتعد الدراما من أهم العناصر الرئيسة التي تسهم في تشكيلها ، مما يكون تصورات وانطباعات معينة في أذهاننا بحيث تكون الصورة النهائية اختزالا لكل ما رأينا وسمعنا مما عُرض في عمل ٍ دراميٍ معين ؛ فبعض الأعمال الدرامية تعرض حدثا ما أو قصة أو موضوعا بخصوص أمر ما بشكل مشوق وبطريقة ذكية تستقطب إليها ذهنية المشاهد بما يجعله يتبنى رؤيتها هي على وفق المتبنيات العقائدية والثقافية لمنتجي العمل دون عقائد وثقافة المشاهد من ثم يرسخ لديه قناعة قد تكون مغايرة لقناعته التي تحتاجها ديمومة وطنه وتراثه وتاريخه ، لذا اتجهت الدول لاستخدام الدراما كأداة في الصراع السياسي والثقافي والحضاري ؛ للتأثير في قناعات الشعوب بما يحقق مصالحها دون مراعاة لمصالح تلك الشعوب .
تجاوز تأثير العمل الدرامي الحدود الجغرافية للدول وأصبح يُستخدم في تدافع الحضارات والثقافات والأيدلوجيات بشكل بدى واضحا وضوح الشمس ، والعمل الدرامي المتقن هو الأكثر تأثيرا ، كما أن تأثير الدراما بدى جليا في الشعوب العربية والاسلامية التي تتأثر كثيرا بالأعمال الدرامية الغربية والاقليمية على حساب عاداتها وتقاليدها وثقافتها التي بدأت تذوب يوما بعد اخر ويذوب معها التباين بين مبادئ وثقافة وتقاليد منتجي الأعمال الدرامية لتلك البلدان من جهة وهذه الشعوب العربية من جهة اخرى .
وما نلحظه بشكل خاص هو تنامي التأثير السلبي لمحتوى بعض الأعمال الدرامية في المنطقة العربية في ظل غياب الارادة الحكومية والمجتمعية للتصدي لمثل هذا التأثير أو الحد منه ، خاصة كما بينا أن العمل الدرامي أصبح عاملا مهما في تغيير القناعات سلبا أو إيجابا ومثالا على ذلك قياس التأثير الايجابي الذي أحدثته بعض الأعمال الدرامية في قناعات عديد من الافراد والجماعات كتأثير فلم الرسالة في السبعينيات ومسلسل عمر بن الخطاب في السنوات الاخيرة ، مقابل أعمال درامية عديدة أثرت تأثيرا سلبيا على قناعات الشعوب يضيق بذكرها هذا النص والمقام .
خلاصة القول ، ما نريد لفت نظر أصحاب القرار إليه في هذا المجال ، هو المبادرة بالرد على تلك المحاولات في صناعة صورة ذهنية منسجمة مع تراثنا العربي والاسلامي ، مقابلة لما ترسمه بعض الأعمال الدرامية في الطرف الاخر التي بدأت تتسرب إلى تصرفات ومعتقدات شعوبنا العربية والاسلامية خاصة بين الشباب والمراهقين .
وعلى الحكومات العربية والاسلامية أن تتحرك من منطلق المسؤولية الوطنية والشرعية والاخلاقية بصناعة استراتيجية في المجال الدرامي تتولى توعية الشعوب العربية والاسلامية بتراثها وقيمها وعاداتها الأصيلة ونبذ كل ما هو دخيل وسلبي وحسبنا في هذا المجال الاستفادة من التجربة التركية التي تضمنت استخدام الدراما في الترويج لتاريخها وتراثها وخصصت موازنات مالية ضخمة لبعض الأعمال كمسلسل ( أرطغرل) الذي عبر حدود المشاهدة الجغرافية والقارية ، وحقق قرابة الثلاثة مليار مشاهد في العالم لغاية نهاية عام 2018 ، وبُث مترجما بـ(25) لغة في أكثر من (85) بلدا شمل مختلف قارات العالم (بحسب وكالة الأناضول ) .
إن من أكثر مانخشاه هو استغلال بعض الأعمال الدرامية في تزوير وتزييف الحقائق من قبل جهات تريد الحاق الضرر بتاريخنا وتراثنا العربي والاسلامي.